أهمية قراءة التاريخ الأوروبي (أي تاريخ العالم الذي يسكنه الأوروبيون): السلبيات ليست حكرًا علينا والنهضات ليست مقصورة على الإيجابيات. هناك فوائد كثيرة من قراءتنا تاريخ أوروبا وامتداداتها البيضاء التي ينظر الكثيرون إليها بصفتها مثلًا أعلى في التطور، منها:

هذا التطور لم يصل أصحابه إليه في غمضة عين كما يُتوقع منا

فقد مرت أوروبا بقرون من الحروب الدموية والاستبداد، بل والدكتاتورية بالإضافة إلى الجهل والشعوذة والتعصب والاضطهاد بكافة أشكاله والانقسامات السياسية والدينية التي جرت فيها الدماء أنهارًا وظلت كذلك في الداخل الأوروبي إلى زمن قريب جدًا قبل أن يحل السلام بينها وينتقل عنفها إلى الخارج دون أن يتوقف إلى اليوم.

العنف والإكراه والحروب

من يطلع على ذلك يضع السلبيات التي يراها في تاريخنا وحاضرنا في سياقها الطبيعي وحجمها النسبي، ويعلم مثلًا أن الاستبداد الذي يصور كعلامة مسجلة لنا قام بأدوار مشهودة في بناء النهضة الأوروبية على نفس الطريقة التي حاولت القيام بها بعض الاستبداديات العربية [1]، بل يرى أن ضحايا العنف الأبيض أكثر كثيرًا من ضحايا العنف الذي يقع في بلادنا ويبدو كلعب أطفال مقارنة بما شهده الغرب الأوروبي.

سيجد العنف والإكراه في نشر المسيحية بالقوة مما يجعل التهمة التقليدية عن انتشار الإسلام بالسيف إسقاطًا واضحًا، وسيقرأ أن حروب الفرنجة والحملات الصليبية على الشرق امتدت قرنين متواصلين، وأن الصليبيين دمروا القسطنطينية عاصمة المسيحية الشرقية واحتلوها أكثر من نصف قرن قبل الفتح العثماني بقرنين ونصف (1204-1261)، وأن حرب المائة عام امتدت بين فرنسا وإنجلترا لمدة 116 عامًا (1337-1453)،

وأن الحروب بين الأسر الحاكمة في إنجلترا امتدت ثلاثين عامًا فيما سمي حروب الورود (1455-1485)، وأن الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا استمرت أكثر من ربع قرن (1562-1598)، وأن حربًا أهلية امتدت في إنجلترا لست سنوات (1642-1648)، وأن الحرب امتدت في عموم أوروبا لمدة ثلاثين عامًا (1618-1648) بين الحلف الكاثوليكي (ألمانيا والنمسا وإسبانيا) ضد فرنسا والسويد والدانمارك.

وأن حرب الحلف الكبير امتدت بين (1688-1697) بين فرنسا من جهة وإنجلترا والامبراطورية الرومانية المقدسة وهولندا والسويد وإسبانيا ودول أخرى أصغر من جهة أخرى.

وأن الحرب الشمالية العظمى امتدت أكثر من عشرين عامًا (1700-1721) بين إمبراطورية السويد من جهة ضد كل من روسيا والدنمارك وهولندا وبولندا.

وأن حروبًا طاحنة اندلعت للصراع على خلافة العروش والسلطة شملت حرب الخلافة الإسبانية لمدة 12 سنة (1701-1713) بين إسبانيا وفرنسا وبافاريا من جهة ضد إنجلترا وهولندا والنمسا والبرتغال من جهة ثانية.

ثم حرب الخلافة البولندية لمدة ثماني سنوات (1730-1738) بين روسيا وبولندا من جهة، وفرنسا من جهة أخرى، ثم حرب الخلافة النمساوية (1740-1748) بين النمسا وبريطانيا من جهة ضد بروسيا وفرنسا وإسبانيا وبافاريا، وكانت الحروب الفرنسية والهندية ضد بريطانيا امتدادًا لحروب أوروبية، وهي حرب الملك وليم (1689-1697) التي كانت جزءًا من حرب الحلف الكبير، وحرب الملكة آن (1702-1713) التي كانت امتدادًا لحرب الوراثة الإسبانية في أوروبا، وحرب الملك جورج (1744-1748) التي كانت امتدادًا أمريكيًا لحرب الوراثة النمساوية، ثم حرب السنوات السبع (1754-1763) التي شملت معظم أمم أوروبا (بريطانيا وبروسيا ضد فرنسا والنمسا وروسيا) وامتدت مساحتها أيضًا في أمريكا الشمالية والهند وغرب إفريقيا.

وكانت الحرب الفرنسية والهندية هي الأكثر امتدادًا وحسمًا من بين الحروب السابقة، ولهذا أطلق اسمها على ما سبقها كما أطلق عليها اسم الحرب العظمى من أجل الامبراطورية، وهناك من المؤرخين من يرون الحروب الأربع حربًا واحدة ممتدة بين 1698-1763 فصلت بينها فترات من الهدنة [2]، ومنهم من يرى أن هذه الحرب لم تنته بين امبراطوريتي بريطانيا وفرنسا إلا بهزيمة نابليون سنة 1815[3].

ثم الحروب النابليونية التي خاضتها فرنسا ضد بريطانيا والنمسا وبروسيا وروسيا والسويد (1793-1815)، ثم الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) والتي كانت خسائرها البشرية تعادل كل خسائر أمريكا في حروبها الدولية بما فيها الحربين الكبريين، وذلك ليس من أجل حرية العبيد كما زعموا، بل في سبيل الحفاظ على الاتحاد الأمريكي الذي يُنكر مثله على أمتنا، ثم الحرب الكبرى الأولى (1914-1918) والتي سميت حربًا عالمية لعظم انتشارها، ثم الحرب الكبرى الثانية (1939-1945).

ولم نذكر كل الحروب فهناك أيضًا الحرب الأمريكية المكسيكية(1846-1848) وحرب الاستقلال الإيطالي (1859) وحروب بروسيا مع النمسا (1866) وفرنسا(1870) وحرب البوير في جنوب إفريقيا بين بريطانيا والمستوطنين البيض (1899-1902)، والحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) والحرب الكورية (1950-1953)، وحرب فيتنام(1964-1973) وحرب فوكلاند (1982) والحروب الصهيونية التي دعمها الغرب ضد العرب والحروب الأمريكية ضد العراق[4]، وقد عد بعض المؤرخين التدخلات الأمريكية المسلحة منذ إغلاق التخوم الهندية والانطلاق إلى خارج القارة وحتى العدوان على أفغانستان 2001 فبلغت أكثر من 120 تدخلًا [5].

هذا كله لو لم نذكر الحروب الهندية التي امتدت أربعة قرون دون انقطاع (1492-1890)، وقد عد بعض المؤرخين هذه الحروب فبلغ ما شنته الولايات المتحدة فقط دون عد ما قبل الاستقلال الأمريكي فبلغت أكثر من خمسين حربًا في حوالي قرن من الزمن [6].

وسيرى أن العنف البرتغالي الذي افتتح العصر الحديث كان وحشيًا في أرجاء متعددة في العالم، وسيقرأ عن تعصب الإصلاح الديني الذي مارس جريمة الحرق ضد إخوته في الوقت الذي يظن بعض أنصاف القراء أنها وصمة في تاريخنا وحده تستلزم التبعية للغرب، وسيعلم أن ضحايا الثورة الصناعية في الداخل الأوروبي بلغوا الملايين في زمن العقل والأنوار، والعلم، والإنسانية، والرومانسية.

وأن الضحايا في الخارج زادوا على ذلك، وأن الاستعمار وجرائمه (مثل حروب الأفيون ضد الصين وقمع الهند وتقسيم أفريقيا والبلاد العربية واستيطان الجزائر وأستراليا وجنوب إفريقيا…) أدوا دورًا هامًا في نهضة الغرب التي تحمل الآخرون ثمنها الذي بدأ بالهجرات الأوروبية الواسعة وما نتج عنها من قتل بشر ونهب موارد واستغلال أسواق وتفكيك مجتمعات وتهجير شعوب وإحلال غيرها مكانها، مما كان سببًا رئيسًا في رخاء أوروبا، وأن الإمبريالية ترافقت مع الديمقراطية في المجتمعات الغربية، وأن النازية وتبعاتها منتج من صلب الحضارة الغربية، وأن التحديث على الطريقة الغربية الذي جرى في دول غير غربية كروسيا واليابان استلزم الثمن ذاته من ضحايا العنف كما في أوروبا، وهناك من يغض النظر عن كل ما سبق من تكاليف باهظة.

بالإضافة إلى أن ضحايا العنف الأمريكي الذي بدأ توسعه في آسيا بعد فراغه من القارة الأمريكية فورًا سقطوا مع الادعاء بمناهضة الاستعمار ورفع الشعارات الإنسانية حيث قتلت الولايات المتحدة السكان الأصليين واستغلت ونهبت ثروات أمريكا اللاتينية واحتلت كوبا وهاواي وجزر الكاريبي والفلبين، ومارست القمع الكارثي، وأن هذا العنف مازال يستنزف قدرات العالم وحاجته إلى الأساسيات المفقودة، ففي العدوان على العراق وأفغانستان الذي شاركت فيه دول أوروبا العديدة في استرجاع واضح لتقاليد الغزو والهيمنة مغلف بشعارات حديثة بنفقات أكثر مما تحتاجه البشرية للقضاء على فقر وبؤس مئات الملايين من البشر، وأن شعارات العنف تتغير بتغير الزمن ولكن مع ثبات الجوهر والممارسة فمن الهداية ونشر كلمة الرب واستعادة القبر المقدس إلى تفوق العرق والحضارة وعبء الرجل الأبيض والرسالة الحضارية والقدر الجلي إلى نشر الديمقراطية والتجارة الحرة.

كما أن أي تراجع أو إصلاح لا يكون دافعه سوى الخوف من عدو متربص، والتجربة التاريخية تؤكد أن أي إصلاح غير ممكن إلا عند وجود تهديد من أنظمة مقابلة حين يصبح هذا الإصلاح مفيدًا ماديًا لمن يقوم به، كتحرير العبيد في التاريخ الأمريكي نتيجة الصراع بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي، والتأييد الأمريكي لإزالة الاستعمار بعد الحرب الكبرى الثانية لسحب البساط من تحت أرجل منافسي الولايات المتحدة الأوروبيين، وتنمية اليابان بعد الحرب ذاتها خوفًا من المد الشيوعي، وإلغاء التفرقة العنصرية في الداخل الأمريكي خوفًا من التهديد ذاته [7].

ورغم كل ذلك الماضي الغارق في الدم مازال التعامل الغربي مع الآخرين يتميز بالغطرسة وعدم إظهار التراجع حتى نظريًا والإصرار على نسيان حقوق ملايين البشر الذين يعانون البؤس والجوع والمرض وسوء التغذية والبطالة والأمية وانعدام السكن مقابل المزايا التي حققها حفنة من الغربيين، ولم تثر جريمة الإبادة الأمريكية حتى اليوم مشاعر الندم أو الإدانة المعنوية القوية، بل جعلت النخبة الأوروبية المثقفة جرائم الاستعمار والاسترقاق والإبادة والاضطهاد قضايا تجاوزها الزمن، رغم استمرار أشكال أخرى من العدوان وعدم حصول الضحايا على حقوقهم، إلا عندما تخدم الاعتذارات الجداول السياسية الأهم كالكيان الصهيوني أو اتخاذ القضية الأرمنية قناعًا للتغطية على جرائم أوروبا والضغط المعنوي على المسلمين في نفس الوقت.

كما أن السلوك الغربي لا يتميز بالتواضع والنسبية التي يحاولون بيعها للآخرين، بل يتضمن سلوكهم ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة عمليًا رغم التوجهات التي تطالب باحترام الآخرين، بل والتوجهات التي تعيب الغطرسة الغربية وجرائمها [8]، وفي الوقت الذي يسر الغربيون بذكر جرائم هتلر وستالين، يحجمون عن الاعتراف بجرائمهم الأوسع انتشارًا.

الهيمنة الواسعة والمعاملة السلبية

ومع أن أوروبا كانت استثنائية من بين الحضارات في المدى العالمي الذي وصلت هيمنتها إليه، إذ لم يسبق لحضارة أن امتدت خارج محيطها الجغرافي كالحضارة الغربية التي أصبحت تسيطر على كل القارات وتؤثر في كل من قارتي أمريكا وقارة إفريقيا واليابان والهند والصين وروسيا وإيران والدولة العثمانية وتركيا الحديثة والقضية الفلسطينية [9]، فإنها لم تكن استثنائية في معاملتها للآخرين إلا بالمعنى السلبي إذ لم يسبق أن أحدثت حضارة أضرارًا بالآخرين بحجم الأضرار التي أحدثها الأوروبيون.

وردًا على فكرة “الأعجوبة الأوروبية” التي يتغنى مادحو الذات بها، هناك من المؤرخين من يرى أن التاريخ البشري حافل بأعاجيب أخرى كمصر الفرعونية وحضارات سومر وبابل الكبرى وأبجدية فينيقيا وبلاد الإغريق وفتوحات الاسكندر وفتوحات المسلمين وما أنتجته من حضارة إسلامية وإنجازات الحضارة الصينية المتعاقبة وتحف البوذية والهندوسية هذا بالإضافة إلى الأعاجيب الحديثة كيابان الميجي وزحف ماو تسي تونغ الطويل (1934-1935) ودول شرق آسيا الأخرى التي غادرت العالم الثالث، وليست الإنجازات الإيجابية للغرب الحديث سوى جزء من هذا السياق [10]، وأحيانًا يغض النظر عن التكاليف الباهظة لهذه الإنجازات [11].

كيف تواجه أية نهضة في بلادنا التدخل الغربي لوأدها؟

ويعلم القارئ أننا لسنا استثناء بين الأمم، بل إن العراقيل التي توضع في طريقنا هي الاستثناء الذي يجعل من صعودنا مرة أخرى أكثر صعوبة من غيرنا، ذلك أن أوروبا عانت من الفوضى قرونًا طويلة دون أن يكون هناك من يتدخل في شئونها كما تدخلت هي في شئوننا بعد ذلك [12]، ومع ذلك ليس قطع يدها مستحيلًا في ضوء انتصارات شعوب قبلنا على التدخل الغربي المسلح لوأد ثوراتها.

فبعد الحرب الكبرى الأولى (1914-1918) قامت ثورتان في اثنتين من الدول التي دخلت الحرب وكانتا في مستويين متقاربين من التقنية الحضارية غير المتطورة، هما روسيا وتركيا، الثورة البلشفية اهتمت بتوسيع رقعتها الجغرافية في نفس اللحظة الثورية فتمكنت باستنهاض الجماهير من مواجهة العدوان الغربي العالمي الذي تعاون مع عملاء القيصرية في الداخل، ورفعت القيادة السوفييتية شعار تحويل الحرب الكبرى وهي حرب إمبريالية إلى ثورة عالمية بواسطة الحرب الأهلية ضد أنصار القيصرية، ومع أن هذا الهدف لم يتحقق، فقد تمكنت الثورة من صد العدوان الغربي والتغلب على أنصار القياصرة بالاستناد إلى القاعدة الجماهيرية العريضة التي وسعت الدولة الروسية توسعة ضخمة لتصبح الاتحاد السوفييتي، ثم دخلت في مرحلة بناء تمكنت من تحويل روسيا من بلد زراعي إلى قمة العالم الصناعي في غضون جيل واحد، مما مكنها من مقارعة العالم الغربي فترة طويلة.

وعلى العكس مما حدث في روسيا، قامت الثورة الكمالية في تركيا بتقليص قاعدتها الجغرافية بالتنازل عن كل الأملاك العثمانية ما عدا الأناضول، مما قربها من الدول الاستعمارية التي التقت مع أهدافها موضوعيًا، وتمكنت هذه الدول بذلك من الاستفراد بكل قطر على حدة، وبذلت جهودها بالتعاون مع عملاء الداخل للفصل بين جهود المقاومة في الأقطار العثمانية السابقة والتي كانت تتطلع للاتحاد في وجه القوى الاستعمارية بعدما تبين لها خيانة الحلفاء، ثم انشغلت الثورة الكمالية بعد “انتصارها” في عملية بناء جوفاء ركزت على القضاء على رمز وحدة الأمة وهي الخلافة الإسلامية واستئصال رموز الماضي الإسلامي كالحروف العربية والحجاب ويوم الجمعة وإحلال رموز غربية محلها كالقبعة والسفور وغير ذلك مما لا طائل منه في عملية النهوض.

الفائدة المرجوة من هذا العرض هي أن:

“أي تغيير حقيقي لا بد أن يستند إلى الأمة لو أراد أن يصمد في وجه العدوان الغربي الذي يجر العالم خلفه كالأغنام، ولو أراد كذلك أن ينجح في عملية البناء التي تحتاج موارد ضخمة، وأي تغيير يستند إلى الدولة القُطرية، أو إلى مجموعة حصرية، حتى لو أعلن خلافة إسلامية، فلن يكتب له النجاح، فتحطيم الحدود وجذب الجماهير شرط رئيس لعملية التغيير وليس نتيجة لاحقة لها”.

1044

المصادر
الكاتب

محمد شعبان صوان

باحث وكاتب من فلسطين.

التعليقات

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.