ترجمة/ ربى الخليل

تحرير/ عبد المنعم أديب

كَتَبَ[1] الباحث الإعلاميُّ “مارشال ماكلوهان”، في عام 1964، مقالتَه الشهيرة “الوسيطُ هو الرسالة”، وما قصده فيها أنَّ “أسلوب نقل المعلومة” إلينا -في كثير من الأحيان- يُضاهي “مضمونها”؛ من حيث التأثير، إنْ لم يتفوق عليه.

استلهم” ماكلوهان” أفكاره على الأرجح من حقبة الستينيَّات التي كانت مليئةً بالاضطرابات والوسائط الثقافية، فضلًا عن الزائر الجديد الذي اقتحم غالب المنازل؛ ألا وهو التلفاز، الذي نُظر إليه على أنه وسيط أحدث حالةً لاعقلانيَّةً من السلبية والخنوع لدى المشاهد؛ حيث غدا مُشاهِدُهُ سهلَ التأثُّرِ بأيِّ نوع من المعلومات أو وسائل الترفيه التي تُقدَّم إليه وصولًا إلى مرحلة سَوقِهِ التامِّ إلى قبول الرُّؤى المُهيمنة على الساحة.

والأمر منطقيٌّ إنْ فكرت فيه مَليًّا؛ فمُشاهدة التلفاز -خلافًا لقراءة كتاب أو الاستماع إلى الموسيقى- لا تتطلَّب منك إلا الجهد اليسير. ولهذا عُرف على نطاق واسع بوصفه وسيلة الترفيه المفضلة لدى الإنسان الخَمُول؛ فما عليك إلا الضغط على القناة التي تريد متابعتها، ثُمَّ تدعها تتغلغل في أعماقك بكل الصور البديعة والعُرُوض المُثيرة التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.

فمُنذُ ظهور البثِّ التلفازيِّ المُسجَّل الذي يعمل على مدار أربعة وعشرين ساعة؛ تحدَّدتْ مهمَّتُك، فكلُّ ما عليك فعلُهُ هو الجلوس أمامه[2]. والجدير بالإشارة أن الهدف من تصميم المحتوى التلفازيّ لم يتمحور حول إضفاء البهجة أو تقديم المعلومات، بل على مُتابعتك الحثيثة والسَّلِسَة له.

بعض النتائج البحثيَّة الخطيرة عن مُتابعة التلفاز [3]

على ذلك، ليس من المستغرب أنْ تُظهِرَ الكثيرُ من الأبحاث المُتعلِّقة بنتائج الثقافة الاستهلاكيَّة التي يُصدِّرُها لنا التلفازُ عن نتائج عميقة؛ فقد خلُصَتْ إلى أنَّ المُتابعين الدائمين لبرامج التلفاز التي تُقدِّم مَضمونًا تافِهًا تطغى عليهم مشاعرُ التعاسة والارتياب تجاهَ العالَم، ناهِيْكَ عن تدهور صحتهم مقارنةً بغيرهم.

كما أنَّ الأطفال الذين يقضون وقتًا مُستفيضًا أمام شاشة التلفاز عُرضةٌ لتدهُور الأداء المَعرفيّ مع رُجحان تعرُّضِهم لمشاكل اجتماعيَّة وسُلوكيَّة. كان جيلي في طفولته عُرضة لتأنيب أمهاتنا الدائم لمُشاهدتِنا التلفاز الكفيلةِ بإفساد عقولنا -وبغضِّ النظر عن أسلوبهم الميلودرامي بعضَ الشيء- إلَّا أنَّ أمهاتنا استشرفوا حقيقة الأمر فعلًا.

لماذا القراءة أسلوب أمثل للمعرفة؟

على الطرف المُضاد من استغلال فكرة مقال “الوسيط هو الرسالة”، نجدُ الكلمة المكتوبة، وما يفيض به فعلُ “القراءة” من ثراء معرفيٍّ مُختلف الأنواع، قد يرجعُ إلى طبيعة الوسيط.

لنفكِّرْ مثلًا؛ فإنَّ قراءة هذا المقال يستدعي جهدًا عقليًّا. وخلافًا للتلفاز، ما أنْ تُقرِّرَ الكفَّ عن مُحاولة بذل هذا الجُهد، يتوقف وصول المعلومة إليك. فمن الضروريِّ أنْ تتِمَّ عمليَّة: تفسير المفاهيم، وبَلوَرَتها، وتصوُّرها داخل عقلك.

ولنضرِبْ مثلًا عبثيًّا[4]: فإذا شرعت في الكتابة عن حِمار مُرتبك يتبادل الحب مع صنبور حريق يُرشِّح المياه، سيبدأُ عقلُك في بناء هذا المشهد المُنفِّر في خيالك، ولنْ يكتفي عند هذا الحدِّ، بل سيتمادى ليستشرف ويُملِيَ عليكَ كيفيَّة بناء المشهد؛ هل كان الحمار يشعر بالوحدة والحزن حينها؟ هل تعرَّضَ للعقاب ضربًا من صاحبه القاسي؟ أو هل كان صنبور الحريق ميَّالًا للحُبّ؟!

قبل أنْ يتحوَّلَ السياق إلى الغرابة الشديدة، أودُّ أنْ أوضِّحَ قصدي؛ فالقراءة تُشكِّل بطبيعتها وسيطًا تفاعُليًّا، بمعنى أنَّ إيصال المعلومة لا ينحصر بالكلمات التي أخطُّها بل القراءةُ تُعوِّلُ عليك كقارئ في اختيارِك الفاعِلِ لقراءتها وتحليلها والتفاعل معها.

وهذا التنامِي في الجهد الإبداعيّ العقليّ كفيلٌ باستقطاب النتائج الإيجابيَّة المُثمرة بكافَّة أشكالها. فالقراءةُ تُثرِيْ تعاطُفنا، وتُفاقم انتباهنا، وتُنمِّي الاستدلال المنطقيَّ لدينا، وهَلُمَّ جَرًّا. 

قدرة وسائل الإعلام الحديثة على تبنِّي المسارَيْنِ

كل ما ذُكر ذو أهمية في عصرنا هذا؛ فأنت الآنَ مُهيمنٌ بالكامل. والفضلُ يُعزى للإنترنت. فلمْ يكتفِ بإعطائك ما تريد استهلاكه، بل خيَّرَك في انتقاء “الوسيط” الذي به تستهلك.

وما يُثير دهشتي استمرار قُدرة الإعلام -تمامًا كبثِّ التلفاز قديمًا- على استقطاب اهتمام المشاهد حتى الآن. بغض النظر عن الوسيلة؛ التي يستعينون فيها -بشكل رئيسيّ- على الصور الجذَّابة الخادعة على موضوع مختلف لجذب الانتباه.

ورغم تلك الأساليب المخادعة نجد بعض الوسائط الإعلاميَّة؛ ومنها المُدوَّنات الصوتية (بودكاست)، والبثّ التلفازيّ ذا المحتوى الجيد، وبعض ألعاب الفيديو (البعض لا الكل) وما شابَهَ؛ حيثُ تُحاكِيْ فائدةَ القراءة في إيقاد شُعلة الاهتمام الدَّؤوب، وإتحافك بمفاهيم قوية جديدة أو تخيُّلات فريدة من نوعها.

ظهرت كتابات “ماكلوهان” في حقبة كانت فيها الخيارات المُتاحة للوسائط الإعلاميَّة محدودةً، وعدد المحطَّات التلفزيونيَّة ضئيلًا، كذلك الحال بالنسبة للصحف المَحليَّة؛ مِمَّا أتاح للوسيط الذي يُقدِّم المعلومات أو لوسائط الترفيه السائدة آنذاك إمكانيَّةَ رسم وإملاء معالم وملامح الثقافة إلى حد كبير.

أمَّا في الوقت الراهن، تتعدد أصناف وفيرة من الوسائط الإعلاميَّة؛ للانتقاء بينها. فإنْ كان لديك ميول للتبحُّر في رياضة التأمُّل، تتبدَّى أمامك سَيلٌ من القصص على “الانستغرام”، ومقاطع “اليوتيوب”، ومُدوَّنات صوتيَّة أو تغريدات أو سرد مطول عنها. فالأمر صارَ أشبه بمائدةٍ عامرةٍ حقيقيَّة من مختلف الوسائط الإعلاميَّة؛ منها الساخنة وشديدة الحرارة والجاهزة للتقديم.

انطلاقًا من ذلك، وصفتُ الصراعَ الدائر حول اختيار الوسيلة الإعلامية بوصف “حِمْيَة الاهتمام” بدلًا من “نظام غذائيّ خاصّ بالاهتمام” أو “أسلوب الاهتمام” أو شيء من هذا القبيل. فعندما تأكل نوعًا من الطعام، فهذا النوع يُولِّد خلايا جسدك بكُلِّ ما تعنيه الكلمةُ من معنى؛ وبالتالي تكرارُ تناوُلِك للأطعمة المُضرِّة كفيلٌ بإتلاف جسدك.

والأمر يسرِيْ على خياراتك لطبيعة ما تستهلكه من معلومات؛ لأنك في ذلك تنتقِيْ أفكارك ورُؤاك ومفاهيمك المُستقبليَّة. فالخيار السيِّء يُقوِّض من سعة تفكيرك. لمْ تعُدْ عبارة “قُلْ ليْ ما تأكلُ أقُلْ لك مَن أنت” كافيةً لتحدد شخصيَّة المَرءِ -كما تبدو للآخرين-؛ لهذا نقول “قُلْ لي ما تستهلكُ أقُلْ لك مَن أنت”.

[1] نقدِّم لقارئنا هذا المقال الطريف، الذي يسلك فيه الكاتب ضرب الأمثال، واستدعاء الماضي؛ لما به من فائدة. فالمقال يُقارن بين فعل “القراءة” وما به من فوائد جمَّة، وبين فعل “التلقِّي” أثناء مُشاهدة المُحتوى التلفازيّ وما به من تأثير سيِّء على فاعِله. ونجد في مُجمل المقال حِكمة. (المُحرِّر)

[2] لعلَّ أسلوب السخرية المُمتزج بالاستياء واضحٌ هنا في حديث الكاتب عن الجلوس كتمثالٍ أمام التلفاز -منذ أنْ كان بثًّا مُقتصرًا على القنوات الحكوميَّة عندنا-، كالأطفال تنفِّذ رغبة صاحب البثّ الذي أرادك طفلًا مسلوب العقل أمام ما يقدِّمه. (المُحرِّر)

[3] هذا العنوان الفرعيّ من وضع المُحرِّر.

[4] هنا نسأل: لماذا ضرب لنا الكاتب مثالًا عبثيًّا؟! .. بالعموم في مقالات الأفكار -مثل هذه- يُفيد المثل العبثيّ أو شديد البُعد في تصوير الفكرة وتحقيق هدف الفَهم أكثر من المثال الواقعيّ. ونلحظ أنَّ مثاله من تفكيره وسياقه الغربيّ، وهذا لا يخصُّ إلا قارئه هو. أمَّا نحن فلنا الفكرة العامَّة؛ وهي أنَّ فعل القراءة هو أكثر الأفعال قدحًا للخيال الإنسانيّ. (المُحرِّر)

177

الكاتب

ربى الخليل

مترجمة محترفة، عملت في مراكز بحثيَّة، وأعمل الآن في شبكة رابتلي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.