هل ستقضي العامية على الفصحى؟

كثيرًا ما يتحدَّث الكُتَّاب والباحثون عن “العاميَّة”. لكنْ قليلًا، بل نادرًا ما يحاولون تعريفها. وهذا إشكال في حدّ ذاته؛ لأنَّ عدم تعريف ما نتناوله بالبحث تعريفًا واضحًا ومُحددًا يؤدي إلى الالتباس في الفهم والإلغاز ومتاهات عديدة، إنْ لمْ يعد بنقيض الغرض من البحث أصلًا.

وإذا أردنا أن نعرِّف العاميَّة فمن الممكن أن نقول -مع بعض القائلين- إنَّها: المستوى غير الرسميّ من اللغة الرسميّة لأيّ قوم؛ أيْ إنَّها اللغة العُرفيَّة لأيَّة جماعة تستخدم اللغة. يركِّز هذا التعريف على جهة الاستخدام، لكنَّه لا يقصد في قوله “اللغة العُرفيَّة” معنى اللغة الاصطلاحيَّة مثل لغة كل أهل علم وفنّ وصنعة، بل يقصد المستوى الذي يتواطأ عليه الاستخدام العامّ لا الخاصّ.

ومن الممكن أن أجتهد في تعريفها بأنَّها: “هي مستوى من اللغة يتمُّ فيه التخفُّفُ من كثير من قواعدها الرسميَّة؛ إمَّا بالإهمال وحسب، وإمَّا بإبدال قواعدِها قواعدَ أخرى. والتغييرُ لبعض ألفاظٍ من اللغة الرسميَّة؛ إمَّا عن طريق الإبدال المباشر، أو تجاهُل اللفظ الأفصح؛ حيث لا يكون مُجدِيًا في التعبير بهذا المستوى، عن هذه الأغراض”.

تغيير القواعد والألفاظ

ولنأخذ مثالًا على العمليَّة الأولى (تغيير القواعد) من العاميَّة المصريَّة؛ حيث من الممكن أن أقول بالفصحى: “أنا لمْ أكتبْ الخطاب”. فتقوم الجماعة اللغوية (أيْ مُستخدمو اللغة) بتحويلها إلى “ما كتبتِش الجواب” بتغيير أداة النفي (لمْ)، وإبدالها أداةَ النفي “ما” -وهي أداة نفي في الفصحى أيضًا- وتدمجها بالفعل نفسه خاصةً حين النطق بها، ثم تضيف لاحقة (تِش) تدلّ على عمليَّة النفي لتكون في الصورة التي رأيناها.

ولعلَّنا في المثال نفسه نرى مثالًا لتغيير لفظ هو “الخطاب” إلى لفظ آخر -قد يكون فصيحًا أو لهجيًّا- هو “الجواب” (الجواب في الفصحى هو ردّ الخطاب؛ سواء كان الخطاب صوتًا أو كتابةً). ومثال آخر لتغيير بنية الكلام بالضمّ والإدخال التعبير العاميّ القائل: “عُقبالك” وتعني “العُقبى لك” أيْ العاقبة لك. علمًا بأنَّ تغييرات القواعد أقلّ كثيرًا من تغييرات الألفاظ في العاميّة، وهذا أمر بدهيّ بالنسبة والتناسُب بين ألفاظ أيَّة لغة وقواعدها. هذا -باختصار بالغ- تعريف وتمثيل لها.

والعاميَّة بتعبير آخر هي تفتيتٌ للغة كما نرى؛ حيث تقوم فكرتها الرئيسة على تغيير البنية القاعديَّة للغة، وإعمال التغيير في ألفاظها. حتى إنْ ظلَّ هذا التغيير في البنية والألفاظ تغييرًا جُزئيًّا لا يرقى إلى حد التغيير الكُلِّي؛ وإلا لمْ يتعد العاميَّة لهجة من لغة بل تصير لغة وحدها.

وقد قلتُ عنها إنَّها “تفتيت للغة”، لا على سبيل الذمّ، بل على سبيل الوصف. فهي حقًّا تقوم على تفتيت اللغة داخليًّا -كما رأينا- وخارجيًّا حيث في حين أنَّ اللغة الفصحى لغة الجميع فإنَّ كلّ دولة تحتفظ بعاميّة لها (العاميَّة المصريَّة والجزائريَّة واللبنانيَّة والعراقيَّة)، بل كلّ ناحية أو مدينة من كل دولة تصنع عاميَّتها. فـ”مصر” مثلًا فيها عاميّات شتَّى. ففي القاهرة عاميَّة، وفي الإسكندريّة عاميّة أخرى، وفي الصعيد عاميّة غير عاميّة أسوان وأواخر الجنوب… وهكذا. فكما نرى هي عملية تفتيت دائم للبناء اللغويّ الضامّ والجامع لأيّة أمَّة. 

مآلات العامية

العامية

وبالعموم تؤول العاميَّة إلى مآلَيْنِ: فإمَّا تبقى لهجة من لهجات اللغة العُظمى تتغير وتتبدل في شكل مستمر دائم لا ينقطع، وإمَّا يعمل هذا التفتيت عمله الساحق في البنية اللغويَّة متوغِّلًا من غير رادع وتكون النتيجة هي التباعد بين اللهجة واللغة الأمّ تباعُدًا قادرًا على إحداث الأثر الأعظم؛ وهو انفصال اللهجة عن اللغة مُكوِّنةً من نفسها لغةً أخرى مُوازية للغة الأمّ، أو قاضيةً عليها قضاءً مُبرمًا.

ولعلّ أكبر مثال للحالة الأخيرة مثال قريب جدًا حينما استقلّت دول “أوربا” بعديد اللغات عن اللغة الأمّ “اللاتينيَّة”، إثر جهود شعراء إيطاليين -كان منهم بترارك ودانتي أليجري- في التفنُّن بالشعر العاميّ الإيطاليّ الذي قارع اللغة الأمّ ووازاها بل هزمها. مُقيمًا لغة ستعرف فيما بعد بالإيطاليَّة، ومُشجِّعًا على خروج اللهجات الأخرى من عباءة اللاتينيَّة لتكون لغات أوربيَّة كثيرة نسمعها الآن.

وهناك هاجس غريب عجيب بشأن العاميَّة يعتقده جمهرة المثقفين والباحثين العرب من أنَّ العاميَّة موجودة في نطاق “اللغة العربيّة” وحسب. ويأخذون يتحدثون عن مشكلة العاميَّة والفصحى، وهذه العاميَّة التي ستهزم الفصحى لتحلَّ محلها. واهِمِين أنَّ مشكلة العاميَّة والفصحى خاصة باللغة العربيَّة وحدها، ومُصدرين الوهم للمواطن العربيّ أنَّه في خطر ليس فيه، وأنَّ هويَّته على شفا حفرة من الهاوية. وهو ظنُّ في منتهى العجب والغرابة؛ فظاهرة “العاميَّة” أو اللهجيَّة ظاهرة إنسانيَّة لسانيَّة لا تختصّ بلغة دون لغة. بل إنَّها تصدر أصلًا عن غريزة الاختلاف الإنسانيّ العامّ، وكذلك تشكُّل الطبائع اللسانيَّة وتأثرُّها بالمكان والزمان.

بل الأشدّ غرابةً وعجبًا أنّ الكثير منهم على علم بتاريخ اللغات الأوربيَّة الحديثة وكيف تشكَّلتْ، والجميع يعلم ويسمع في النطاق العالميّ إنجليزيَّة الإنجليز -ولهجاتها الداخليَّة-، وإنجليزيَّة الأمريكان. بل نضيف إليها إنجليزيَّات إفريقيا، والإنجليزيَّة الهنديَّة، وغيرها. وكلها لهجات للغة بريطانيا التي كانت بدورها لهجةً للغة أخرى. والكثير يعرف أنَّ فرنسيَّة الريف الفرنسيّ ليست فرنسيَّة باريس بالقطع؛ فكيف يوجد هذا الظنُّ وكيف يستقيم هذا التفكير؟!

ما هو الخطر الذي تمثِّله العاميَّة للغة العربيَّة الفصحى؟

اللغة العربية الفصحى
الخط العربي فن وأداة تعبر عن عراقة اللغة العربية وجمالها.

وهنا نسأل سؤالًا حضاريًّا وجوديًّا وحاسمًا: ما هو الخطر الذي تمثِّله العاميَّة للغة العربيَّة الفصحى؟.. جميعنا يرى شيوعًا طافحًا للعاميَّة في مجتمعاتنا العربيّة في الوقت الحاليّ. لا أقصد بهذا الشيوع وجود العاميَّات. فكما قلت وجود العاميَّة بدهيّ، لا يمكن إلا أنْ يقع. بل أقصد بذلك أنها بدأت تحتلُّ حيِّزها الأساس (حيّز الحياة اليوميّة) لتدخل شيئًا فشيئًا في حيُوز اللغة الرسميّة أيْ الفصحى.

فنراها على لسان الإعلام -بكافّة صنوفه المقروءة والمسموعة والمرئيَّة-، ونراها في خطابات المجتمع السياسيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة حتى. ونراها تغزو تأليفنا الروائيّ والقصصيّ، بل الشعريّ في أحيان كثيرة. بل نراها فوق منابر المساجد (وهذه طامَّة كبرى)، ونراها في مجال التعليم بكافَّة صنوفه؛ بما في ذلك دخولها حيّز تعليم اللغة الفصحى نفسه.

ونراها تتسرَّب شيئًا فشيئًا لتكون لغة على ألسنة صنوف من المجتمع لا يمكن أنْ تكون لغتهم الرئيسة في خطابهم العامّ للشعوب العربيَّة -خاصةً الخطاب المسموع والمرئيّ-. وهذا هو الخطر، أيْ أنَّ الخطر الحقيقيّ ليس هو وجود العاميَّة، بل الخطر في احتلالها للمساحات الحياتيَّة باكتساح، ووجودها -الذي أصبح شبه دائم- يملأ فضاءات كان أساسها الفصحى، والفصحى وحدها.

بل نتجاوز هذا الأمر فنرى ثُلَّة قليلة من الكُتَّاب يدعون دعوة صريحة بالتزام العاميَّة، وطرح الفصحى كليَّةً! بل نرى الكُتُب تصدر لتقعِّدَ للعاميَّة أصولًا وفروعًا. خاصّةً في مجال تعليمها للأجانب الذين يأتون للحياة في الوطن العربيّ -بدل أن يتعلموا الفصحى أقصد- (مثل كتاب “كلمني عربي بشويش” للأستاذة/ سامية لويس. وجدير بالذكر أنَّ “الجامعة الأمريكيَّة” بالقاهرة هي التي تطبعه). فقد رأى الأجانب الوافدون على العالم العربيّ أنَّ الناس في الشارع لا يتحدثون الفصحى، فقرَّر قطاع منهم تجاوزها وتعلُّم العاميَّة ليستطيع التواصل بها مع الناس في شئون حياته.

والحُجَّة الرئيسة التي يعتمد عليها هؤلاء في دعوتهم تلك هي ظنُّهم أنَّ العاميَّة أسهل وأيسر من الفصحى التي لها كثير من القواعد، أمَّا العاميَّة فتخلو من القواعد. وهذا من أعجب العجب قطعًا. فعقلًا -وعلمًا أيضًا- كلُّ لغة لها نظام، بل اللغة أصلًا نظام. وكلّ لغة لها قواعد مهما كانت، حتى إنْ خلت تمامًا من الأصوات فلغة الإشارة ذات قواعد.

بل تكاد اللغة في تعريفها الأبسط تكون مجموعة قواعد تدلُّ على دلالات مقصودة. فيجب أن يعلم الجميع أنّ اللغة نظام، كلها نظام. والدليل على ذلك أنَّك تُخطِّئ مَنْ يُخطِئ في الفصحى، وكذلك تُخطِّئ مَنْ يُخطِئ في العاميَّة، كما تُخطِّئ مَنْ يُخطِئ في اللغة الإنجليزيَّة. وإذا سألت نفسك: لماذا أصلحتَ خطأ شخص حينما أخطأ في العاميَّة؟ ستردُّ على نفسك -دون تدخُّل من غيرك-: لأنه خالف قواعد العاميَّة، أو لَحَن (أيْ غيَّر) في نطق لفظ أو ألفاظ فيها. ساعتها يثبت لك كلّ هذا عقلًا، وتبطل كلّ الدعاوى المُتوهِّمة ذلك.

وهناك مَن يدعو إلى العاميَّة ظنًّا منه أنَّها أسهل وأقرب للقلب. والقُرب من القلب والبُعد عنه رهين الاستخدام ودوامه؛ فمَن يستمع إلى شيء باطراد لا يستهجنه موسيقى أو لغة أو أيّ شيء. وهناك أيضًا مَن يدعو إلى العاميَّة لشيء في نفسه أو لفكر يعتنقه وهو الحنق على الحضارة التي تحملها اللغة. وهناك مَن يدعو إلى العاميَّة لجهله بكلّ ما سبق، وعدم تكلُّفه عناء البحث في حقيقة الأمر قبل إطلاق الدعوة وإغراق المجتمع العربيّ بالأوهام.

يوسف محمد محمد عبد الوهاب السباعي، أديب وعسكري ووزير مصري سابق.

ومثالًا على الداعين أسوق كلام القصَّاص المصريّ الراحل الأستاذ “يوسف السباعي” -وهو روائيّ مصريّ وصل لمنصب وزير الثقافة!-، في مقال له بمجلة “الرسالة الجديدة”. يقول:

يجب أن نتحلَّل من هذه القيود السخيفة. لماذا كلّ هذا التعب؟ ألأنَّ العرب من ألف سنة رفعوا هذه، ونصبوا تلك.. ليكنْ .. لنحافظ على تراثهم (تراثهم هُم، وليس تراثنا نحن) كما هو. على أن نحلِّل لغتنا من أثقاله وقيوده.

فكما ترى بنى الداعي دعوته على أساس أنَّ للفصحى وحدها قواعد، مُتوهِّمًا خلوَّ العاميَّة من قواعد! وكذلك سيتبين من الحديث حنقه من حضارة اللغة وماضيها الذي يعكسه على اللغة نفسها.. وأنوِّه إلى أنَّ ما بين القوسَيْن من كلام الكاتب ليس تدخُّلًا مني، بل هو الذي وضع القوسَيْن ليؤكد على غرض شخصيّ يعتمل في داخله.

ويا لها من نظرة مُتعجّلة للأمور التي لا يحتاج إدراكها إلا إلى عقل سليم، وتفكير منضبط. إنَّ كاتب المقال نسي أنَّ لكلّ لغة أو لهجة نظامًا لأبنية الجُمَل الرئيسة، والفرعيَّة، والمُتداخلة. ونسي أنَّ لها لكلّ لغة أو لهجة بنيتها من أسماء الإشارة، وروابط عديدة أخرى؛ منها حروف الجرّ مثلًا، ونسي أنَّ لكلّ لغة أو لهجة قواعد للنفي والنهي والتأكيد والتعجُّب والتفضيل والسؤال والتحضيض… إلى آخره من قواعد لا حصر لها في أيَّة لغة، وأيَّة لهجة، وأيَّة عاميَّة. وإلا ما فهِم الناس بعضهم بعضًا، ولَمَا استطاعوا التعبير عمَّا في صدورهم من معانٍ. ولكنَّ أكثر الناس لا يتدبرون!

فهل ما سبق من أمرٍ عيبُ العاميّة؟!.. لا بالقطع، ولا عيب اللغة عامّةً، بل هو سلوك مجتمعيّ. ويقع العيب فيه على الوعي الجمعيّ العربيّ الذي لمْ يتنبَّهْ إلى ما جاء سابقًا. وهذا أمر يعود لصُنَّاع الوعي من التعليم، وإلى الكُتَّاب والباحثين. فهؤلاء يقع على عاتقهم صُنع هذا الوعي لدى الجماهير العربيّة الغفيرة. ليكتشفوا أنَّ العاميَّة ليست عيبًا، ولا خطرًا. بل سُوء استخدامها، والتعدي بها إلى غير دورها هو العيب كُلَّ العيب، والخطر كُلَّ الخطر.

وعلى ما تقدّم نتصوّر مشكلة “العاميَّة” ودورها في التأثير على اللغة الفصحى وبنائها النحويّ والصرفيّ والصوتيّ في وطننا العربيّ. لكنْ يبقى نهايةً أنْ نتذكر جميعًا أنَّ اللغة العربيَّة الفصحى هي النظام الجامع لاثنتينِ وعشرين دولةً على خريطة العالَم الحديث. ويا لهذه الجامعة التي قد ننسى أثرها في يوم من الأيام فيذكرنا بها صوتُ رجُل يتحدث في أقصى المغرب العربيّ ليفهم عنه كلامه أخوه في أقاصي العراق أو اليمن، بل يفهمه غير العائش على أراضي العرب من عشرات الملايين العارفين بلغة العرب. وهذه فائدة لا تحتاج إلى إيضاح، أو زيادة في القول.

ولعلَّنا نتذكَّر أيضًا أنَّ اللغة الفصحى هي وعاء العلم الأعظم؛ حيث تُكتب بها الآداب، والعلوم، والفلسفات العربيَّة، وحيث تُترجم بها وإليها مجموع العلوم والآداب المنقولة إلينا من مُختلف بقاع الأرض.

عبد المنعم أديب

باحث في الفكر الإسلامي والفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، ومئات المقالات في العالم العربي وخارجه.… المزيد »

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تبقى اللغة العربية الفصيحة هي العامل الجامع لكل الاقطار العربية . فاللهجات العامية مستهجنة في اللقاءات الرسمية و رلو اعترف بها و استعملت تبقى تدل على عجز او نقص . في حين تبقى الفصحى مصدر فخر لمستعملها و متقنها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى