إنّ المتأمِل في الكم الهائل من الألفاظِ الدّخيلةِ على لغتنا العربية-سواءً كانت أعجميةً أو معربّةً-يوقِنُ بأنّ هذا الزّحف بات يشكّل خطرًا على اللّغة، لما له من آثارٍ وخيمةٍ على مكانةِ الفصحى.

فهذه الألفاظُ المقترضةُ: إما أنّها ألفاظٌ كَثُرَ استعمالُ النّاس لها، فصارتْ جُزءًا من مفرداتِ العربيّة، وبسبب تطاولِ الزّمن عليها تناسى العرب أصلها الأجنبي، وهذه يطلق اللغويون عليها اسم (المعرّب).

وإمّا أنّها ألفاظٌ أعجميّةٌ تُنطق كما هي في لغتها الأصلية، وهذه يطلق عليها اسم (الأعجمي الدخيل).

ومن أمثلة تلك الألفاظ: شورت، موكيت، ستوديو، سكرتير وغيرها.

الفارق بين لغة أجدادنا العرب و لغتنا الآن

ولكي تدركَ الفارقَ بين لغة أجدادنا العرب وبين لغتنا الآن، وترى ما صارت إليه لغتنا مقارنةً بلغة هؤلاء، وتدرك حقَ الإدراكِ أنّ ما نحن بصدده الآن من المواضيع الهامة جدًا التي ينبغي أن نُكرّسَ لها الأذهان، ونعدَّ لها العُدة، لتقرأ هذه الرّسالة التي أرسلها أحدُ العرب يعزِّي عمرو بن هند عن أخيه:

«إنّ أهلَ هذه الدّار سَفرٌ لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وارتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك، واعلم أنّ الدّنيا ثلاثة أيّام، فأمس عظة وشاهد عدل فجعك بنفسه وأبقى لك وعليك حكمته، واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأته طالت عليك غيبته وستسرع عنك رحلته، وغدًا لا تدري من أهله وسيأتيك إن وجدك، فما أحسن الشّكر للمنعم والتسليم للقادر …»

أتَجدُ في كلام المعاصرين مثل هذا!

قطعًا ليس من اليسير أن تجد في زماننا هذا-الذي انقطعت فيه الأمةُ عن جذورها-من يتكلّمُ بهذهِ اللّغةِ الفصيحةِ، وذلك بالرّغمِ من عدم وجود مفردةٍ واحدةٍ في هذا الكلام يخفى معناها على أحد منّا، ولكنّ ألسنتنا أصبحت عاجزةً عن الإتيانِ بمثلِ هذا التّركيب.

ويقول أيضًا الشّيخ أحمد شاكر:

«إن شئت أن ترى هذا الخطر مصورًا مجسمًا مهدِدًا بتدميرِ النّطق العربيّ الصّحيح، فاستمع إلى قراءةِ شبابنا في هذا العصر، إذا ما قرأوا كلامًا عربيّـًا فيه أعلامٌ أجنبيّةٌ، تسمع العجب؛ حروفًا عربيّـةً غير مستقيمةٍ ولا فصيحةٍ، وقواعدٌ مهلهلةٌ، ولحنًا مستفيضًا، ثمّ أعلامًا أجنبيّة تعوج بها الألسنة، وتميل الأشداق، وتؤكل فيها الحروف»

وقد مرت اللّغةُ العربيّةُ حتّى الآن بعدة مراحل:

أولًا :مرحلة الفتوة

وهذه الفترة تمتد من العصر الجاهلي إلى بداياتِ الدّولة العباسيّة، فقد كانت العربيّة في هذه الفترة سالمةً من الاختلاطِ بالألسنة الأخرى، ولهذا سميّت هذه الفترة: عصر الاحتجاج، أي أنّ كلامَ شعرائِها وأدبائها حجة في استنباط قواعد النّحو والصّرف، وفي إثبات معاني المفردات.

ثانيًا :مرحلة التحضُّر

وهذا طبيعيٌّ ومتناسبٌ مع حال الدّولة العباسيّة التي ازدهرت فخالطت العربيّة لغاتٌ متنوعةٌ، فداخلتها العجمة، ولم تعد حجة في علوم اللّغة، ودخلت إليها ألفاظُ النّهضةِ الحضاريّةِ وانتشرت التّرجمة، وتطورت أغراضُ الأدبِ فتبعتْ اللغةُ هذا التّطور، وكان لذلك الأثرَ الواضِحَ على اللّغة.

ثالثًا:مرحلة الجمود

وهي المرحلةُ التي وازت ضَعفَ الدّولة العباسيّةِ، وما تبِعها من انحدارٍ حضاريٍّ للأمّةِ الإسلاميّةِ.

وبالرُّغمِ من أنّ اللُّغةَ استطاعتْ أن تقاومِ حملاتٍ كثيرةٍ كادَت أن تقضي عليها، مثل حملاتِ التّتار وحملات الصليبيين وأخيرًا الاستعمار الغربيّ لبلاد المسلمين، فقد كان للتّطور التّاريخيّ والأحداث التّاريخيّة أثرًا على اللّغة

المراحل التاريخية التي أثرت على اللغة العربية

  • الوحي

فعندما جاء الإسلامُ صارت اللُّغةُ العربيّةُ تدورُ حولَ القرآنِ الكريم والحديث النّبويّ، ودخلت ألفاظٌ مثل الألفاظِ الشرعيّةِ، ومُحِيَت ألفاظٌ أخرى لمخالفتها الشّرع. وتحوّلت اللّغةُ العربيّةٰ من لغة خطابيّة شعريّة إلى لغة علميّة، فتغيّرت وظيفةُ اللّغة تغيرًا جذريًا.

وذلك مثل لفظ الصلاة، فقد كان في لغة العرب بمعنى الدعاء ثم تحولت وظيفته، وأصبحنا عندما نسمع لفظ الصلاة تأتي في أذهاننا هذه الصورة من أفعال مفتتحة بالتكبير…

  • اختلاطُ العربِ بغيرهم

كان للفتوحاتِ الإسلاميّةِ دورٌ كبيرٌ في اختلاط العرب بغيرهم وظهور اللّهجات العاميّة المختلفة، بالإضافةِ لِبعضِ التّحريفِ في الفصحى، و في ظهورِ بعض الألفاظِ الّتي أُطلِقَ عليها اسم (المعرّب)

  • التساهل في الكلام بغير العربيّة

وهذا لا أظن أنّه يحتاجُ إلى تفصيلٍ لأنّه واضحٌ وجليٌّ في زماننا هذا، ولكن من يتخلّى عن أصولِه وجذورهِ  قد يتخلى عن أمورٍ كثيرةٍ، فقد قال أجنازيا بوتينا شاعرُ صقلية “إنّ الشّعب يُستعبدُ ويفتقر عندما يُسْلَب اللّسانُ الّذي تركه له الأجدادُ وعندئذٍ يضيعُ للأبد”

ولكن مع ذلك فهي أقلُّ اللّغاتِ تطورًا منذ نزولِ القرآنِ الكريم، فلا توجد لغةٌ مرَّ عليها أكثر من ألف عام وما زال أهلها يستطيعون قراءة وفهم نصوصها بسهولة مثلها، وبعدها العبرية، وهذا يقينًا لا شكّ فيه لأنّ الإسلام والعربيّة مرتبطان لا ينفكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

دورنا في الحفاظ على اللغة العربية

ودورنا نحن أن نكون سببًا بتوفيقِ الله في حفظ هذه اللغة، وذلك لأنّها من الأساسيات التي لا تقوم معرفة الدين ومراد الله من المكلفين إلّا عليها، فالذي لا يعرف اللّغة ولا يمارسها ولا يسمعها ولا يقرأ بها، كيف نطالبه بفهم ما تحمله تراكيبها من المعاني، وكيف نطالبه بتدبر القرآن وفهم مراد الله، فلهذا يجب أن نسعى جاهدين بكلّ ما نملك للحفاظ عليها عن طريق استخدامها في العلوم والحياة، وعند شرح فكرةٍ أو إيصالِ معلومةٍ وإن كان المصدر بغير العربيّة، وعن طريق تداولها بين الناس وعدم الحديث بغيرها إلّا للضّرورة، والحثّ على القراءة بالفصحى في مختلف المجالات، وعدم الاستجابة لهذه الهجمة التي تهدف إلى تدمير أركان هذه اللغة، حيث أصبح الشباب يكره لغته ويستغني عنها، معتبرًا أنه رمز من رموز الحضارة وهو التخلف بعينه.

الجهود التي بذلت في مواجهة زحف الألفاظ الدخيلة

وفي الحقيقة لقد بُذلت جهودٌ كثيرةٌ في مواجهة زحف الألفاظ الدّخيلة فقد قامت المجامع اللغويّة بوضع ألفاظ بديلة عنها مثل:

اللفظ الدخيل البديل عنه
كمبيوتر حاسوب
تليفون هاتف
بروفة تجربة

فيجب علينا أن نسعى لنشر هذه الألفاظ بدلًا من الألفاظ الدّخيلة حتى نحافظَ على حصوننا اللّغوية. وقد كان السّلف يكرهون الكلام بغير العربيّة دون حاجة، وكره الإمام الشافعي-رحمه الله-لمن يعرف العربيّة أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطًا لها بالعجميّة، وهذا الذي ذكره قاله الأئمة مأثورٌ عن الصّحابة والتّابعين.


المصادر:

جمهرة خطب العرب – أحمد زكي صفوت

تكوين الملكة اللغوية – البشير بن عصام المراكشي

مجلة الوعي الإسلامي

فقه اللغة العربية – قاصد الزيدي

تعليقات الشيخ أحمد شاكر على المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم للجواليقي

اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم – ابن تيمية

613

الكاتب

محمد خالد مصطفى

باحث ومدوّن، مهتم بالشأن الإسلامي.

التعليقات

  • بارك الله منذ سنتين

    بارك الله فيك على المقال

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.