أصبحنا في زمان كثر فيه دعاة الضلالة الذين يخرجون لنا يوماً بعد يوم بابتداع جديد في فهمهم لآية قرآنية أو حديث نبوي؛ والواقع أن ذلك يرجع إلى جهلهم بالعربية التي هي رأس الاستنباط الأصولي وركنه الركين.

ولذلك كثر الحديث والحض على تعلم العربية وتحصيلها، الذي لا يقل أهمية عن تحصيل العلم الشرعي. فيقول الإمام نجم الدين الطوفي:

“ثم إنّا ابتلينا بجهال متعلمي زماننا، وعجزة متمزهديهم، إذا ذكر الأدب بحضرتهم ينفض أحدهم كمّه، ويكلح وجهه، ويقول: معرفة مسألة من الحلال والحرام أحبّ إلي من كتاب سيبويه، ويتغالى في التمزهد، ويبالغ في التقشف، عجزاً منه. ولو نظر ببصيرته التي لم ينورها الله تعالى، وتأيّد في أمره لما قال ذلك، فإن المسألة التي يشير إليها من الحلال والحرام، إنما نشأت عن البحث عن معاني الكتاب والسنة، وتحقيق ألفاظهما، وتنقيح المراد بهما، وطريق ذلك العربية، وغيرها من المواد.”

فإذا كانت العربية بهذه الأهمية فلماذا ابتعدنا كل هذا البعد، لماذا أصبحت لغتنا بعيدة عن اللغة الأصلية التي تكلم بها العرب، لماذا أصبح الواحد منا إذا قرأ صفحة في كتاب من كتب المتقدمين-هذا إن فهمها-شعَر وكأنه أنهى ترجمة مخطوطة كتبت بلغة لم نسمع بها قط، فيذهب ليبحث عن شرحٍ للكتاب فيتفاجأ بأنه لا يفهم الشرح، فيبحث عن شرح للشرح. يا للحسرة! ما الذي جعل معجمنا اللغوي مختلفًا تماما عن معجم أجدادنا مع أنه من المفترض أنها نفس اللغة بفرق تعاقب الأجيال؟

من أهم هذه العوامل التي أدت إلى البعد عن لسان العرب

  • العلوم العقلية وأثرها.

لا خلاف في أن الكاتب إذا أراد أن يكتب قطعة أدبية مثلًا، فلابد أن يكون متأثراً بما هو مهتم به في أسلوب كتابته، فإن كان الكاتب مثلا طبيبا مهتما بعلم النفس فإنك ستشعر بهذا في كتاباته، فتجد بعض المصطلحات الطبية مثلا. وبسبب انفتاح الأمة الإسلامية في مراحل تاريخها المختلفة على الحضارات الأخرى مثل الحضارة اليونانية، فأصبح التأثر بهذه الحضارات واضحاً جلياً في كتابات هذا العصر، وهذا أدى إلى استحداث الكثير من المعاني، والمصطلحات اللفظية، والتعابير أيضاً.

  • التطور التاريخي.

وقعت تطورات متلاحقة باللغة، ولم تبق جامدة على صورتها، وكان هذا بالتأكيد نتاجاً لعدة عوامل؛ من أهمها اختلاط العرب بغيرهم، بسبب الفتوحات الإسلامية الواسعة في مشارق الأرض ومغاربها، فاختلطوا مع الفرس والروم وغيرهم، ولا شك بأنّ هذا من أهم الأسباب التي أدت لتطور اللغة، واستحداث بعض المعاني والألفاظ.

وللأسف الشديد كان من أحد الأسباب الهامة جداً، التساهل في التحدث بغير العربية، حتى اعتاد الناس التحدث بالعامية، وليس ذلك فحسب بل تحدثوا بلغات أخرى كالفارسية، وهو الذي تحدث عنه ابن تيمية فيقول: “. ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية، حتى غلبت عليهم وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم. ولا ريب أن هذا مكروه، وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في المكاتب وفي الدور فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف”.

  • التغريب اللغوي والأدبي في العصر الحديث.

المقصود بالتغريب: هو التغيير لموافقة ما عند الغرب، من لغة أو ثقافة، أو حضارة. وهو ما أخبر به الصادق صلى الله عليه وسلم:

“لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة” رواه البخاري ومسلم.

وهذا جلي لا خفاء فيه، فمع الحملات العسكرية الأوروبية على بلادنا، تشبعت البلاد بسموم هذه الحملات، حتى أصبحت عربية الاسم غربية المضمون. فقام المستعمر بالطعن في اللغة العربية، وادّعى قصورها، بل وصعوبتها، وكان ذلك تمهيدا للدعوة إلى العامية.

وليس العامية فحسب! لقد أصابتني الصدمة عندما رأيت-أكثر من مرة-طفلا لا يتجاوز السابعة من العمر يتحدث بلغة أخرى-كالإنجليزية-إلى أمه، فظننت في البداية أنه ليس عربياً، وبعد قليل أجدهم يتحدثون بلغتنا وكأن شيئا لم يكن.  فماذا بعد هذا التغريب اللغوي لأطفالنا إلا الضياع للغتهم الحقيقة! أهذا ما يسمونه بالتحضر؟!

فهذه العوامل أدت إلى البعد عن اللسان الأول، حتى أصبحنا نعيش حالة من التشتت اللغوي الشديد؛ وأعلم أن هذه العوامل لم تكن بقدر كافٍ من التفصيل، ولعلنا نفصلها في مقالات قادمة بإذن.

ولكن الأهم من هذا أننا يجب ألّا نستسلم لهذا، ويجب ألا نعتبر التساوي بين اللغات كما يزعم البعض، إذ كيف يستوي لسان كتاب الله عز وجل، ولسان أفضل الخلق بغيره من الألسنة!


المصادر

كتاب تكوين الملكة اللغوية – د. البشير عصام المراكشي

390

الكاتب

محمد خالد مصطفى

باحث ومدوّن، مهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.