فورين بوليسي: ترامب يَخُطُّ في الآفاق واقع الشرق الأوسط الجديد

هذا التقرير مترجمٌ عن مجلة Foreign Policy لستيفن جراند، المعلومات والآراء الواردة فيه تعود للمصدر لا على تبيان.


  مرحبًا بكم في الساحة العالمية الرئيسية في بحث الإنسانيةِ الدؤوب عن نظامٍ عالمي جديد.

استلم الفريق هربرت رايموند مكماستر مهامه كمُستشارٍ للأمن القومي الأمريكي في عالمٍ يعجُ بالصعاب وتتغير فيه موازين القوى بشكلٍ واضح لتتجه يمينًا نحو الشرق. فالقوة التي تمركزت طويلاً في واشنطن تفلت من قبضتها لتسافر شرقًا إلى مُدنٍ كموسكو، وطهران، ونيودلهي، وبكين.

للمزيد يمكن الاطلاع على: نحو إعادة تنظيم هيكل القوى العالمي: أمريكا تُصيغ رؤيتها من جديد

وفي ذلك الحين، يظهر جليًا أن المؤسسات واللوائح التنظيمية والقوانين التشريعية التي ألَّفت بناء النظام العالمي ورسَّخت دعائمه لأكثر من سبعين عامًا تعمل بالكاد تحت ضغطٍ شديد وترقُّبٍ من الأطراف يُمنة ويُسرة تُماثلها في ذلك الديمقراطيات الغربية التي تُمثل حجر أساس النظام وعمده المتين. وسواء اعترفت إدارة ترامب بالحالة الراهنة أم تجاهلتها سيبقى لزامًا عليها أن تواجه التحديات الحاصلة بغية ضمان استقرار النظام واستتابة موازين القوى العالمية على الساحة الدولية.

يظهر التدهور مليًا في أزهى حالاته في الفوضى الضاربة أطنابها في الشرق الأوسط العليل حيث تآكلت أربع دول (سوريا، والعراق، وليبيا واليمن) ساقطةً في أتون الحروب الأهلية المُستعرة بينما تقف دولٌ أخرى على أهبة الاستعداد للغليان.

http://gty.im/466335497

في سوريا باتت اليد العُليا لروسيا وإيران وأشياعهما من الميليشيات بعدما أُفلِتَ زمام الأمر من يد الأمريكيين ولا سيما بعدما أنزلت روسيا جنودها عام 2015 في خطوةٍ جريئة لإنقاذ رجلها سفاح سوريا الأقوى بشار الأسد من بوادر الهزيمة وعار الانكسار.

وعلى الأصعدةِ الأخرى للمنطقة أدى قتل نصف مليون سوري والتهجير القسري لأحد عشر مليونًا إلى كارثةٍ إنسانية كبرى لم يفيد من وقوعها سوى الأطراف المتصارعة فتدافعت مثلاً أنظمة كالقاعدة والدولة الإسلامية لتأمين مناطق النفوذ وزيادة عدد الجنود وارتكبوا في سبيل ذلك ما تراءى لهم من وسائل يرفضها العقل والدين.

يتضح التدهور في حُلةٍ أخرى بأوروبا العجوز التي تواجه صعابٍ جمة في محيطها تُهدد مشروعية مبادئها السياسية واستقرارها الاقتصادي كدول اتحاد فتواجه دولٌ هامشية كاليونان وبلغاريا تحديات صارخة وأزمات مالية حادة لتوفر لرعاياها الحد الأدنى من مُتطلبات الحياة الكريمة ومن خدماتٍ وفرص عمل.

من ناحية أخرى تتكيف أوروبا مع نتائج الصراعات التي جاد بها عليها الشرق الأوسط المُضطرب مروراً  بالوفود الدافقة من مُهاجري الشام الفارين بدينهم و حيواتهم إلى القارة العجوز انتهاءً بعمليات العنف و القتل العشوائي التي ينتهجها أعضاء التنظيمات نكايةً وحرباً ضد من يرون أن عليهم سداد ضريبة دماء المنطقة.

http://gty.im/457549042

وقد دعم الخوف الذي خلَّفته مثل هذه العمليات اليمين السياسي في أوروبا ليشع نجمه و يُنادى في قحةٍ بادية بإقرار قوانين رفض المهاجرين ناهيك عن الفوز الغريب لأنصار Brexit الذي يهدد تحقيقه من استقرار المنطقة و يُزحزح من أحقية وجود الاتحاد الأوروبي و يُعتبر نذيراً لانكماشه.

أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن سعادته لما أسماه “النظام ثنائي الأقطاب ” الذي تمخض عن قلاقل القوى الانفصالية و الأطراف الفاعلة في الصراعات حول العالم، يبدو أنه بذلك يُشير إلى نموذج القرن التاسع عشر للاستقرار السياسي حيث كانت الدول الاستعمارية الكبرى تخط باتفاقاتها مصائر الدول الأخرى حينما كان لكلمات رجالات هذه الدول فصلاً في السلم و الحرب و الاستقرار والدمار الكامنين ضمن دوائر التأثير التي كانت تعترف بها هذه الدول و تصون سيادة قُرنائها عليها باتفاق ذوى النفوذ و رؤوس المُلك من الأفراد الطموحين المُتعطشين للقوة و النفوذ و المجد الشخصي.

وقد قام بعض المسئولين في إدارة ترامب بالتعبير عن عدم اهتمامهم بما يدور خارج حدودهم على الساحة الدولية لكنهم سيلفون أنفسهم مُجبرين على التعامل بحزم حتى يضمنوا استمرار السيادة الأمريكية على العالم و الرخاء في بلاد العم سام لذا تراهم سيُجبرون على الترويج لنظامٍ عالمي تحكمه اللوائح و المؤسسات الدولية و سيسعون ما وسعهم للإبقاء على نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية قائمًا. فالولايات المُتحدة جادة في عزمها منع وقوع حروب أوروبية من جديد و أصدق في نيتها القاضية بردع الفكر الشيوعي و الحد من انتشاره جُغرافياً لذا ذهب الأمريكان لحُلفائهم الأوروبيون فدعموهم و أرسوا لنظام القوانين لفترة ما بعد الحرب واليوم تواجه الولايات المتحدة تحديات مُشابهة في الشرق الأوسط. و يتوجب عليها مُساندة حُلفائها الأولياء في المنطقة و تقليل النفوذ الروسي ما أمكنها.

فتداعيات صراعات منطقة الشرق الأوسط بصدد أمرين فإما أن تكتب دبيب الحياة في جسد النظام العالمي الحالي أو توقِّع بيديها شهادة وفاته و سقوط العالم أجمع في رحى أنظمة الأقطاب من جديد.

وسوريا هي الاختبار الأول فروسيا تُريد من الولايات المُتحدة الإقرار باستمرار حُكم بشار الأسد للقُطر المنكوب كشرطٍ أساسي لتكوين حلف عالمي لمُحاربة تنظيمي القاعدة و الدولة الإسلامية لكن هذا ليس طريقًا لإشاعة الاستقرار بين جنبات الوطن العربي الجريح فالأسد لم يُفلح سوى في أن يستدر عداء السوريين بوحشيته اللامتناهية التي ينتهجها لتدين له أقاصي البلاد و العباد بالولاء و يستتب له الأمر و عموماً بدون خلق وطن سوري جديد قوى، و مُستقل يُعنى فيه بالرعايا حق عناية فإن أي نصرٍ على الدولة الإسلامية و القاعدة لهو سريع الزوال فالنصر الوحيد هو قتل الفوضى بحلَّ أسبابها و عُقدها.

سقوط حلب الشرقية بيد الأسد وشركائه

لذا يتوجب على الولايات المُتحدة الأمريكية أن تضع نُصب عينيها انتهاج حل يحفظ مصالح جميع الأطراف و يضمن منافعها عن طريق دعم سيادة كل إقليم على أرضه و عناصره و خلق وطن سوري حر يتمتع بالاستقلالية و الحُكم الذاتي وهذا ما لا يكفله بقاء الأسد ومن هنا وجب إقناع الروس بهذه الرؤيا فإن خابت مساعي الإقناع يُصبح على أمريكا حماية المدنيين و إقرار العمل بالحلول الإنسانية لتقليل الضحايا ومُساعدة المنكوبين

وذلك جنباً إلى جنب مع تسليح الشُركاء الإقليميين للولايات المُتحدة من العرب وإدراجهم في الحرب الفاعلة مع الدولة الإسلامية وذلك لجر الروس و جميع الأطراف بشكل أكبر نحو المفاوضات.

أما لمنطقة الشرق الأوسط بشكل أعم، يجب أن تكون همة الأمريكيين عالية لوضع الشرق الأوسط على مسار تقدمي كالتي سارت في إثره أوروبا مُنذ سبعين عاماً وعليه يُوضع حد للصراعات القائمة و تتفاوض الجموع على حلولٍ و تقسمات للأرض تضمن حقوقها جميعاً (في بلاد الحروب الأهلية )، إلى جانب مُساعدة الدول الضعيفة بغية ردع التطرف و الإرهاب.

أيضاً، تشجيع الزعماء السياسيين على انتهاج سياسات من شأنها الترسيخ لشرعيتهم و إفساح الطريق لكفاءات رعاياهم بالإضافة إلى إمكانية إيجاد مؤسسات إقليمية تختص بالتخفيف من حدة النزاعات القائمة  من ناحية و تحسين سُبل التعاون من ناحيةٍ أخرى.

لتحقيق هذه الغايات على الولايات المُتحدة تعزيز سُبل التعاون مع الدول التي تشاركها ذات الأهداف و الغايات  ضمن حدود المنطقة و خارجها وذلك لخلق شرق أوسط أكثر استقرارا و ثباتاً.

من المؤسف حقاً أن اللاعبين الإقليميين من دول المنطقة أخذوا قياد الأمور و زمامها و أنهم وحدهم يؤدون نصيب الأسد من المهام الواقعة على كل ذي منفعة و هنا ينبغي على الولايات المُتحدة، وروسيا، والصين أن يمدوا يد العون لهذه الدول حتى لو من مُنطلق تحقيق المنافع الذاتية و الأجندات السياسية.

قد يتراءى لنا هذا كدربٍ من المُحال لكن منافعه ستكون جمة و المكاسب من ورائه جد كبيرة فخلق شرق أوسط أكثر استقرارا و أمنًا من شأنه أن:

  1. يقطع الطريق على أيديولوجيات التطرف و الأصوليين (الإسلاميين )
  2. يؤمَّن حدود أوروبا الجنوبية
  3. أن يفتح سوقًا دائمة تحوى 300 مليون من المُستهلكين النهمين لكل ما تطاله أيديهم من خدمات و تكنولوجيا ليواكبوا الحداثة و التقدم مما يعنى زيادة إنتاجية و ربحية السوق الأمريكية و الأوروبية.

وهكذا إن تبنى مشروع ضخم كهذا في وسعه أن يمد أجل النظام العالمي الحالي و أن يُطوره ليدخل في غمار مرحلةٍ جديدة من الاستمرار.

عند تدقيق النظر في الحالة الراهنة يُرى وجود اختيارين في وسع الإدارة الحالية فهل تراهم يرمون دفتهم مع الرجال الأقوياء الذين يطرحون بدائل قد تشابه طبيعة النظام العالمي شكليًا و إن كانوا لا يضمنون دوام الاستقرار؟  أم تراهم يلتزمون بترسيخ دعائم نظام القوانين والمؤسسات-الذي يكتنفه العوار-ولكنه ضَمن تعاقب سبعين عاماً من السلم والازدهار في عالمٍ يعجُّ بالفوضى؟!

لنرى أي الخيارات سيتحملون الالتزام بها وبالتالي تبعيتها وذلك في لحظةٍ فارقةٍ من البحث الإنساني الدؤوب عن بديلٍ للنظام العالمي القائم.


للاطلاع على المقال الأصلي: Donald Trump Will Design a New Middle East

محمد سماحة

كاتب صحفي و مُترجم حر .. أهوى القراءة في مباحث الفلسفة والتاريخ وبعض نصوص الأدب… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى