رحلة فريسكوا بالدي محطات وروئ

تحتل كتب الرحلات مكانة هامة في ثبْت المصادر التي تتضمن الكثير من المعلومات عن البلدان والأقاليم فضلاً عن الشعوب في مختلف العصور، هذه الرحلات التي لم تتوقف أبدًا منذ أقدم العصور، فطفقت جموع الرحالة تتعاقب على زيارة المشرق منذ عصر حضارة الإغريق ثم الرومان، ثم في القرون الوسطى حلَّ الطمع وحب الاستعمار محل الفضول والاكتشاف فكان أن اجتاحت جحافل الغزو اللاتيني المشرقَ العربي الإسلامي فيما عرف بـ«الحروب الصليبية» فلمَّا أطلَّ القرن السادس عشر بدأت مرحلة جديدة من مراحل هذه الملحمة الثقافية الحضارية بين الشرق والغرب فتضاعف إلى حد كبير عدد الرحالين الأوروبيين الذين أتوا إلى الشرق، وذلك له أسباب كثيرة ودوافع إما معلنة أو غير معلنة، ولكن مع الأسف الشديد هذا الإرث الإنساني الثمين الذي يضم المئات من نصوص الرحلات النادرة لم يجد العناية الجيدة به من قبل المشتغلين بالدراسات التاريخية إلا في وقت متأخر رغم ما تحفل به هذه الأسفار من مادة تلقي الضوء على شتى جوانب المجتمعات في الشرق والغرب على حد سواء، وهنا تظهر أهمية كتب الرحلات التي تتلخص فيما يأتي:

أهمية كتب الرحلات

مما يوضح لنا الأهمية العظيمة لكتب الرحلات كونها تمدنا بذخيرة طيبة من المعلومات والنصوص التي نفتقد مثلها في كتب التاريخ التي في الغالب ما كتبت ودونت إلا لأجل غرض معين كتقرب لسلطان أو طلب لجاه ومال، أو خوف من بطش السلطان، لذا تطمس أحيانًا أو تغض الطرف عن قصد ودراية عن كثير من الأمور والأحداث التي لو تكشفت لنا لتغيرت نواحٍ كثيرة من التاريخ المدون لذا من الحكمة القول بأن كتب الرحلات ترقى لأن تكون من المصادر الأصلية في تبيان الأحداث الرئيسية أو الجانبية الغامضة وتنقلها من هامش الفكر إلى بؤرة النظر والإدراك الصحيح والتفسير المعقول المطابق لحقيقة الواقع، وهذه الأهمية ترجع لأن الرحالة يتغلغلون بين طبقات المجتمع والتي قل أن تعبأ بها كتب التاريخ الرسمية (الحكومية إن صح التعبير). 

 وأيضاً من أسباب أهميتها كونها بعيدة كل البعد عن التحيز أغلب الأحيان، وذلك لأن ما تتضمنه يكون عن مشاهدة الرحالة نفسه عيانا. كذلك من الأسباب التي جعلت كتب الرحالة ذات أهمية للمؤرخ وغيره هو أن اهتمامات الرحالة جاءت مختلفة عن اهتمامات المؤرخين الرسميين، فعلى سبيل المثال نجد اهتمامات المؤرخين الرسميين تدور في فلك تمجيد أفعال السلطان السياسية والحربية وقليلاً ما نجد منهم اهتماماً بذكر الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية إلا إذا كان ذلك متعلقاً بتمجيد وتحية السلطان، وفي مثل هذه الحالة لا نجد نصاً يشفي الغليل ويروي عطش الباحث بل نجد نصاً هزيلاً وعلى العكس نجد في كتب الرحالة مادة تاريخية ثرية حول هذه الجوانب وغيرها.

ولكن هناك بعض الملاحظات على كتب الرحلة والتي ينبغي مراعاتهاـ  لا بد عند التعامل مع كتب الرحلة والرحالة من الأخذ بعين الاعتبار أن الرحالة الذي نرحل معه في رحلته ليس مؤرخاً محترفاً بمعنى أنه ربما يكون الرحالة تاجراً أو رجل دين أو رجلاً عسكرياً أتى لأغراض عسكرية، لذا نجد مَن هذا حاله  في بعض الأوقات لا يبرهن على صحة كلامه بأدلة وبراهين تثبت صحة كلامه وإنما يكتفي بذكر الواقعة ويسكت، وفي بعض الأحيان نجدهم يأخذون ما سمعوه من أفواه معاصريهم على أنه من المسلمات وهذا نجده كثيرا،  لا بد أيضاً من الأخذ في عين الاعتبار أن أولئك الرحالة لم ينفصلوا عن عصرهم وثقافتهم بل كانوا إفرازاً حادثاً لذلك العصر، فلا شك أنهم كانوا نتاج عصرهم فمع تعاظم الظاهرة الدينية في مرحلة العصور الوسطى في الغرب والشرق على حد سواء -على نحو جعل البعض يصفها بأنها عصور الإيمان- نجد أن ذلك انعكس على كتابات أولئك الرحالة الأوربيين فاهتموا بالجانب الديني، خاصة أولئك الرحالة الذين يمموا وجهتهم صوب الأماكن المقدسة لذا لا نكران أن نجد بوضوح اهتمام الرحالة الأوربيين الذين زاروا الشرق بذكر الأماكن المقدسة والكنائس ودور العبادة وإيراد معجزات القديسين وقبلهم المسيح وأمه، فضلاً عن زياراتهم لتك الأماكن ووصفهم إياه طبقاً لما في الكتاب المقدس والأمثلة على ذلك كثيرة مع ذكر الأساطير المتعلقة بذلك.

أيضاً لا بد من مراعاة اختلاف جنسيات الرحالة ومستواهم الطبقي والثقافي، وإدراك الفائدة من اختلاف نظرتهم للواقعة أو الحدث فنجد رحالة روسيا، وإسبانيا، وألمانيا، وفرنسيا، وإيطاليا، وإنجليزيا… كذلك نجد مَن كان منهم سيداً في قومه ومنهم من كان من الطبقة الوسطى في مجتمعه، ومنهم من كان عبداً خادماً لسيده في تلك الرحلة، فمن المحال أن تكون نظرة السيد كنظرة العبد، لذا من الطبيعي أن تختلف اهتماماتهم وفقاً للبيئة التي نشأوا فيها  ووفق معطياتهم السياسية والاقتصادية والدينية، أيضاً لا بد من مراعاة العصر الذي ينتمي إليه الرحالة عند النظر في رحلته، فالرحالة الذي كان معاصراً للحروب الصليبية نجد في كتاباته إشارات متحاملة ضد كل ما هو غير مسيحي، وهذا إفراز طبيعي لعصر الحروب الصليبية، ثم يأتي بعد ذلك الرحالة في القرن الرابع عشر والخامس عشر إلى الشرق تحت حكم المماليك ليتميز رحالة هذا الوقت  بثنائهم على المماليك وينبهروا بما في مملكتهم من ترتيبات للدولة ومن قوة حكمهم فنجدهم يأتون متوافرين متتابعين، ثم يهل علينا القرن السادس عشر وما يليه فنجد في كتاباتهم الحض والتنقيص من العثمانيين، وهذا طبيعي بحكم كونهم هم المسيطرين على الأراضي المقدسة وأمثال هذا كثير، لذا لا بد عند التعامل والنظر مع تلك النصوص من أخذ الحيطة والحذر ومعالجتها وفق معطيات النصوص المعاصرة لها وعدم أخذها كمسلمات إلا عند المقارنة مع غيرها.

وإذا كان الأمر كذلك والحال تلك فتأتي رحلتنا اليوم ضمن رحالة القرون الوسطى (القرن الرابع عشر) وما هي إلا لؤلؤة في عقد الرحلات التي أتت للشرق في ذلك الوقت، ولكنها رحلة ثلاثية الرؤى فرحلتنا اليوم سنتحدث عنها من منظور ثلاثي بمعنى أن رحلتنا قد رواها ثلاثة كانوا يرافقون بعضهم البعض فيها، وهم إن اتحدوا في الرحلة إلا أن نظرتهم اختلفت وطريقة عرضهم افترقت وزاد بعضهم ما نقص الآخر، مع كونهم لم يدونوها في وقت واحد، ولا كان عن اتفاق منهم.

 نحن مع متعة التاريخ، وتاريخ المشقة، مع منظار الفلك، وعين الجغرافيا، ومسبار الأنثروبولوجيا، مع جسر الخبرات بين الأمم، وهمزة الوصل بين الشعوب والمجتمعات، مع سفير السلطان، ووثيقة المؤرخ، ومكتبة العالم، وحنكة السياسي، ورافد الأديب الذي لا ينضب… مع رحلة دوَّنها أصحابها لتكون بعد ذلك تاريخاً لنا، مع رحلة إلى المشرق العربي والأراضي المقدسة في القرن الرابع عشر من فلورنسا إلى بلاد المشرق الإسلامي  (مصر وفلسطين وسوريا ولبنان). 

ففي عام 1384م قام ثلاثة عشر رجلا من توسكانا برحلة إلى الأراضي المقدسة وعند عودتهم دوَّن ثلاثة منهم رحلتهم في ثلاثة كتب منفصلة وهم: 

  1.  ليوناردو فريسكو بالدي وهو الأول على القائمة؛ ليس لأنه الأكبر سنا ولكن لكونه الأرفع شأنا فهو من الشخصيات البارزة وابن عائلة فلورنسية نبيلة.
  2.  جورجو غوتشي، وهو من عامة الناس، كان والده مستشاراً قانونياً وسفير إحدى المحافظات، اعتُبر غوتشي من وجهاء فلورنسا عام 1379.
  3. سيمونه سيغولي، من عائلة نبيلة يحمل شعارُ عائلته مناجل زراعية ثلاثة قبضتُها من الذهب ولا يبدو أنه حصل على مناصب حكومية  لا هو ولا والده. وكان معه في رحلته هذه خادمه.

هؤلاء الثلاثة هم من دونوا رحلاتهم دون الباقين، وهؤلاء هم من سنعيش معهم في الصفحات التالية في محطات تاريخية ورؤى لرحلاتهم.

 قبل أن نرحل معهم نتعرف على وصف لرحلتنا المطبوعة، فهذه الرحلة تأتي في كتابين منفصليْن أحدهما ضمَّ بين دفتيه رحلتي فريسكو بالدي ومعه سيمونه سيغولي، وهذا أتى في مجلد عدد أوراقه 175 ورقة: المقدمة وبعض الملاحق في أول الكتاب، وطريقة إخراجه احتلت 60 ورقة، بينما رحلة فريسكو بالدي أتت في 54 ورقة، ثم يليها رحلة سيمونه في 36 ورقة، ثم في نهاية الكتاب بعض الصور التاريخية الخاصة بالأماكن التي شاهدها الرحالة، والأجزاء الأخرى من الكتاب تأتي فيها رحلة جورجو غوتشي مفردة عدد أورقها 127 ورقة؛ تحتل المقدمة ومنهج العمل حوالي 25 ورقة، ثم يأتي نصُّ الرحلة في 64 ورقة، ثم في نهاية الكتاب صور للمناطق التي وصفها الرحالة وهي لم تكن من وضع الرحالة وإنما هي كما يقول المترجم: “هذه الصور ليست في الطبعة الأصلية للكتاب ، لكننا أضفناها من عدة مراجع نادرة جداً، إتماماً للفائدة”. وجدير بالذكر أن نبين أن الرحلة بروايتها الثلاثية قام على ترجمتها الدكتورة شيرين إيبش، بمراجعة وتحرير من الدكتور أحمد إيبش، وطبعت الرحلة ضمن سلسلة رواد المشرق العربي الصادرة عن دار الكتب الوطنية التابعة لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث ضمن مشروع (كلمة) لنشر التراث.

المحطة الأولى

مقال رحلة فريسكوا بالدي محطات وروئ

 سنقف أولاً عند محطة مدينة الإسكندرية.

 تلك المدينة التي تغنى بها وبجمالها الكثير من المؤرخين في القديم والحديث لذا استحوذت على اهتمام الرحالة الثلاثة، ولمَ لا وهي أول مدينة تطأ عليها أقدامهم في المشرق.

يقول فريسكو بالدي عنها: «هي أرض نبيلة»، وفي موضع آخر يشبهها بفلورنسا؛ يقول: ولها غنى كل فلورنسا، ويبتهج ويقول:  «خرجنا نستكشف الأرض النبيلة لكي ننسى تعب البحر ونرتاح…».

أول ما يلفت انتباه القارئ في محطة الإسكندرية من رحلتنا أن الثلاثة اهتموا بذكر موقعها ومساحتها وعدد سكانها ووصف طرقها حتى وصفوا الحدود الفاصلة بين المدينة القديمة والجديدة، هذا الوصف الكامل للمحيط الجغرافي للبلد يدل على العناية والاهتمام. يقول فريسكو بالدي: «… وهي تقع من جهة على البحر ومن جهة على قناة حفرت يخرج منها النيل… وتبعد 300 ميل عن الإمبراطورية في القاهرة…»، ويزيد سيمونه بقوله: ومن الإسكندرية إلى مودون كانت المسافة 900 ميل، وهناك من يحتاج إلى 1000 ميل للوصول إليها… وفيها مرفأ كبير، وهناك جبلان من القمامة والقاذورات، وفوق كل جبل برج محصن يبلغ طوله ميلاً أو أكثر ويبعد الجبل عن الآخر مسافة ميل.

ومساحتها يذكرها جورجي غوتشي بقوله: «… ظهرت لنا المدينة بمساحة كبيرة…»، وانفرد سيمونه سيغولي بذكر طولها وعرضها: «… طولها أربعة أميال وطولها يفوق عرضها وهي أرض واسعة وفيها طرقات  جميلة وفسيحة».

وأما عدد سكانها فأشار فريسكو بالدي إلى أن عدد السكان يبلغ 60 ألفاً من المسلمين والمسيحيين واليهود، وقريب من هذا الرقم ذكره سيمونه سيغوله مع زيادة وصف لباس أصحاب كل ملة من الملل المذكورة، ووصف غوتشي المدينة وسكانها بقوله فهي تكتظ بالمنازل والسكان…

يقول فريسكو بالدي: ويقال بأن عدد السكان المسلمين والمسيحين واليهود يبلغ 60000.  يزيد سيمونه: منهم المسلمون واليهود وذوو الأحزمة الحمراء من المسيحيين والسامريين، ويُعرفون جميعا من لباسهم فالمسلمون يعتمرون القبعات البيضاء، أما اليهود فالصفراء، والمسيحيون الزرقاء، والسامريون الحمراء…. ويذكر أيضاً أن المدينة بها مذاهب عدة من المسيحيين «وفي الإسكندرية مذاهب عدة من المسيحين…».

وتميز جورجو غوتشي بذكر جنسيات المسيحيين الموجودين في المدينة: «…كما أن هناك عدداً من المسيحيين يعملون في التجارة… منهم جنوبيون، وفينسيون (بنادقة)، وقطلان، وأراغونيون، وبروفنساليون، وبيزنطيون وفلورنسيون، وعدد كبير من مختلف الجنسيات».

اهتموا أيضا بذكر التحصينات العسكرية والدفاعية في المدينة وكون أسوارها عالية ومحيطة بها، خصوصا أنهم دائمو الذكر لحملة ملك قبرص على المدينة وكأنهم يتفاخرون بذلك. قال جورجو غوتشي: عند تركنا الإسكندرية متجهين إلى القاهرة مررنا بعدد كبير من أسوار المدينة فهي محاطة بأسوار عالية متينة تعلوها الأبراج والحاميات… ويذكر أن هناك سوراً يفصل بين المدينة القديمة والجديدة، وخارج المدينة يوجد الباب الذي يفصل الإسكندرية الحديثة عن القديمة وهو على بعد نصف ميل…

زيارة ميدانية

الآن ننزل للتجوال داخل المدينة لنتعرف عليها عن قرب؛ كأن هذا لسان حال فريسكو بالدي: “خرجنا نستكشف الأرض النبيلة لكي ننسى تعب البحر ونرتاح ونشتري قماش الحرير بما يناسب قبر السيد المسيح. ويقول في موضع آخر: «بعد انتهائنا من زيارة السلطان ذهبنا لزيارة المدينة والأماكن المقدسة فيها…».

لذا فهذه الزيارة الميدانية سيكون لنا معها  وقفات، وقفة حول مراسم زيارة السلطان ووصف بلاطه، ووقفة داخل أسواق الإسكندرية نتعرف فيها على أهم السلع التي شاهدها الرحالة، وهنا تنتهي هذه المحطة من محطات رحَّالتنا ونقف مع محطة أخرى من محطات رحلتنا وهي أوصاف المسلمين وعادتهم وتقاليدهم الاجتماعية كما وصفها الرحالة الثلاثة.

 ثم تتوالى المحطات بعد ذلك.

السلطان وبلاطه

من أهم الزيارات التي قام بها الرحالة  في رحلتهم عند نزولهم الإسكندرية هي زيارة السلطان وتحيته (والمقصود بالسلطان هنا نائبه) يقول غوتشي: «يحكم المدينة أمير يمثل السلطان… ولقد قدَّمنا نحن الحجاج أنفسنا  إليه ورأيناه وتكلمنا معه». بينما يذكر فريسكو بالدي مكان إقامته: «يعيش في قصور كانت تقيم فيها القديسة كاترينا البتول ولقد تغير شكلها الآن وهو مكان ضخم…». وانفرد سيمونه بذكر الوقت الذي كانت فيه الزيارة فيقول: «أما نحن فبعد أربعة أيام على وجودنا في الإسكندرية بعث الأمير بطلبنا لنلتقي بقنصل الحُجاج، فذهبنا إلى منزله وطلب منا أن نقدم أنفسنا للأمير…» ويذكر فريسكو بالدي مراسم الزيارة: «وقبل وصولك إلى القصر الملكي تجد باباً كبيراً عليه عدد من الجنود والحراس، ولقد تكلم قنصلنا الفرنسي مع أحد الحراس باللغة العربية مبلغاً إياه بأننا حجاج قد استدعانا السلطان لنخضع لأوامره وسرعان ما ذهب أحدهم وتأخر كثيراً في الرجوع ولا أعرف أين ذهب، ولكنهم وضعونا في بهو عبرناه لندخل باباً آخر فيه مجلس كبير وعدد من النبلاء وأهل البلاط، فاستقبلونا بترحاب واستدعانا لنصعد سلما في أعلاه باب يفضي إلى صالة كبيرة…».

يقول غوتشي: «وكان علينا أن نبجله كما تقتضي العادات» لذا كانت مراسم الدخول على السلطان تسير وفق معطيات ذلك العصر. يذكر  فريسكو بالدي المراسم بشيء من التفصيل: «طلبوا منا خلع الأحذية قبل الدخول… وكان علينا أن ننحني ونقبل الأرض ويدانا ممدودتان إلى الأمام وعند وصولنا قرب السلطان فعلنا الأمر نفسه» وبعين خبير مدقق استطاع أيضا أن يصف كيفية جلوس السلطان ومكان استقبال الوفود يقول «وفي مكان عال جلس السلطان متربعاً [زاد سيمونه على سجادة] وتربع كما يفعل الحائك يلبس قماشاً من الحرير وقد تحلق حوله رجال بلاطه واقفين أمامه، وأما الصالة  فكانت مقسمة بالأقمشة والسجاد الرائع وامتلأت الجدران بالزخارف الجميلة». وأما الحوار الذي دار بينهم وبين الأمير فيتضح من كلام فريسكو بالدي أن الأمير قام بسؤالهم عن العديد من الأمور الخاصة بالأحوال الداخلية لبلادهم والتي تخص تتويج الإمبراطور، ومدى صحة عدم ارتدائه التاج، والبابوية، والسلطات الحاكمة، وطبيعة الخلافات الموجودة بينهم. «… ثم سأل السلطان ترجمانه أشياء كثيرة عنا وعن زيِّنا وعاداتنا ومركزنا وعن الإمبراطورية، وسألنا فيما إذا لم يتوج إمبراطورنا، وإذا كان عندنا اثنان من الباباوات، وعن ثرواتنا ومناقبنا وفضائلنا… فأجبناه بما يناسب ويليق بكنيستنا المقدسة وهو دين علينا». وهذا الجواب يفهم منه مدى إدراك رحَّالتنا للموقف السياسي  القائم بين بلادهم والمسلمين، لذا كان حذراً عند الجواب ولم يفصح عن أي شيء من الأحوال الداخلية الخاصة ببلادهم.

نستخلص من ذلك أن حاكم الإسكندرية كان له دور كبير في استقرار أمنها وكان من الشخصيات الهامة المؤثرة في تاريخ الإسكندرية وزائريها وكان يتمتع بنفوذ واسع، لذا لا يستطيع أحد من  الأجانب القادمين إلى البلاد سواء كانوا من التجار أو الرحالة الحجاج أو غيرهم الدخول إلى المدينة دون إذن منه. تلك كانت زيارة السلطان وما ورد فيه من إشارات حولها. 

أسواق الإسكندرية

مقال رحلة فريسكوا بالدي محطات وروئ
قصر المنتزة بالإسكندرية

الإسكندرية مدينة تجارية زراعية، فهي زراعية بسبب توافر مصدر للمياه العذبة التي تصلح للزراعة والمتمثلة في خليج الإسكندرية الذي قال عنه غوتشي: «… ومياه الأقنية تأتي من النيل أو من قناة Caligine (الخليج) التي تروي بها الإسكندرية ومياهه عذبة». ويحدد سيمونه مكانها بالنسبة إلى المدينة بأنها قريبة من الإسكندرية تبعد ميلاً ونصفا، وتجارية بحكم موقعها الجغرافي على البحر الأبيض المتوسط وكونها همزة وصل بين مصر وبلدان العالم، لذا  نجد في وصف الرحالة الثلاثة لكثير من السلع والمنتوجات التي شاهدوها في أسواق الإسكندرية: «فهي أرض ذات منتوجات كثيرة فيها توابل وسكر وأقمشة الحرير… وعبر النيل والبحر تبحر البضائع، وتأتي القوافل براً على الجمال لتلتقي في الإسكندرية…». «… مليئة بالبضائع التي لا تخطر لك على بال جلبت من كل حدب وصوب…».

فالمدينة إذن  «على جانب من الثراء، وفيها من مختلف الأنواع والأصناف العالية الجودة والنوعية…».

اتفق الرحالة الثلاثة على غنى الإسكندرية بالبساتين والأشجار وأن فاكهتها تميزت بالطعم اللذيذ ورخص الثمن: «فيها لحم وفاكهة من أطيب الأنواع على الأرض ورمان كبير شديد الاحمرار من الداخل وحلو كالسكر، هناك إجَّاص وتفاح وخوخ وفاكهة أخرى من بطيخ أحمر وأصفر، وكلام الإنسان يعجز عن التعبير عن مذاقها الطيب» أشار إلى ذلك الرحالة سيمونه سيغولي في رحلته، بينما يشير فريسكو بالدي إلى وجود قصور في منتهى الجمال محاطة بأراض بها حدائق وأشجار «وعلى بعد ميل من الإسكندرية شاهدنا قصوراً في منتهى الجمال تحيط بها حدائق وأراض مزروعة بالفاكهة ويكثر فيها التمر والليمون والبرتقال والقرفة والخروب وتين الفرعون الذي يزرعونه 7 مرات في السنة».

فاكهة  الموز Muse

لهذه الثمرة عند الرحالة مذاق خاص واهتمام زائد لأنهم يعتقدون أنها هي  السبب في خطيئة آدم عليه السلام قال سيمونه «وهناك نوع من الفاكهة قال العديد من الناس بأنها هي التي جرَّت سيدنا آدم إلى الخطيئة» وأما في وصفها فيقول: «لونها كلون الخيار عندنا ولكنها أكثر طولاً وضيقا وهي طرية، أما مذاقها فغريب، حتى إنهم يقولون بأن من يتذوقها يحبها إلى درجة تجعله يترك الفاكهة الأخرى… أما شجرة تلك الفاكهة وساقها فلونها أحمر كالدم، وهي منتفخة وهشة بنفس الوقت ويتفرع منها أربعة أذرع، وتظهر الفاكهة في الساق ثم تجف ومن الساق الأخرى تنتج فاكهة أخرى ثم تجف، وهكذا من سنة إلى أخرى… وهناك من يسمي تلك الفاكهة تفاح الجنة وهو الاسم المناسب لها…».

نجد أن الرحالة أضفوا على هذه الثمرة صبغة دينية ونزعة مسكونية حيث يذكرون أنه حين تقطيع هذه الثمرة إلى نصفين من أي جهة يظهر شكل يشبه الصليب. قال سيمونه «… لهذه الثمرة معجزة أخرى وهي أنه عند قطعها من أي جهة أردت طولاً أم عرضا أم من الجانب تظهر وسطها إشارة الصليب، ولقد أخضعنا الأمر للبرهان».

أسواق الدجاج والطيور

مما ذكره الرحالة في رحلتهم ومشاهدتهم الميدانية في الإسكندرية واسترعى انتباههم أسواق  الدجاج، وقد أجاد سيمونه سيغولي في وصف هذه الأسواق حتى إنه ذكر طرق البيع والشراء وثمن الدجاج: «… أما أسواق الدجاج فهي كبيرة جدا وأوسع من ذلك الموجود عندنا، وعند شرائك دجاجةً من بائعها يقطع لك رأسها قبل بيعها، أما إذا خانك الحظ وشددت عنقها أو عنق أي طائر آخر وقعت في مأزق، فهذا سيكلفك 50 فيورينيا ذهبياً أو أكثر عن كل رأس حسب حظك ودرجة العفو التي تطالك، وإذا ذهبت إلى بائع الدجاج ورأيت عددا من طيور الحجل الموضوعة في أقفاصها حية وانتقيت السمين وثمن الواحدة يصل إلى 6 من عملتنا، فلا يلبث أن ينظفها لك وينتف ريشها.

وأما عن الأسماك فالإسكندرية مدينة ساحلية والأسماك فيها متوفرة «ففيها من كل صنف وجنس وقياس وبكمية كبيرة جداً» على حد تعبير سيمونه الذي ذكر أيضاً أسعار السمك «وثمن الرطل منها 18  من عملتنا» وأشار فريسكو بالدي إلى إمكانية أن تشتريه مطبوخاً في إشارة غير صريحة قال «… ولكن الزيت الذي يقلى فيه ردئ جداً».

وأما اللحم  فقد انفرد سيمونه سيغولي  بنص فريد ماتع جمع فيه عدة أمور من ذكر لأنواع اللحوم المستخدمة وطريقة الطهي بل وأثمان اللحوم: «… وهناك لحم عجل سمين أبيض وطيب ثمنه 20 من عملتنا للرطل، ولحم الضأن المخصي وثمنه 16 من عملتنا للرطل وذيلها مدور يزن  25رطلاً تقريباً، وهي سمان وبيض وفي داخلها دهن كدهن الخنزير عندنا، وهي أفضل اللحوم طعماً، وعندما تطلبها من صاحب الحانة يحضرها دون عظمها وإذا أردتها مع عظمها أحضرها لك، وهم يطهون بطريقة متقنة وبتذوق، وهناك من يبيع لحم الحصان والحمار.

صورة المسلم والمسلمين

مقال رحلة فريسكوا بالدي محطات وروئ

من الطبيعي أن تلفت شعائر المسلمين وعباداتهم انتباه الرحالة وذلك نظراً للاختلافات الدينية والثقافية والاجتماعية بين المجتمع الأوروبي والعربي المسلم.

كان أول شيء لفت انتباه أصحابنا هو عبادات المسلمين وبالطبع احتلت الصلاة حيزاً كبيراً من اهتمامهم بدءا من وصف المساجد مروراً بالنداء للصلاة والتطهر لها ثم صلاة الجمعة وخطبتها «… وهناك كنائس المسلمين التي تسمى مساجد، وهي خالية من اللوحات والمنحوتات، وعلى العكس فلونها أبيض، ولا توجد في أبراجها أجراس». هنا عقد مقارنة سريعة بين الكنائس والمساجد فيقول إن المساجد خالية مما هو متعارف عليه عندهم من رسوم الأيقونات وكون أبراجها خالية من الأجراس، وفي موضع آخر يقول: «… أما أبراجهم فهي طويلة ومحاطة بشرفات يقف عندها المؤذن ويدور ثلاث مرات حولها منادياً الناس» هكذا وصف فريسكو بالدي مساجد المسلمين من الخارج وأما وصفها من الداخل فقال «ومساجدهم بيضاء ذات مصابيح كثيرة، وهناك بهو يتوسط صحن المسجد» أما النداء للصلاة فـ«فيها برج يعلنون منه وقت الصلاة ويظهر المؤذن على شرفة البرج وينادي دائراً حوله ثلاث مرات بأنه حان وقت الصلاة». هكذا وصف سيمونه سيغولي كيفية نداء المسلمين لصلاتهم،  ويضيف فريسكو بالدي إضافة هامة وهي شيء من توقيت الصلاة فيقول: «ولا توجد في أبراجهم أجراس… بل أشخاص ينادون صباح مساء عند وقت الصلاة» ويضيف أمراً آخر وهو بعض ألفاظ الأذان ، قال: «ويطلبون في دعائهم مباركة الله ورسوله…»« ونص أخير عند غوتشي فيه وصف بهي لحالة النداء للصلاة يقول: «أما كنائسهم ففيها أبراج ولا تحتوي على أجراس… وعندما يحين الوقت تسمع الأذان في جميع المساجد وكأن ثورة قد اندلعت…» هذا التعبير منه يدل على شدة حرص المجتمع في هذا الوقت على المحافظة على هذه الشعيرة.

«والآن نتكلم عن طقوس المسلمين الدينية يوم الجمعة وكيف يقومون بها» بهذه الطريقة افتتح سيمونه سيغولي كلامه عن يوم الجمعة عند المسلمين، وجدير أن نذكر أن فريسكو بالدي أخطأ في تسمية هذا اليوم إذ جعله الاثنين قال: «وهم يحتفلون نهار الاثنين المقدس عندهم ويمتنعون عن المعاصي في ذلك اليوم…». 

استطاع سيمونه سيغولي أن يصف أحداث يوم الجمعة تفصيليا قال: «… إذ يصعد رهبانهم كل يوم جمعة أبراج المسجد وينادون الناس يدعونهم إلى الاغتسال، فيبدأ الناس بغسل أذرعهم ومنتصف الرأس من جهة الوجه ثم يغسلون أرجلهم (هذا الوصف لا يختص بيوم الجمعة فقط فهو وصف لطريقة وضوء المسلمين، ولعل السبب في جعل الرحالة يذكره من اختصاص يوم الجمعة هو ما شاهده ولمسه من اهتمام الناس بهذا اليوم وظهور حركتهم في الطرقات وهكذا) وبعد ذلك بقليل يصعد الرجل ينادي الناس ليذهبوا لسماع الخطبة، وهكذا يذهب الجميع إلى المسجد وخاصة المساجد الرئيسية… وعند وصولهم يخلعون أحذيتهم فيتركونها في الخارج ويدخلون حفاة، وعند دخولهم يقبلون الأرض عدة مرات ولمدة نصف ساعة تقريبا».

هنا نجد أن صاحبنا أخطأ في هذا الوصف إذ اعتقد أن المسلمين عند دخولهم المسجد يقبلون الأرض وهذا خطأ منه فما هذا إلا هيئة سجود المسلمين في الصلاة وهم يصلون تحية المسجد كما هو متعارف عليه ولكن هنا ملمح يؤخذ بعين الاعتبار فربما كان قصد سيمونه هو الحط والإزراء من المسلمين بفعلهم هذا لربما كان هذا. ثم يذكر سيمونه الخطبة وما يكون فيها: «ثم يجلسون فيأتي القاضي أو أسقفهم ويصعد سلما (المنبر) فيبدأ بالخطبة والوعظ عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه لكي يحذو الناس حذوه، ثم يتكلم عن أشياء أخرى كثيرة وعند انتهائه يخرج خنجراً من وسطه ويقول للناس من يعترض فهذا نصيبه، ثم يبدأ الجميع بالصياح بصوت عال: الله أكبر آمين». في هذا الوصف الأخير من إخراج خنجر… إلخ  ليس طبيعيا أن يخطب الخطيب بهذه الطريقة ولذا ذكر بعض الباحثين (عمر عبد المنعم إمام في كتابه صورة الإسلام في عصر النهضة الإيطالية) توجيهاً لهذا الفعل قال ربما رأى الرحالة أحد الأمراء يخطب وفي يديه السيف أو العصا وفي أثناء الخطبة ذكر حديثاً عن الجهاد  وفضله وقد أخذته الحماسة وأشار بسيفه كتعبير حركي للموقف، يذكر الباحث أيضا أن من الضوابط التي كانت سائدة وهي أن الأمير أو الملك لما كان يخطب الجمعة لا بد له من حمل سيف أو عصا حتى يأمن على نفسه من الاغتيال».

ثم نجد فريسكو بالدي وسيمونه يركزان على وضع المسيحيين حال الصلاة وخطبة الجمعة ويذكرون أنهم يحبسون في بيوتهم وغير ذلك «وعند صلاتهم يوضع المسيحيون الإفرنج في مكان يدعى الخان ويقبعون فيه بشكل متراص. أما باقي المسيحيين من المذاهب المقيمة الأخرى فيقبعون في بيوتهم حتى يخرج المسلمون من مساجدهم». وقال سيمونه «ولا يستطيع أي واحد من المسيحيين أن يخرج في وقت الخطبة من منزله لأنه سيعرض نفسه لخطر الموت وكذلك لكي لا يستهزأ به». نجد في كلام فريسكو بالدي السابق أنه استخدم كلمة خان Cane ومعناها بالإيطالية «كلب» فكأنه يقول مستهزئا بأنه مكان يناسب الكلاب، وهذا منه على عدم درايته بالمصطلحات المملوكية وعدم محاولته التعرف على المكان، أو فسر ذلك متعمداً حتى يظهر المجتمع الإسلامي في صورة عنصرية».

«… ويصوم المسلمون…» انتقل الحديث عن عبادة أخرى تطرق لها الرحالة وهي الصوم، لا شك أن صيام رمضان يمثل للمسلمين أهمية كبرى لذا لمس الرحالة ذلك واسترعى انتباههم فدونوا ما استطاعوا التعرف عليه من صيام هذا الشهر. يقول فريسكو بالدي  «وفي كل سنة يصومون شهراً قمرياً يتغير كل سنة ويمتنعون عن تناول الطعام من الفجر إلى الليل، ثم يأكلون الليل بأكمله» بينما نجد سيمونه يقول «… ويبدأ صيامهم في اليوم الأول القمري في شهر سبتمبر مدته 30 يوما لا يأكلون فيه ولا يشربون حتى المساء، وعندما تظهر النجوم في السماء يبدؤون بأكل اللحوم وكل شيء يباح ويستمرون في الأكل كل الليل»، هذا النص مع نفاسته وجودته نجده قد أخطأ في تحديد الشهر بقوله أول سبتمبر ولعله أخبر عما رأه وكان حاضراً فيه فهو نزل الإسكندرية في 27 سبتمبر حسب ما ورد في خط سير الرحلة، فربما كان موافقاً لشهر رمضان فأخبر عما شاهده وكان حاضراً فيه.

ومما له تعلُّق برمضان ظاهرة المسحراتي  وهو من الأمور اللطيفة التي قل أن تجدها في كتب التواريخ العامة. يذكر سيمونه سيغولي ويقول: «… ويدور راهب في كل حي في الليل ثلاث مرات مع دف يدق عليه منادياً الناس بأسمائهم قائلاً: قوموا ولا تناموا…». هكذا ذكر رحالتنا وظيفة المسحراتي وما كان يقول وهيئته وصفته، حتى إنه نسبه إلى كونه راهبا فلعله شاهد رجلا يلبس جلباباً وله لحية وهكذا… فوصفه بالراهب، بينما نجد أن ابن الحاج في كتابه المدخل ينكر هذا الفعل ويعده من البدع وأشار أيضاً إلى اختلاف عوائد الناس في التسحير.

ومن العبادات التي تكلم عنها الرحالة أيضا عبادة الحج  

مقال رحلة فريسكوا بالدي محطات وروئ

تميز جورجو غوتشي بالتنويه على رحلة الحج التي شاهدها في دمشق قال: «… قبل أيام من دخولنا دمشق كانت القافلة قد تركت المدينة إلى مكة وهم يحضرون لذلك كل عام ويعدون القوافل، ويأتي الناس من كل حدب وصوب للمشاركة. وهم يرحلون في يوم معين ويرجعون دائماً في نفس اليوم… ويستغرق حجهم من ستين إلى خمسين يوما حسب وقت الرحيل، وهم يعبرون الصحراء، وعدد الحجاج كبير جداً يبلغ حوالي 600 ألف شخص، وهم يسيرون بطريقة معينة ويجتمعون بعد ثلاثة أيام جميعهم في المكان نفسه، ولقد خرج من دمشق حوالي 20 ألف رجل بين حاج وتاجر، ويمكث الدماشقة بين فترة التحضير والترحال حوالي 100 يوم… وعند عودتهم شاهدت قسماً كبيراً من القوافل وهي تعود وبعودتها تبدأ الاحتفالات، فمنهم من يستقبل زوجاً أو أبا…».

أيضا من القضايا التي لفتت انتباه الرحالة وتكلموا عنها قضية الزواج والطلاق في المجتمع المسلم فنجدهم قد سلطوا الضوء على هذه القضية زواجاً كان أم طلاقاً، وهذا راجع للاختلاف المتباين بين الثقافة الأوروبية والثقافة العربية الإسلامية تجاه هذه القضية وكيفية معالجتها في الجانبين، ابتدأ بالمهر مروراً بخدمة المرأة لزوجها، وصولاً لتعدد الزوجات انتهاء إلى قضية الطلاق ومنه الطلاق ثلاثةً ومنه الخلع أيضاً يقول فريسكو بالدي: «وهم… لا يأخذون المهر منها بل يعطونها إياه وفقا لحالتهم الاجتماعية ولكنهم لا يدفعون شيئا بل يقسمونه يومياً وهو يتراوح بين درهم وثلاث دراهم». وأشار أيضاً لمسألة تعدد الزوجات: «… لا يكتفون بزوجة واحدة» وذكر أيضاً الطلاق وكيف يحدث هذا: «… وإذا ذهبت الزوجة إلى القاضي تبغي الطلاق يعطيها الزوج المستحَق من المهر ويطلق الزوجان، ويستطيعون فعل ذلك ثلاث مرات…».

يستطرد فريسكو بالدي أيضاً ويذكر ماذا يحدث بعد الطلاق ثلاثاً يقول: «… أما بعد ذلك فتتزوج من رجل آخر ثم تطلق لترجع إلى زوجها الأول…» هذا ليس فيه شيء وهو منضبط ولكن نلمح في كلامه شيئاً عن مسألة المحلل لما قال «ثم تطلق» فكأن التطليق كان عن غير رغبة من الزوج الثاني أو كان عن اتفاق، بدليل ما ذكره سيمونه في رحلته من أن القاضي هو من يقوم بذلك: «فإذا زاد على ذلك ـأي الطلاق ثلاثاـ بعث الأسقف برجل يتزوج الزوجة، وعند طلاقها يزوجها من زوجها الأول» وهنا سؤال يطرح نفسه وهو هل كانت مسألة المحلل أمرا شائعاً في المجتمع المملوكي وكيف يكون شائعاً وهو حرام بدلالة الكتاب والسنة، وكيف يستسيغ القاضي فعل ذلك حسب نص سيمونه… كل هذه أسئلة تحتاج لإجابات واضحة؟ أجاب بعض الباحثين على ذلك، قال الدكتور عمر عبد المنعم إمام في كتابه (صورة الإسلام في عصر النهضة الإيطالية في القرنين 13ـ14) بعد أن قرر أنه محرم من خلال الأحاديث: «ولكن الغريب في الموضوع أن القاضي الذي يمثل رأس السلطة الدينية وقتئذ هو من يسعى لحل مشكلة الطلقة الثالثة عن طريق المحلل»، وقد حاول الباحث أن يجد تفسيرا في كتب الفقه والفتاوى لهذا العصر ولم يجد فيها شيئا وحاول الاستنتاج يقول «إن مثل هذه النوعية من القضاة ربما لجأت إلى هذا الأمر سرا، أو استنادا إلى رأي فقهي ضعيف أو تحايل على الشرع، كي تدرأ المفسدة عن فراق الزوجين خاصة وإن كان لهما أولاد». وربما يجاب على هذا الاستنتاج منه بأن المحرم محرم؛ بمعنى إذا كان الأمر حراما فلا يحل التلاعب به ومحاولة تحليله لذا الجواب هو كون هذا القاضي فاسدا ويقبل ما هو معروف في هذا العصر البرطلة/الرشوة مع أناس ليس عندهم ورع ولا دين (أصحاب القضية).

تطرق الرحالة لمسألة أخرى لها تعلق بالطلاق وهي قضية الخلع قال سيمونه: «… وإذا أصرت الزوجة على ترك زوجها كان عليها أن تتخلى عن نصف مهرها…».

أيضاً مما كتب عنه الرحالة ودوَّنوه ضمن كتاباتهم وكان له نصيب من المشاهدة والكتابة العادات والتقاليد التي هي بالطبع غير مألوفة لديهم لذا كانت محل اهتمام منهم.

نرى في كتاباتهم اهتمامهم بملبس الرجال والنساء ووصفه، يذكر بالدي لباس الرجال والنساء يقول: «… أما الرجال فيلبسون سراويل طويلة وينتعلون أحذية مغطاة، ويضعون على رأسهم قبعة من النسيج الأبيض   وصفها سيمونه بقوله «ويضعون على رؤوسهم قلنسوة مدببة ويلفون حولها 25 أو 30 ذراعا من القماش الليتو أو الكتان الشديد النعومة، ويلبسون أيضا طاقية ثُنيت حافتها إلى الخلف أما رداؤهم فهو أبيض من الحرير أو الكتان الخفيف» زاد سيمونه «وهي طويلة وعريضة وتصل إلى الأقدام والأكمام طويلة وعريضة كأنها قميص الراهب…».

وأما لباس النساء فهو من الأقمشة المطرزة والمشغولة، وتحتها قطع من الرينزا أو الكتان الإسكندراني الأبيض، وتلبس النساء السراويل حتى الركب تغطيها برداء يشبه الرداء الروماني لا يبدو منه إلا أعينهن [كأن هذا لباس العوام من النساء أما النبيلات فيقول] أما النبيلات  فيضعن خماراً أسود أمام الأعين كي لا يراهن أحد». يزيد سيمونه الوصف جمالاً ويقول «وعندما تخرج النساء من بيوتهن يضعن قبعات من الحرير الأبيض لا ترى من خلالها إلا عيونهن، ومن الممكن أن تمر الواحدة مئة مرة أمام زوجها دون أن يتعرف عليها». وينتعلن في أرجلهن أحذية بيضاء طويلة، ويلبسن سراويل طويلة حتى الكعب مطرزة بشكل جميل يناسب مقام كل واحدة منهن وإمكانياتهن المادية، وهي مصنوعة من الحرير أو خيوط الذهب والفضة ومرصعة بالأحجار ومطرزة باللؤلؤ» بينما يذكر سيمونه سيغولي شئيا من أسعار ملابس النساء استنادا لما أخبره به مترجمه «… ولقد قال لي المترجم بأن عدداً كبيراً من النساء اللاتي يلبسن البنطال هذا قد يصل سعره إلى 400 أو 500 دوقية إذا كان مرصعا باللؤلؤ والأحجار الكريمة، كما أن القمصان الحريرية المطرزة بالذهب والفضة قد يصل سعر الواحد منها إلى 200 دوقية من الذهب أو أكثر، وهي تلك القمصان القصيرة حتى الركبة والعريضة جداً، أما الأكمام فقصيرة حتى الكوع وأوسع بذراع من قياسنا نحن».

وأما عن وصف الرجال فقد انفرد سيمونه بوصف بعض ملامح الرجال قال «… والرجال أجمل منا جسدا، ويرخون لحاهم الطويلة، وعندهم مسنون تبلغ أعمارهم 80 سنة منظرهم جميل ووقور».

ويذكر أيضا سيمونه عن بعض التجار الذين قابلهم أن الرجال والنساء يستخدمون العطور بكثرة وكأنه يتعجب من فعلهم هذا «قال لي تاجر كاندياً شيئاً رائعاً، وهو أن رجال القاهرة ونساءها يمضون نهارهم بين الورود ولا يكفيهم اليوم بكامله لتعطير أنفسهم بالمسك وبماء الورد وثمنها 300 بيزنطي ذهبي…، ويدفع هذا المبلغ كل يوم وهذا لا يمنع النساء من المبالغة سعياً لإرضاء أزواجهن».

من ضمن المشاهد التي سجلها الرحالة وتركوا نصوصاً نفيسة في ذلك عادات النساء عند زواجهن والاحتفالات التي كانوا يشاهدونها؛ سواء احتفالات عرس أم احتفالات بمناسبة دينية، أما العرس وما يتعلق به من عادات فقد ترك لنا سيمونه نصاً بديعاً فيه تفاصيل الاحتفال بالعرس وماذا كان يفعل النساء عندما تزف الواحدة منهن عروسا؟ فقد استرسل في الوصف وكأنه كان شاهد عيان يقول «في يوم الزفاف يدخل منزل العروس عدد من الناس منهم من يحمل أوعية الحليب ومنهم الشراب الموضوع في كؤوس…، ومنهم من يحمل الكتان ومنهم من يحمل صناديق جميلة كل ذلك حسب إمكانيات المرأة المالية [كأن هذا هو ما سيكون للزوجة في بيتها من متاعها الذي اشترته هي من ملابس وغير ذلك] وتستعد هي للذهاب إلى بيت زوجها مساء مصحوبة بعدد من النساء على ضوء الشموع [هذا ما يعرف في وقتنا الحاضر في بعض البلدان بيوم الحناء] وعندما تصل المرأة إلى بيت زوجها تستعد النسوة في الداخل لمساعدتها في خلع ملابسها ويرسمن جسدها.. برسوم لأرانب وغزلان وطيور وهو ما يعرف بالوشم بالحناء،وعند إتمام ذلك تلبس سبعة أثواب الواحد فوق الآخر وكلها من الأقمشة الحريرية البيضاء من أجمل ما رأت العين… وعندما تذهب النساء في المساء مع العروس لبيت العريس يكون معها خنجر تعطيه للزوج [لم أجد تفسيرا لهذا الفعل] وتدخل المنزل وتجلس على سرير فيه ست إلى ثماني فرشات فوق بعضها ومغلفة بالحرير…».

ثم يستطرد في ذكر هيئة احتفالات النساء بالعرس يقول «… وتبدأ النساء بالرقص، فتبدأ الأولى ثم تليها الأخرى ولا يرقصن سويا، وعندما ترقص الأولى تتقدم نحو العروس وتعطيها بيزنطيا ذهبيا أو خاتما تضعه العروس في رأسها بدبوس كي لا يقع على الأرض، وبعد الرقص تخلع العروس الهدية عن رأسها وتضعه في علبة موضوعة جانبا، وأما الرقص فكله حركات غريبة لم نشاهدها من قبل، إذ تبدأ الراقصة بالقفز لأعلى، ثم تجلس القرفصاء وتقف رافعة ثوبها إلى أعلى وترفع تارة هذا الطرف وتارة هذا الطرف إلى الرأس وبحركات هي من أجمل الحركات التي شاهدناها، ومع رفعها للأثواب يبقى جسدها مغطى بالقماش الذي يستر الأرجل حتى القدمين، وعندما تنتهي الأولى من الرقص تتبعها الأخرى لتفعل الشيء ذاته وتظل العروس جالسة تجمع الهدايا التي قد تصل إلى بضع مئات بيزنطي ذهبي». هذا النص العزيز لا نجده عند غيره من الرحالة ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل حقا شاهد رحَّالتنا هذه الأمور التي في الغالب لا يطلع عليها إلا النساء، أم أخبره بعضهم بما هو خاص بالنساء وشاهد ما ليس خاصاً بهن؟ ربما هذا لأنه صرح في النص السابق بأنه شاهد حركات من كانت ترقص.

مقال رحلة فريسكوا بالدي محطات وروئ

أيضا  نوه رحالتنا على احتفالات الأعياد سواء عيد الفطر أو الأضحى     «… وعند المسلمين صيام شهر قمري… وعند الهلال التالي يحتفلون». هكذا ذكر فريسكو بالدي الاحتفال بعيد الفطر بينما نجد سيمونه سيغولي يفصل فيه ويقول: «… يحتفلون في الساحة الكبرى وهنا تدق الطبول ويغني الناس ويرقصون ويأكلون وهناك من يرفع الأثقال ويقومون بألعاب رياضية، وهكذا لمدة ثمانية أيام وليال ويبيع الطهاة لحمهم خلال الليل بأكمله ومآكل لذيذة أخرى»

وأما احتفالات عيد الأضحى «… ويحتفل المسلمون… وهو عيد للنبي إبراهيم عندما أراد التضحية بابنه إسحاق» هكذا ذكر بالدي احتفالات عيد الأضحى والملاحظ أنه اعتمد على دراسته للعهد القديم للكتاب المقدس فكما ورد في الكتاب المقدس أن الذبيح هو إسحاق كما في التكوين 22 «… وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا»، فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».” تك٢٢: ١-٢  وبطبيعة الحال هذا مخالف لما ورد في الشريعة الإسلامية.

بينما نجد سيمونه سيغولي لا يذكر اسم الذبيح وإنما اكتفى بذكر القصة فقط «… وذلك عندما وضع إبراهيم على ركبتيه ابنه والسكين على رقبته، فنزل كبش من السماء وقيل خذ الخروف ودع الغلام، وفي تلك المناسبة يحتفل المسلمون ثلاثة أيام لا يفتحون محلاتهم، وكلهم يضحون بالخراف لتوزيعها على الفقراء تيمناً بتلك الأعجوبة التي أظهرها الله لإنقاذ ابن إبراهيم».

ننتقل الآن إلى محطة أخرى من محطات رحلتنا وهي محطة لا تقل أهمية عما سبقها لأنها شغلت حيزاً من كلام رحالتنا الثلاثة وهي مشاهدات نهر النيل وما كان حوله من بعض الأساطير التي ذكرها بعض الرحالة في أثناء حديثهم.

مقال رحلة فريسكوا بالدي محطات وروئ
نهر النيل

«… خرجنا يوم الخامس من أكتوبر من الإسكندرية  وفي ذلك اليوم اكترينا مركبا على نهر النيل…» هكذا بدأ فريسكو بالدي كلامه عند ركوبه نهر النيل وبدأت مشاهدات الرحالة وبدأ وصفه هو وصديقيه. 

أول هذه المشاهدات كان عن بدء فيضان النهر، يذكر فريسكو بالدي موعد الفيضان  «يبدأ نهر النيل بالتضخم في يونيو، ويتزايد تضخمه حتى أكتوبر، والمكان الذي يفيض فيه يزرع ويبذر، وعندما يهبط النهر يصل ارتفاعه 6 أذرع وعندما يفيض يبلغ 20 ذراعاً لذلك فارتفاعه حوالي 14 ذراعاً ويفيض بحسب ارتفاع السهل، فالأماكن التي يطمرها تصبح بحراً» هنا استطاع الرحالة أن يحدد لنا مدى الارتفاع الطبيعي للنهر ومدى تأثر الأراضي بفيضان النهر وهو الأمر الذي ذكره غواتشي «… عندما كنا في القاهرة في منتصف أكتوبر وجدنا من أثر الماء على الضفاف أنه تقلص وتراجع مقدار ذراع…».

نجد أيضاً وصفاً لسرعة مياه ولونها «ويجري النهر بسرعة وبقوة وعمقه شديد ولونه أبيض وهو شديد العذوبة».

ولم يغفل الرحالة ذكر فروع النهر وأماكن مصب النهر قال غوتشي [وللنيل فرعان: الأول يبعد 12 ميلاً عن القاهرة، وهو الفرع الذي عبرناه… والفرع الثاني يذهب باتجاه مدينة دمياط ويدخل المدينة ليصل ويصب في البحر وعرض فتحة البحر 540 ميلاً وهي تضيق والجزيرة على النهر بنفس الطول».

أيضا لفت انتباه الرحالة عدة أمور متعلقة بنهر النيل مثل المدن الواقعة على ضفتيه وكثرة الأشجار عليهما وبعض الحيوانات التي تعيش في النهر  يقول فريسكو بالدي «وفي ذلك اليوم… اكترينا مركبا على نهر النيل، وفي طريقنا… شاهدنا قصوراً في منتهى الجمال تحيط بها حدائق وأراض مزروعة بالفاكهة…»  ويقول سيمونه: «وعلى ضفتيه أراض جزيلة فيها كميات كبيرة من قصب السكر والتمر وفاكهة أخرى تسر النظر…» وفي موضع آخر: «… وبدا عدد القصور والقلاع وعدد من الحدائق المليئة بالتفاح بكميات كبيرة…». 

تحدث أيضا الرحالة عن المدن الواقعة على نهر النيل أو بالقرب منه تعتبر مدينة دمنهور أول المدن التي شاهدها الرحالة في رحلتهم بحكم كونهم نزلوا أول ما نزلوا في الإسكندرية فريسكو بالدي. يذكر المدينة ويصف طولها ومساحتها حتى يقرر أنها تصلح لإقامة المعسكرات «… وهناك مدينة طولها حوالي 12 ميلا وكلها أراض مزروعة ومنازل… تدعى مينوس، وهي أكبر من الإسكندرية بحوالي 35 ميلا وشاسعة تستطيع الخيول أن تجري فيها، وتصلح لإقامة المعسكرات» وجدير بالذكر أيضا أن مدينة دمياط الواقعة على أحد فروع النيل قد احتلت مكانة عالية في ذكر الرحالة لها؛ لما يربطها بحدث تاريخي وهو أسْر الملك لويس التاسع وحملته الصليبية على مصر  «وعلى واحدة من فروع النيل توجد دمياط، وفي تلك الجزيرة 200 منزل، وهي كبيرة كبراتوا (مدينة تقع قرب فلورنسا) والمدينة أكبر من الإسكندرية بضعفين وعرضها حوالى 500 ميلا وهي الأكثر اكتظاظاً بالسكان، تنتج تلك المدينة كمية كبيرة من السكر والقمح والحنطة، والتمر فيها لا يحصى عددا، وفيها بطيخ كبير وحلو» زاد غوتشي: «وهي بحق أخصب منطقة على وجه الأرض…» ولم يهمل الرحالة ذكر الفرع الثاني لنهر النيل وهو مدينة (Rosetto)-رشيد نلحظ أن رحالتنا ذكروها ووصفوا مساحتها قال غوتشي «… أما الجهة الأخرى فتوجد جزيرة (Rosetto) رشيد وقطر الجزيرة 100 ميل، يحيط بها النيل من جوانبها الثلاثة أما الجهة الرابعة فتقابل البحر…» بينما يصفها سيمونه بأنها أجمل وأكبر جزر العالم «… التي يقال بأنها من أكبر وأجمل جزر العالم».

أيضاً مما شاهده الرحالة وتركوا لنا ذكراً له حياة المجتمع المصري على نهر النيل، فلا شك أن نهراً كهذا قامت عليه حياة وأمة خالدة وصفها هيردوت بـ«هبة النيل»  فالمجتمع المصري بكافة أنواعه كان يحيا على النيل وبالنيل. ومما شاهده الرحالة على ضفاف النيل مما له تعلق بالسياق ما ذكره فريسكو بالدي من مشاهدته على ضفاف النيل «… وعلى ضفاف النيل التقينا بصبية وفتيات أعمارهم تقترب من الـ14 عاما وهم عراة وسمر البشرة، ولقد طلبوا منا أن نرمي إليهم بالليمون ولم يخجلوا من عريهم وهم يلمونه… وشاهدت راعي خراف يجتاز النهر مع ماشيته، وعرض النهر حوالي ميلين ونصف، ولقد عبره عارياً ووضع يقطينا تحت ذراعه حتى الفخذ، ربطها بإحكام على جسده، وبعصا في يده مدها إلى الأمام ساق القطيع الذي عبر سابحاً من الضفة الأخرى» نلحظ أنه اجتمع في هذا النص حياة اللعب والفرح وحياة العمل والجد؛ لعب الصبية وفرحهم وعمل المصري  وجهده. ويذكر غوتشي أيضاً في نص آخر مدى استفادة المصريين من نهر النيل وكونه السبب في زراعة أراضيهم: «… وترى المسلمين على طول النهر والأقنية بعجلاتهم وثيرانهم ينقلون ويجرون الماء بنواعير صنعوها بأنفسهم لريِّ الأراضي والحقول، ولولا ذلك لما تمكنوا من الزراعة والحصاد…».

مما رأه الرحالة وحرصوا على ذكره تمساح النيل فوصفه فريسكو بالدي ولكن سماه «ثعبان النيل»: «… ولقد رأينا على ضفة النيل ثعباناً طوله 8 أذرع وعرضه كفخذ الرجل متوسط الوزن، أما لونه فشديد اللمعان وظهره خشن كسمك الحفش». لا شك أنه من الطبيعي في ذلك الوقت الذي لم تعرف وسائل المواصلات الحديثة أن يكون نهر النيل هو الطريق الرئيسي للانتقال بين أنحاء البلاد لذا كانت حركة الملاحة في النهر كثيفة جداً وبدرجة عالية من النشاط لذا نلحظ أن فريسكو بالدي هو الوحيد من ضمن الثلاثة الذي لاحظ أن نهر النيل يجري فيه عدد كبير من القوارب حتى إنه قال إن العدد يفوق ما شاهده في جنوة، وفنيسيا، وأنكونا: «… ويجري في النهر عدد كبير من القوارب تفوق في عددها التي شاهدتها في جنوة، وفنيسيا، وأنكونا، فهي لا تتعدى ثلث ما يوجد هنا».

محطة أخرى من محطات رحلتنا الشيقة وهي محطة القاهرة بابليون 

مقال رحلة فريسكوا بالدي محطات وروئ

 فبعد أن قدم مركب رحالتنا من فينسيا «وبعون الله وصلنا مرفأ الإسكندرية»  وأمتعونا بوصف مسهب لتلك المدينة الرائعة عزموا على الترحال وشدوا الرحال إلى القاهرة ولم يكن هناك أفضل من ركوب نهر النيل وسيلة المواصلات البحر النهرية في ذلك الوقت، ولم يبخلوا علينا بوصف مشاهدتهم للنيل وضفافه، وصلت بهم المراكب إلى «القاهرة أو بابليون وهي شيء واحد» وهنا يبدأ الرحالة في وصف مشاهدتهم في القاهرة من وصف لها ومساحتها ووصف لقلعة السلطان وما حولها وطبيعة السكان  مرورا لرؤية  «أهراء قمح الفرعون» ثم مدينة المطرية وشجرة البلسم المباركة  ثم «جاءت الجمال لتحملنا إلى الصحراء مع أمتعتنا… وانطلقنا نحو الصحراء….لنصل إلى كنيسة القديسة كاترينا».

القاهرة-بابليون 

«من لم ير القاهرة لا يعرف عز الإسلام، فهي بستان العالم، ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوها، وتزهر الخوانك والمدارس بآفاقها، وتضيء البدور والكواكب من علمائها، قد مثل بشاطئ بحر النيل الجنة، وموقع مياه السماء يسقيهم النهل والعلل سيحه، ويجيء إليهم الثمرات والخيرات ثجة…» بهذه العبارات وصف ابن خلدون القاهرة وما فيها وهو من بديع كلماته. وقد اهتم رحالتنا الثلاثة بتدوين  مشاهداتهم في مدينة الفن والتجارة كما أطلق عليها المستشرق جاستون فيت معنونا كتابه عن القاهرة بهذا العنوان (القاهرة مدينة الفن والتجارة) .

أول ما يطالع القارئ عند هذه المحطة من الرحلة وصف القاهرة يذكر فريسكو بالدي «… القاهرة وبابليون مدينة كبيرة طولها 18 ميلا أو أكثر، وعرضها 8 أميال، ويحاذيها النيل، وفيها مرفأ جيد … وكما قلت لكم فالقاهرة مدينة جميلة» بينما نجد جورجو غوتشي أكثر تفصيلاً وحنكة في وصفه للقاهرة وعدد سكانها يقول «… أما القاهرة وبابل فواحدة لا تفصلهما إلا قطعة أرض صغيرة غير مزروعة وغير آهلة بالسكان، وفي القاهرة سكان أكثر من بابل، وفي بعض المناطق تبنى المنازل منفصلة عن بعضها، ويمر النيل بالقرب من بابل وعلى مسافة ميل، والقاهرة وبابل غير مسورتين بسور خارجي، وهما كبيرتان وتبلغ مساحة القاهرة عشرة أميال طولا وخمسة أميال عرضا، أما بابل فطولها ستة أميال، وهي كالدرع عريضة من جهة القاهرة وضيقة ومدببة من الجهة الأخرى، وعرضها من طرف إلى طرفٍ ثلاثة أميال… وبابل هي المدينة القديمة ومنها أتى فرعون، أما القاهرة فهي المدينة الجديدة ولقد بنيت لاحقا… استطاع الرحالة هنا أن يصف القاهرة وصفا دقيقاً نلمس فيه عين المدقق النابه اليقظ، ثم انتقل الحديث عن عدد سكان القاهرة وما زال الكلام مع غوتشي «… وحسب ما قيل لنا وما رأته أعيننا في المدينتين عدد لا يحصى من الناس، فهناك ما يقارب نحوا من 600000 إلى 800000 رجل حرب، و 3 ملايين نسمة…». ويذكر فريسكو بالدي أن المدينة ينام بها أكثر من 100 ألف شخص ليس لهم مأوى، زاد غوتشي قوله «من الرجال والنساء والأطفال لا يبيتون ليلتين متتاليتين في المكان نفسه، بل يفترشون الأرض…».

 ويحدثنا الرحالة الثلاثة عن الزيارة الميدانية التي قاموا بها في القاهرة: أول ما يطالعنا في هذا مشاهداتهم لبعض عادات أهلها في الأكل وطبخه ومكانه، يخبرنا فريسكو بالدي أن المدينة بها عدد كبير من الطهاة وهؤلاء يعملون في الشارع سواء في الليل أو النهار، وكون الطعام يعد في آنية من القصدير «… هناك في المدينة عدد كبير من الطهاة يطبخون خارجاً في الشارع سواء في الليل أو النهار، يعدون الطعام في أوان من القصدير وهي جميلة… ولا أحد يطبخ في بيته مهما كان غنياً فكل واحد يذهب لشراء حوائجه من البازار وهم يسمونه هكذا، وفي كثير من الأحيان يأكلون في الشوارع حيث يفرشون قطعة من الجلد يضعون عليها قصعة الأكل يتحلقون حولها متربعين أو جالسين القرفصاء وعند انتهائهم من الأكل يلعقون فمهم بألسنتهم…» لا يخفي أن هذا الوصف منه لطريقة أكل أهل مصر إنما هي الطريقة التي حث عليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في كثير من الأحاديث، أيضاً من المشاهدات التي وقف عندها الرحالة ودونوها في نص رحلتهم  مشاهدتهم للفيلة والزرافات التي كان يمتلكها السلطان يقول غوتشي منبهرا «… رأينا نوعين من الحيوانات الرائعة، وهي رائعة لمن لم يشاهدها من قبل وهي عبارة عن فيل وعدد من الزرافات كان يمتلكها السلطان…» وينبهر سيمونه أكثر وأكثر ويستطرد في وصف كلٍّ منهما فيقول: «دعونا نتحدث عن الزرافة التي تشبه النعامة… وهي تستحق الرؤيا فهي من أعجب الخلق… والفيل أيضاً كم هو عجيب …» يتضح من مدى انبهار الرحالة بالفيلة والزرافات كونهم لم يروهما قبل في بلادهم.  

مما لفت انتباه الرحالة الحَمام الزاجل ومدى اهتمام السلطان به وكونه وسيلة لنقل الأوامر السلطانية والأخبار، لذا اهتم سلاطين المماليك بتربية الحمام الزاجل. يذكر سيمونه كثرة الحمام الزاجل وكونه يدخل البيوت ويعشش فيها وأن لونه أبيض ومنقاره وأرجله حمراء وكونه لا يذبح ولا يؤكل لاستخدامه في نقل الأوامر السلطانية وبه يعرف السلطان الأخبار ويتلقى الرسائل ويقول إن  ذبحه ذنب كبير «… سنتكلم الآن عن الحمام الذي يكثر في القاهرة وهو أبيض كالثلج منقاره وأرجله حمراء، يدخل البيوت ويضع أعشاشه على نوافذها وفي الداخل وفي كل مكان من البيت [يذكر فريسكو بالدي أن في البيت الذي نزل فيه كمية كبيرة من الحمام وفي غرفته ثلاثة أعشاش] ولايؤكل لأن في قتله ذنباً كبيراً لذا يكثر في القاهرة». ويذكر فريسكو بالدي السبب في وجوده بكثرة «… يستخدمه السلطان لمعرفة الأخبار وإرسال وتلقي الرسائل…».

 أيضا من المشاهدات الهامة التي وقف عندها الرحالة واهتموا بتدوينها ووصفها «… أهراء قمح فرعون» هكذا أطلق الرحالة هذا الاسم على أهرامات الجيزة وذكروا في ذلك رواية العهد القديم (سفر التكوين-إصحاح 41ـ49) تقول إن فرعون بنى هذه الأهراء أيام القحط والمجاعة في عهد يوسف لذا اهتم الرحالة الثلاثة بالذهاب إلى هذه الأهراء ورؤيتها و مشاهدتها ثم وصفها ووصف حجمها حتى إن سيمونه استطرد في ذكر قصة الفرعون ورؤيته المنامية  وتأويل يوسف له «… ففرح الفرعون كثيراً بهذا التفسير الذي أعطاه يوسف وطلب منه ملء الأهراء…» وجدير أن نذكر هنا أن هذا التفسير للأهرامات بكونها أهراء أي مخازن قمح يوسف لا يستقيم  أبداً فما هي إلا قبور ملكية لملوك مصر القدامى، أيضاً لا بد من الأخذ في الاعتبار أن هذا الاعتقاد كان سائداً في ذلك الوقت لدى كثير من الرحالة الأجانب، بينما نجد أن هناك من الرحالة لم يقبل هذه الفكرة وانتقدها منهم الرحالة فليكس فابري حيث خطَّأ هذه الفكرة وذكر أنه لا يوجد مكان في داخل الأهرامات يصلح للتخزين ويعلل ذلك بأنها غير مجوفة من الداخل ويقول إن من يتأمل هذه الكتلة من بعيد يعتقد أنها فسيحة من الداخل أما هو فقد مكنته صداقته مع المماليك من رؤيتها عن قرب ومن الداخل أيضاً، ولولا ذلك لكان أخذ بالرأي السائد، أيضاً من الرحالة الذين رفضوا هذه الفكرة وقال إنها مقابر ملوك الفراعنة الرحالة أندريه سوفيه الذي زار مصر في 1556م.  

هذه أهم المحطات و الرؤى التي أردت إيضاحها  من تلك الرحلة التي رحلنا معها في الصفحات السابقة، وحقيقة الأمر أن الرحلة لا تنقضي عجائبها وكنوزها فما زال في جعبة الرحلة كثير وكثير، وهناك بعض السمات والملاحظات التي رأيتها وأنا أسير مع قافلة الرحلة من هذه السمات:

  1. غلبة طابع الرواية الشخصية وتفاعل الرحالة مع الأحداث.
  2. تقديم الرحالة صورة حية لعصر المماليك في فترة هي من أهم فترات تاريخ سلطنة المماليك فهي صورة مليئة بالحركة والتفاصيل الدقيقة. 
  3. امتازت نصوص رحالتنا الثلاثة بدقة الوصف والتعبير لما يشاهدونه.
  4. نلحظ إشادة منهم بالمسلمين فنجدهم ينظرون نظرة إيجابية ونظرة إعجاب بالمسلمين إلا في بعض المواطن وهي قليلة جداً في الرحلة. 

وإذا أردنا عقد مقارنة بين النصوص  الثلاثة سنجد اختلافات  في مواطن وتطابق في مواطن أخرى، ولكن نجدهم اختلفوا في أمر مهم وهي طريقة سلوك كل واحد في سرده للأحداث فنجد فريسكو بالدي يصف المكان والحدث وصفاً كاملاً شاملاً لكل ما يتعلق به، أما سيمونه فنجده قسَّم نصوص رحلته إلى قسمين ديني ودنيوي فيتكلم عن المجتمعات التي زارها والبلدان وطرقها وأهلها ثم تكلم بعد ذلك في قسم مستقل «… هنا سأتكلم عن رفات القديسين الذين زرناهم في الأراضي المقدسة…» بينما نرى ثالثهما جورجو غوتشي رحلتُه ليست سرداً وصفياً وإنما نلمس فيها أنها عبارة عن تذكير بالتواريخ والأحداث، أيضاً نجد أن سيمونه وكأنه كان يسد النقص والثغرات التي كان فريسكو بالدي يتركها ، أيضاً اتفق فريسكو بالدي وسيمونه على بعض الأمور منها استعمالهما  التشبيه بين مدن الشرق وبلادهم فنجدهم يقولون «… وهي كبيرة بحجم براتو… وهي تعادل بيسوتا …».

هذه بعض السمات التي تميزت بها الرحلة

وهناك ملاحظات ظهرت مع القراءة في نص الرحلة وهي أنني وجدت المترجمة د/شيرين أيبش  لنص الرحلة قد استخدمت بعض الألفاظ التي تجافي طبيعة تعبير القرون الوسطى (عصر الرحلة) بمعنى أنها لم تتم ترجمة النصوص الثلاثة بلغة عصر المماليك، من الأمثلة على ذلك: 

  1. استخدام جملة «غير آهلة بالسكان» هل هذه الجملة كانت مستخدمة في ذلك الوقت للدلالة على أن هذا المكان خالٍ من السكان. 
  2. استخدام كلمة «شارع» للدلالة على الطريق أو الدرب.
  3. استخدام كلمة «نسمة» للدلالة على عدد سكان القاهرة (3 ملايين نسمة).
  4. استخدام جملة «سلطة مدنية» (وللسلطان سلطة روحية أيضاً ومدنية) للدلالة على سيطرة السلطان على مقاليد الحكم، ومعلوم أن الرحالة أصحاب خلفية دينية والرحلة في عصر كان يسمى بعصر الإيمان فهل استخدام الرحالة هذا اللفظ أم كان يستخدم لفظا آخر مثل علماني.
  5. استخدام جملة «على الحدود السورية المصرية» للدلالة على هذا الموضع فهل كان هذا اللفظ يستخدم في ذلك الوقت.
  6. استخدام مصطلح «استراتيجي» للدلالة على أهمية موقع ما.
  7. استخدام مصطلح «محل وجمعها محلات ومثله استخدام مصطلح حانة» للدلالة على المكان الذي كانوا يعدونه لبيع وعرض السلع (ولمدة ثلاثة أيام لا يفتحون محلاتهم)، (وعندما تطلبها من صاحب الحانة).

أعلم أن مهمة نقل نص من لغة قديمة إلى لغة حديثة مختلفة عن الأصل ليس بالأمر السهل أو اليسير فضلاً عن أن معرفة لغة العصر القديم وطريقة استعمالها أمر شاق وصعب وليس معنى الملاحظات السابقة أنني أقلل من جهد وعمل المترجمة، لا، وإنما هي تساؤلات ظهرت لي، والذي أعرفه أن اللغة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار للعصر الذي كتبت فيه وكونها لا تخضع لمعايير اللغة والمصطلحات المترادفة الحديثة .

وأخيراً نصل  إلى خاتمة مقالنا، وأرجو من الله أن أكون وفقت فيه، فما كان من صواب فمن الله وحده وما كان فيه من خطأ وزلل  فمني ومن الشيطان، وحسبي أني أفرغت فيه الجهد والوسع حسب المستطاع والحمد لله رب العالمين.

محمد عثمان الشربيني

باحث ماجستير في تاريخ العصور الوسطى.

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. عرض متميز وكتاب مهم في بابه ؛ ننتظر المزيد في إماطة اللثام عن مثل هذه الكتب التي تبرز الكثير مما أهملته كتب التاريخ العام

  2. جزاكم الله خيرا استاذي على مروركم الكريم على مقالي
    وهذا العهد بك دائما تقف مساندا لطلابتك وتلاميذك نحن نتعلم منك كل شئ كيف نكتب وكيف نرتقي باخلاقنا
    حفظك الله لنا وبارك لنا في عمرك يارب
    العالمين

  3. رحلة ممتعة ،حقا ومعلوماتها علي درجة كبيرة من الأهمية ،وأعتقد أن حداثة بعض كلماتها مرجعه لغة المترجم،وأثني علي أسلوب العرض واهتمامه بالتقاط كل إيماءة بين السطور بلغة بسيطة سهلة بعيدة عن التعقيدات اللغوية.موفقون أن شاء الله

    1. جزاكم الله خيرا استاذي على مروركم الكريم على مقالي
      وهذا العهد بك دائما تقف مساندا لطلابك وتلاميذك نحن نتعلم منك كل شئ كيف نكتب وكيف نرتقي باخلاقنا
      حفظك الله لنا وبارك لنا في عمرك يارب
      العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى