لا يكُفّ “العلمانيّون العرب” أو من نسمّيهم “أحفاد عمرو بن لحي الخزاعي” عن جلب الأصنام من وراء البحار وتعبيد الناس لها، فكانت “الديمقراطيّة” نظاما للحكم يسبّح بحمده المسبّحون ويخشع في محرابه الخاشعون.

فإذا أبديتَ رفضك للنظام الديمقراطي واستشهدتَ بمؤلّفات أكبر علماء الدين المعتبَرين سيرميك “الحدثوت” على الفور بالتخلّف والرجعيّة والظلاميّة، في المقابل لو بقيتَ على موقفك “الرّجعي” هذا لكن مع الاستشهاد بفلسفة “هوبز” المنظّرة للاستبداد أو آراء “هيغل” المحتفية بالملكيّة الوراثية والرافضة للآليّة الانتخابيّة أو كتابات الألماني “كارل شميت” المشنّعة بالطّرح الديمقراطي ستتحوّل في نظرهم إلى مثقّف موسوعي منفتح يحمل رأيا خاصّا يُختلَف معه ذلك الاختلاف الّذي لا يفسد للودّ قضيّة.

فهؤلاء مشكلتهم الكبرى مع “الإسلاميّين” لا تكمن في موقفهم من “الديمقراطية” بحدّ ذاته بل في “المرجعيّة”(غير الغربيّة) الّتي يستندون إليها لتبرير هذا الموقف، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على تهافت “العقل العلماني العربي” وتوتّره وانشداده البافلوفي إلى مقولات “العقل الغربي”!

الديمقراطية

«ما بعد الدّيمقراطيّة» في عصر "انعدام اليقين الراديكالي" 1

باراك أوباما في أثينا، أرض الحضارة التي بزغ فيها نجم الديمقراطية

بعيدا عن السجال المتعلّق بالفروق المعرفيّة المجهريّة بين “الأنظمة الاستبداديّة” و “الأنظمة الديكتاتوريّة” يتبنّي كثيرون مصطلح الديمقراطيّة كمقابل دلاليّ آلي لها كأنّها الممكن السياسي الوحيد، هؤلاء يتعاملون مع توصيف “ديكتاتوري” أو”استبدادي” من جهة و”ديمقراطي”من جهة أخرى بمنطق تثنوي/ازدواجي على طريقة: [ظلم /عدل، باطل/حق] والحال أنّنا إزاء توصيفات سياسيّة عائمة يُفترَض أن يكون مقابلُها المفهومي ذا مضمون سالب لا موجب، بمعنى أنّ نقيض”استبدادي” هو “غير استبدادي” وضديد “ديكتاتوري” هو”غير ديكتاتوري” واستدعاء توصيف إثباتي/محدّد هنا لا يمكن أن يكون إلّا من باب الإسقاط البروباغندي/الدعائي لا العلمي/المنضبط، مثلما تقول “إذا أردت أن تحارب العطش اشرب كوكا كولا” كأنّ هذا المشروب هو الضديد الطبيعي والحتمي للعطش والحال أنّ ذلك غير صحيح!

على عكس ما يظنّ البعض، لم يعُد النّموذج الدّيمقراطي يتمتّع بتلك “الحظوة التاريخيّة”، الغرب نفسُه بات يتحدّث عن «ما بعد الدّيمقراطيّة» وصدرت كتب ودراسات كثيرة في هذا الاتّجاه، كتابات تؤكّد أنّ “الطرح الديمقراطي” الّذي مازال مثقّفونا خاشعين في محرابه يعيش أسوأ مراحله في عصر “انعدام اليقين الراديكالي” كما يُسمّيه صاحبا كتاب :«كيف تموت الدّيمقراطيّات ؟» دانييل زيبلت وستيفن ليبتسكي، وفي زمن صعود “الشعبوية” حول العالم كما شخّص ذلك “ياشا مونك” مؤلّف كتاب «الشعب في مواجهة الديمقراطيّة».

وحتّى مع وجود كتّاب آخرين يقولون بإمكانيّة إنقاذ “الديمقراطية” من نفسها مثل “دامبيسا مويو” صاحبة «حافّة الفوضى : لماذا تخفق الدّيمقراطيّة في تحقيق النموّ الاقتصادي وكيف يمكن إصلاحها؟!» (من مقترحاتها “إطالة العُهدات الانتخابيّة”) ، فإنّ هناك آخرين كثُرا متشائمون بشأن مستقبل “النظام الدّيمقراطي” ويميلون إلى التّكبير عليها أربع على غرار “دافيد رونشيمان” مؤلّف كتاب «كيف تنتهي الدّيمقراطيّة»!

شوهد الرئيس باراك اوباما وهو يمسك بيده كتابا يحمل عنوان :”العالم ما بعد أمريكا” لفريد زكرياء.

نرجو أن يكفّ الديمقراطيون عن استخدام إنّ أكبر اعتداء على العقل البشري هو استخدام كلمتي «السّيادة» و«الدّيمقراطيّة» في جملة فكريّة واحدة، كيف يكون نظام “رؤوس الأموال” في دولة تابعة “نظاما سياديّا”؟!

ربّما يكون أوّل مؤلّف أخضع “الديمقراطية” لنقد عميق هو ذلك الكتاب الّذي ظهر في السبعينيات تحت عنوان “أزمة الدّيمقراطية” وهو في الأصل تقرير أكاديمي اشتغل عليه ثلاثة أمريكيّين كان من بينهم “صامويل هانتنغتون” الّذي اشتُهر لاحقا بنظريته حول “صدام الحضارات”.

مصير الديمقراطية

«ما بعد الدّيمقراطيّة» في عصر "انعدام اليقين الراديكالي" 3

عالم الاجتماع “كولين كراوش”، صاحب كتاب “ما بعد الديمقراطية”

لكن أوّل كتاب يمكن عدّه تحرّشا حقيقيّا بالنموذج الدّيمقراطي هو كتاب “ما بعد الديمقراطية” الصادر عام عام 2004 للبريطاني “كولين كراوتش”وقد قصد “كراوتش” بمصطلح “مابعد الديمقراطيّة” الإشارة إلى عهد ديمقراطي جديد ببصمة الليبرالية الجديدة، ركّز المؤلّف في هذا الكتاب على انتهاء المؤسسات التمثيلية المنتخبة كمصدر أصلي للتشريع واتّخاذ القرار، يقول ما نصّه :”أصبحت القرارات تُتّخذ من مكان آخر من قبَل آخرين في ردهات اللوبيات وفي الشركات الكبرى المرتبطة بالنخب السياسية”، طبعا هذا الكلام خطير في ذلك الوقت لأنّه يعني بكل بساطة أنّ جدار السيادة لم يعُد بصلابة دولة معاهدة وستفاليا 1648.

معاهدة وستفاليا أو صلح وستفاليا هي في الحقيقة معاهدتان اثنان: معاهدة أوسنبروك ومعاهدة “مونستر” في ألمانيا وأنهتا عقودا من الحروب الدينيّة والتوسّعيّة في أوروبا وأرستا أُسس الدولة القومية أو الدولة الأمّة أو الدولة الحديثة ذات السيادة.

 من المفكّرين الذين يرون نهاية الدّيمقراطية التركي “أحمد أنسل” والبلجيكي “شانتال موف” وهُما كغيرهما يرَيان أنّ النظام الديمقراطي نظام مأزوم وتأزّمه قديم لكنّه أضحى في استفحال، فالديمقراطية كما ثبت تاريخيا مفهوم غير قابل للتطبيق، فلم يحكم الشعب نفسه قط ولن يحكمه أبدا، فمنذ أثينا كان التصويت والترشّح حكرا على النبلاء والأشراف فاستُثني العبيد والنساء والسود وغيرهم، في نيوزيلندا وهي أوّل دولة تمنح النساء حقّ التصويت والترشّح لم تفعل ذلك قبل عام ١٨٩٣ ، كما أنّ باريس التي يسمّونها “عاصمة الأنوار” لم تسمح للمرأة بالإدلاء بصوْتها إلّا بدايةً من عام ١٩٤٥ حينما دشّنت “إيفون” زوجة “ديغول” فصلا جديدا من فصول الممارسة الديمقراطيّة الفرنسيّة، وإلى حدود القرن الماضي لم تكن تجري في أيّ بقعة من الأرض عمليّات اقتراع تستجيب لما يُسمَّى “المعايير الدوليّة”، وحتّى بعد تجاوز هذه الإقصائيّة العمليّة برزت على الأرض ممارسات جديدة تحول دون تطبيق الفكرة الديمقراطيّة كالتمويل السياسي الموجّه الّذي يجعل إمكانية الترشّح والفوز مقتصرة على فئة دون أخرى فضلا عن أثر “الممارسة الديمقراطيّة الليبراليّة” التي تفرز مجتمعات متوتّرة هوويّا أي دون خصوصية حضاريّة فهي في السياق الإسلامي مثلا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بسماحها بحركة غير مقيّدة للأفكار والأموال، لذلك بدأ الكثير من الكتّاب الغربيين في الحديث عن ضرورة أن يكون الحكم مركزيا دون أن يعني ذلك بالضرورة “حكما استبدايّا” لأنّهم يرون إمكانيّة وجود حاكم شرعي مسيّج بحزام من المستشارين والمؤسسات القوية للإدارة ومساعدة الحاكم ليحكم مع وجود أجهزة رقابية كالمحكمة الدستورية، طبعا العالم الغربي لا يتحدّث عن نظام سياسي إسلامي لكنّه يتحدّث عمّا يشبه النظام السياسي الإسلامي في الكثير من ملامح دولتهم المأمولة، وأبرز هذه الملامح “مركزيّة الحكم ولامركزيّة الإدارة”.

الخديعة الكبرى

فما يبدو أوضح من أن يُشار إليه هو أنّ صناديق الاقتراع لا توصل في النهاية ممثلين حقيقيين لعامة الناس بل توصل ممثلي اللوبيات المالية وأصحاب رؤوس الأموال المتحكّمين في الإعلام والاقتصاد حتى أنّ الغرب بات اليوم يتحدّث عن “دكتاتورية جديدة” هي دكتاتورية رأس المال، وقد بدأت الشعوب تكتشف هذه الخديعة الكبرى ويمكننا هنا الإحالة على حركة السترات الصفراء في فرنسا كتدليل صاخب على هذه اليقظة، علاوةً على ارتفاع نسب مقاطعة العمليّات الانتخابيّة، هذا التململ تجاه المثال الديمقراطي بدأ يخرج إذن من مجالس الأنتلجنسيا الضيّقة إلى رحابة الميادين العامّة، وفي مفارقة ثرثارة بدأ هذا التململ في البروز والتصاعد مع التراجع الكبير في نسب الأمية في أوروبا والولايات المتّحدة أي بعد نحو جيل من الحرب العالميّة الثانية، فكأنّ الجهل هو ما كان يجعل الديمقراطيّة تلقى هوى في نفوس عوامّ الشعوب.

فلو تتبّعنا قليلا الممارسة الديمقراطيّة الحديثة سنجد تكريسا لفكرة المواطن “الموسميّ” الذي يُؤتى به يوم الاقتراع ثم يُقصى تماما من دائرة الاعتبار السياسي، وتتحوّل كل تعبيرة احتجاجيّة إلى تمرّد يُجابه بمصفوفة لغوية تدور حول ضرورة ترك القرار لممثّلي الشعب في البرلمان وقد يصل بهم الأمر إلى حدّ طلب التزام الصمت و انتظار الانتخابات القادمة، وحتّى صلاحية “سحب الثقة” أثناء العُهدة بمرّ هو نفسُه عمليّا عبر ممثّلي الشعب لا الشعب نفسه لسبب بسيط وهو اندثار “الديمقراطية المباشرة” التي وإن طُبّقت في اليونان فإنّها قد طُبّقت مبتورة كما بيّنّا آنفا، وما نراه اليوم بلد مثل سويسرا هو نموذج قريب من “الديمقراطيّة المباشرة” وماهو كذلك لأنّه محدود من حيث عدد المقترعين وموضوع الاقتراع.

فالديمقراطية جوهر ماهيَتها صندوق الاقتراع والتمثيل المؤسسي وهو ما يجعلها تميل إلى استنواق الشعب وتحويله إلى “إلهآرسطي” منطو على ذاته، فلا يراقب ولا يتابع ولا يحتج إلّا في مربّعات ضيّقة لكن بطريقة صاخبة ومفتوحة.

وحتّى في أعرق الديمقراطيات في العالم فإنّك كثيرا ما تلحظ نزوعا نحو حصر حقّ المطالبة بإسقاط مشاريع القوانين في مجلس النوّاب بزعْم أنّ وظيفة المجتمع المدني هي تقديم المقترحات ومناقشتها فقط؛ ما يجب أن نقوله رغم “زئبقيّة” المفهوم (وخلافيّته) إلّا أنّ هناك إجماعا على أنّ “المجتمع المدني” هو مكوّن أساسي داخل ما يُسمّى «الجماعات الوسيطة» ويضطلع بدور مفصليّ في عقلنة العمل الحكومي وترشيد الممارسة النيابيّة وله في سبيل حماية المجتمع من «القهر المؤسّسي» أن يطالب بما يراه مناسبا لحماية المصلحة العامة وهو ما يُسمّى في “السوسيولوجيا السياسيّة” ب«تصويب أخطاء صندوق الاقتراع»، أيّ طرح مقابل هو قطْعا مصادرة لدور الفضاء العام ومحاولة مكشوفة لقصْر صناعة القرار على “الغرف المغلقة”، مع التشديد على أنّ مجرّد صياغة مفاهيم مثل مفهوم “تصويب أخطاء الصندوق” هو دليل ثرثار على أنّ ما تعانيه “الديمقراطية” هو خلل جيني يحتاج إلى التكيّف لا العلاج!

أفول نجم الديمقراطية

قصارى القول..

هناك عنوانان كبيران لمقاربات “التبشير” أو “التحذير” من قرب أفول نجم الديمقراطية: صعود الشعبوية واكتساح العولمة.

فرفض الديمقراطيّة لم يعُد يرتكز فقط على أفكار فلسفية تشنّع بفكرة حكم الأغلبية أو الرّعاع أو السوَقة والدهماء بل أصبحت أكثر تعقيدا تعقّد هذا العصر،، لكن تبقى “الديمقراطية” أروع الأنظمة الفاسدة كما يقول أفلاطون و”فخّ الحمقى” على حدّ تعبير ونستن تشرتشل”، بل إنّها وفي العمق مأسسة ل”نظام التفاهة” أو “حكم الرداءة” أو “نظام الرّويبضات” على حدّ تعبير “ألان دونو” “La Médiocratie”.

 بقي أن نقول في ختام هذه المقالة إنّنا نظريّا لا نعيش مأزق الغرب المعرفي والسياسي لأنّ “البديل الحضاري” عندنا كمسلمين متوفّر وواضح لكلّ من ينظر فيرى لأنّه بكل بساطة موجود في القرآن والسنّة وما أجمع عليه سلف الأمّة وموجود في التاريخ السياسي الإسلامي في المقابل نرى الغرب في حالة هدم دون أفُق للبناء!

بقلم: صابر النّفزاوي، كاتب سياسي. 

334

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com.

التعليقات

  • Abdirehman Arab منذ 3 أسابيع

    مقالة رائعة نورت الكثير من الأشياء في موضوع الديموقراطية الفاسدة. شكرا حضرتك

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.