دور غير العرب في فتح الأمصار: طارق بن زياد نموذجًا

إن هذا الدين يقوم على صدق اتباع وتضحيات، وكما أنه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى قال تعالى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [1 ]

إذ سجل التاريخ أسماءً كثيرة ممن كان له الدور الكبير في انتشار الإسلام كسلمان الفارسي الذي أشار على النبي في معركة الأحزاب بحفر الخندق، مما جعل أحزاب الكفر تعود خائبة ذليلة إلى ديارها بعد أن مكثت شهراً عاجزة عن عبور الخندق، ومن الأمثلة أيضاً: القائد طارق بن زياد الأمازيغي الذي كان له سجل من ذهب بعد أن كان له الدور الكبير في فتح الأندلس، وكان نتيجة ذلك هو انتشار الإسلام وامتداده لهذه البلاد وجعلِها تحت سلطان المسلمين قرابة الثمانية قرون، فإليكم سيرة هذا القائد المسلم :

نشأته وشخصيته

لم يكن طارق بن زياد عربيّاً، بل كان من قبائل الأمازيغ (البربر) التي استوطنت الشمال الإفريقي، والتي كان يُمَيِّزُها اللون الأبيض والعيون الزرقاء والشعر الأشقر، بعكس ما يُتخَيَّل من كونهم يُشبهون الزنوج؛ حتى إن البعض ينسبونهم إلى أصول أوروبية، وقد حمل طارق بن زياد القائدُ الفذُّ هذه الصفات الشكلية، إضافة إلى ضخامته الجسمانية ووسامته الشديدة، التي لم تمنعه من الانشغال بحُبِّ الجهاد في سبيل الله، ونشر هذا الدين بالتقوى والعمل الصالح. [2]

‏وما الحُسْنُ في وجه الفتى شرفاً لهُ * إذا لم يكُن في فعلِهِ والخَلائق [٣ ]

 

كانت ولادته عام ٥٠هـ أي حوالي ٦٧٠م، حيث نشأ طارق بن زياد على حفظ القرآن الكريم وأحاديث النبي-صلى الله عليه وسلم وتعلم الفقه، حيث لم تختلف نشأة طارق بن زياد عن نشأة كثير من أطفال المسلمين، وكان مما يميزه أيضاً أنه كان قائداً كبيراً ذو صبر وإصرار.

وأمام هذه المعطيات التي كان يمتلكها هذا القائد تولى قيادة الجيش تحت إمرة موسى بن نصير، فأبلى بلاءً حسنًا في حربه وأظهر أنَّه فارسٌ شجاع فوصل بالمجاهدين إلى مدينة طنجة في أقصى بلاد المغرب ففتحها، فكان نتيجة ذلك هو توسع الدولة الأموية وامتداد نفوذها وبعد فتح شمال أفريقيا بكامله، وعُيِّن طارق بن زياد والياً على طنجة  تقديراً له .

فتح الأندلس

كان طارق بن زياد يتأنى في جمع المعلومات وأخذ القرارات الحاسمة وزيادة على ذلك أنه كان موقناً بنصر الله عز وجل، وبعد الانتصارات التي حققها طارق بن زياد وتوسع نطاق الدولة الإسلامية وخضوع بلاد المغرب الأقصى أشار طارق بن زياد إلى موسى بن نصير فتح بلاد الأندلس، فقام موسى بن نصير وأرسل إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك بن مروان يستأذنه بفتح الأندلس ويخبره أيضاً بالذي دعاه إليه يليان (حاكم سبتة) من أمر الأندلس، ويستأذنه في اقتحامها، وكتب إليه الوليد: “أن خُضْها بالسرايا، حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال”. وراجعه موسى: “أنه ليس ببحرٍ زَخّار، وإنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه”، فكتب إليه: “وإن كان، فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه” [٤ ]

فعندما حصل والي أفريقيا موسى بن نصير على الإذن بفتح الأندلس من الخليفة الوليد بن عبدالملك جهَّز حملة استطلاعية في عام ٩١ هـ مؤلفة من خمسمائة جندي منهم مائة فارس بقيادة طريف بن مالك. [٥ ]

فعبر هذا الجيش من سبتة بمجموعة من السفن ونزل في جزيرة بالوما وسُميت فيما بعد باسم جزيرة طريف، وكانت الغاية من هذه الحملة هي استطلاع وتتبع أخبار العدو ومعرفة طبيعة البلاد والتعرُّف على مواقعها، فعادت هذه الحملة وهي تحمل أخبار مفرحة ومشجعة لعملية فتح الأندلس

جبل طارق وقت الغروب.

بعدما تقرر فتح الأندلس بصورة نهائية انطلق القائد طارق بن زياد بجيشه حيث كان أغلب جيش طارق بن زياد من الأمازيغ ، وكان فيه حوالي ثلاثمائة من العرب منهم مغيث بن الحارث المشهور بمغيث الرومي.

حيث انطلق هذا الجيش سنة ٩٢ هـ إلى الجبل الذي سُمي باسم هذا القائد وهو جبل طارق بن زياد،  فواجهوا بعض المقاومة وتم فتح حصن قرطاجنة فسيطر طارق بن زياد ومن معه على الأماكن المجاورة لجبل طارق، فلما أحسَّ لذريق حاكم القوط مدى الخطر الذي يحصل في الجنوب والذي أصبح يهدد ملكه بالسقوط والانهيار أرسل جيشاً لتدارك الأمر، ولكن طارق بن زياد قد تصدى لهذا الجيش وقضى عليه .

جبلُ طارق بن زياد.

معركة وادي لكة

من أهم المعارك التي خاضها المسلمون في فتح الأندلس هي معركة وادي برباط الكبرى، فبعد أن  فرَّ من نَجَا من جنود لذريق في اتجاه الشمال؛ ليُخبروا لُذريق بما حصل لهم على يد طارق بن زياد وجيشه فقام لذريق بجمع جيشًا قِوَامه مائةُ ألف من الفرسان، وجاء بهم من الشمال إلى الجنوب يقصد جيشَ المسلمين، وكان طارق بن زياد في سبعة آلاف فقط من المسلمين فأرسل إلى موسى بن نصير يطلب منه المدد فبعث إليه طريف بن مالك على رأس خمسة آلاف آخرين.

بدأ طارق بن زياد يستعدُّ للمعركة فقام بالبحث عن أرض تصلح للقتال، حتى وجد منطقة تُسمى وادي برباط ، وتُسَمِّيها بعض المصادر أيضاً وادي لُكَّة.

وفي ٢٨من شهر رمضان سنة ٩٢هـ الموافق١٩ من يوليو سنة ٧١١م بوادي بَرْبَاط دارت معركة هي من أشرس المعارك في تاريخ المسلمين، وبدأ القتال الشرس بين المسلمين والنصارى، حيث أمواج من النصارى تنهمر على المسلمين، والمسلمون صابرون صامدون.

وعلى هذه الحال ظلَّ الوضع ثمانية أيَّام متَّصلة انتهت بنصر للمسلمين، وسطَّر المسلمون بقيادة طارق بن زياد ملحمة لم تشهدها بلاد المغرب والأندلس من قبل.[٦ ]

أشاعت بعض المصادر وخصوصاً الأوروبية منها فقالوا: إن طارق بن زياد حرق سفنه ليجبر الجنود على القتال فانتصروا، وهذه الأخبار لا تصح ومكذوبة.

 {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [٧ ]

كان عمر طارق بن زياد سنة الفتح في حدود ٤٢عام هجري، وكانت المعركة يوم الأحد ٢٨رمضان ٩٢هـ الموافق ١٩ يوليو٧١١م وانتهت يوم الأحد ٥ شوال ٩٢هـ .


المصادر

[1] [الحجرات:13 ]

[2] [شوقي أبو خليل: فتح الأندلس ]

[3] [المتنبي ]

[٤ ] [نفح الطيب ]

[٥ ] [نفح الطيب ، الروض المعطار ، البيان المغرب ]

[٦ ] [قصة الإسلام / د. راغب السرجاني  ]

[٧ ] [البقرة 249 ]


بقلم/ ياسين البدري

420

الكاتب

ياسين البدري

باحث في مجال الحضارة الاسلامية ومهتم بتاريخ الدولة الأموية .

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.