ملخَّص كتاب: (بوصلة المصلح) لأحمد السيد.. فنُّ صناعة المُصلحين

لو ذكرنا لك عددًا من المشايخ والدعاة سواء من المتقدمين أو المعاصرين ففي الغالب يمكنك معرفة الثغور التي تصدروا فيها والبيئات التي يعملون بها، فكل شيخ متصدر له مساحة عمل وإطار حاكم وهدف خاص يريد تحقيقه ويدور في فلكه، وإن الشيخ أحمد السيد لا نعلم موضوعا شغله وهم به أكثر من مواضيع الإصلاح؛ فهو يهتم ببناء الجيل الصاعد، ومشروعه المقام -كما صرح أكثر من مرة- يهدف إلى تخريج كوادر تخدم الأمة تكون قدوة في بابها ومرشدة لمن خلفها إلى طريق العلم والعمل، وعليه نجد الاهتمام البالغ من الشيخ لأمور الإصلاح والتربية عموما، وما إن تفتح قناته على اليوتيوب حتى تجد عناوين المواد دالة على ذلك، هذا غير المشاريع الإلكترونية المنتشرة للشيخ الخادمة لهذا الهدف الشريف، وأشهرها البناء المنهجي والفكري وصناعة المحاور والجيل الصاعد وغيرها.

واليوم نعيش مع كتاب «بوصلة المصلح»، وهو كتاب متوسط الحجم عدد صفحاته إزاء الثلاث مائة وأربعين صفحة، نُشر أول مرة عام 2022، وُطبع أكثر من طبعة آخرها طبعة دار منار الفكر، ويتكون من 5 أقسام: فضل الإصلاح، وجدوى الإصلاح، وبوصلة الإصلاح، وحملة الإصلاح، ثم في الأخير عوائق الإصلاح.

والكتاب يُعَدّ قمة الجبل ونتاج العمل التراكمي على مدار سنوات من الجهود واكتساب الخبرات، فيا للمصلحين للمسلمين!

بدأ الشيخ بمدخل أشبه ما يكون بحجر الزاوية، فيه وضّح أن لكل وقت أسئلته الآنية التي يجب أن ينشغل بها المصلحون ويعطونها جل وقتهم وجهدهم، وكلما روعيت تلك الأسئلة في اختيار الوجهة كان العمل أقرب للإصابة، واستدل على ذلك بفعل سيدنا لوط مع قومه في علاج مشكلة الفاحشة وشعيب في علاج التطفيف في المكيال؛ ولم نر الأمر معكوسا لمراعاتهم أحوال أقوامهم، وهذا هو تعريف الحكمة «فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي».

ثم استدل الشيخ بدليل آخر لكن هذه المرة من التاريخ القريب تحديدًا في النصف الأول من القرن العشرين وهي رسالة شكيب أرسلان «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟»، وعنوانها كان معبّرًا عن هموم العاملين حينها، فما المعبر عن هموم العاملين اليوم؟

يستصعب الشيخ حصر السؤال في إجابة واحدة، فيقترح أن يتم تقسيمها إلى حزم وملفات: الأولى تتناول أسئلة اليأس والتحديات، الثانية تتناول الحيرة في اختيار الطريق من بين كل الطرق الموجودة في الساحة، والثالثة تتناول منهجيات البناء وواجب الوقت واختيار الثغر، وهذه الثلاث هي ما يتناولها الكتاب بالبحث والإجابة.

فضل الإصلاح

بادئ ذي بدئ، أعيذك أن تبدأ أي طريق قبل تجديد نيتك واستحضار فضائله، فذاك أدعى للسير وأبعد للتوقف وأشحذ للهمة وأحفظ للشعلة وأضمن للحسنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ، ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فمَن كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسولِهِ، ومَن كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إلَيْهِ)).

لمعنى الإصلاح مرادفات جاءت في الوحي كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة وغير ذلك، وهذا المعنى العام يكشف عن فضله 4 أمور:

1- أنه سبيل الأنبياء والمرسلين {قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [يوسف:118]، ولا تتوقف فائدة استحضار هذه النقطة على إحياء الهمم بل تصل إلى ضمان البعد عن اليأس والإحباط في حال عدم تحقق الثمرات.

ولأهمية هذه النقطة ذكر الشيخ بعض المعالم الشمولية لسبيل الأنبياء في الإصلاح، ومنها:

  • العناية بالقضية الكبرى التي خلقنا الله سبحانه لأجلها، وهي العبودية له وحده وتخليص القلوب والجوارح من الشرك {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36].
  • عدم الخشية من الناس {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب:36].
  • الصبر وتحمل الأذى في طريق الدعوة {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35].
  • دوام التزود الإيماني والتعبدي وعدم إغفاله بحجة الدعوة {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90].

2- موافقة الصلاح الكوني بالإصلاح الشرعي، ومعنى هذا الجانب أن المصلحين هم الساعون لجعل المكلفين موافقين لحالة القنوت العام لهذا الكون، فكل الكون مسخر لعبادة الله سبحانه {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم:26]، فإذا دخل المكلف في ركب الطاعة أصبح موافقا لهذا الصلاح الكوني، وهذه مهمة المصلحين الشريفة.

3- أن الإصلاح من مركزيات الشريعة (في الحقيقة بيان مركزيات الشريعة وتفعيلها من أهم ما اعتنى به الشيخ أحمد بل هي مما جدد فيه وأبدع ويمكن مراجعة محاضرة مركزة المركزيات)، وهذا يُعرف بالاستقراء لنصوص الوحي، ويمكن ملاحظة أنه من مركزيات الشريعة في كونه سببا للنجاة {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:165]، وأنه صمام أمان للمجتمع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ القائِمِ علَى حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا علَى سَفِينَةٍ، فأصابَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وبَعْضُهُمْ أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا علَى مَن فَوْقَهُمْ، فقالوا: لو أنَّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فإنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، ونَجَوْا جَمِيعًا))، وهو أيضا مذمة لمن تركه {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:79].

4- ما له من ثواب خاص، ومنها: تكفير الذنوب، وكونها من الصدقات ((وَأَمْرٌ بالمَعروفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ))، وأنها سبب الفلاح {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وسبب لأجور جارية بعد موت الإنسان ((مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا))، والأجر الخاص لهداية الناس ((فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ)).

جدوى الإصلاح

بعدما أصَّل الشيخ لفضل الإصلاح شرع في الإجابة عن سؤال جدوى الإصلاح، ففي زمان الفتن القابض على دينه كالقابض على الجمر، زمان وحشة الطريق وقلة الزاد، أصبح هذا السؤال حريًّا بالمعالجة بعد حالة اليأس والإحباط المنتشرة، وعالج الشيخ السؤالَ بإظهار مستويات اليأس ومظاهره وأسبابه ثم وصفة علاجه.

1- مستويات اليأس في الواقع:

  • المستوى الأول: اليأس من إمكان الإصلاح المجدي، والقناعة بالصور الجزئية منه، وأصحابه لا يقعدون عن العمل بالكلية وإنما يعملون بأجسادهم لا بأرواحهم.
  • المستوى الثاني: اليأس من جدوى الإصلاح مطلقا في هذه المرحلة، مع القعود عن العمل وانتظار الفرج الإلهي، ولا يصحبها عادة انحراف؛ لقناعتهم بإمكان الإصلاح مستقبلًا.
  • المستوى الثالث: اليأس من كون الإسلام طريقًا مجديًا للإصلاح، والاعتماد على الأفكار والفلسفات الإنسانية في طريق الإصلاح.
  • المستوى الرابع: اليأس التام المطلق من روح الله، وهو أقل المستويات انتشارًا، وقد يصل أصحابه إلى الإلحاد.

2- وأما مظاهر اليأس في الواقع:

  • الانكفاء عن مجالات الإصلاح، والاكتفاء بالثقافة الذاتية.
  • الانكفاء عن مسارات الإصلاح المجدية، والاكتفاء بالصور الجزئية.
  • التقليل من قيمة جهود المصلحين.
  • النظرة المتشنجة تجاه التجارب الإصلاحية السابقة، والبعد عن الإنصاف والاعتدال في النقد.
  • التركيز المبالغ فيه على الوسائل والأدوات على حساب المبادئ والثوابت.
  • كثرة التقلب بين الاتجاهات والمنهجيات المختلفة.
  • الغلو في الدين.
  • تبني اتجاهات فكرية مخالفة لثوابت الإسلام، مثل العلمانية والليبرالية.
  • السقوط القيمي والأخلاقي.

3- وأما أسباب اليأس في الواقع: وتنقسم إلى:

أ- أسباب داخلية: وهي الأسباب الناشئة من الواقع الإسلامي أو من واقع المصلح نفسه:

  • التفسير الخاطئ لمعاني النصر والهزيمة ومثيلاتها، وربطها بتحقيق مكتسبات ملموسة محددة وغير ذلك يكون من باب الفشل.
  • استعجال الثمرة والمبالغة في التبشير بها، دون النظر في السنن الإلهية.
  • كثرة الخلافات وشدة التفرق بين العاملين، ورفع لواء الجماعة والحزب على لواء الإسلام.
  • نقص الوعي بسبيل الأعداء، وأخذ الحذر منهم.
  • ضعف البناء الإيماني التزكوي.
  • ضعف البناء الشرعي المحكم، واستعجال العمل في السياقات الإصلاحية قبل التمكين.
  • المواقف المخيّبة من بعض الرموز والقدوات، سواء في التخاذل الشديد أو مسايرة الموجة السياسية أو الفكرية المنتشرة تحت الضغوطات والمخاوف.

ب- وأسباب خارجية: وهي الأسباب الناشئة من خارج الواقع الإسلامي:

  • التوحش في محاربة الإسلام العاملين له في هذه المرحلة.
  • ارتفاع وتيرة الأزمات والنكبات وتتابعها على طول امتداد خارطة الإسلام.
  • الكم الهائل من موجات الفساد والتفاهة المنتشرة في الواقع.
  • الانتشار الهائل للشبهات المفتتة لثوابت الدين، وانتشار الجرأة على الطعن في الدين دون محاسبة.

4- كيفية التعامل مع اليأس:

يبدأ الشيخ بالتنبيه على أن حالة اليأس المنتشرة لسيت شرًا محضًا بل فيها جوانب من الخير، ففيها فرصة لمراجعة التجارب الماضية والأخطاء المرتكبة فيها؛ لأن حالة المحاسبة تلك لا تحدث في فترات تحقيق الإنجازات بل في فترات الضعف، وفيها فرصة لتقارب العاملين وتوحيد الصفوف، وهي أيضًا مبِعدة للحلول السطحية المقترحة مقرِّبة للحلول العميقة، ومنها تُستنهض الهمم وتُشمر السواعد، كما أنها فترة رجوع وإنابة إلى الله سبحانه.

أما مفاتيح التعامل مع اليأس فهي:

– النظر إلى جوانب الخير الكامنة في تلك المشكلة، وهو ما ذُكر من قبل.

– بناء التصور الصحيح تجاه السنن الإلهية والعمل على ضوئها، ومن هذه السنن: سنة التدافع بين الحق والباطل والمداولة بينهما، وسنة الابتلاء والتمحيص للمؤمنين، وسنة التمييز بين الحق والباطل والطيب والخبيث.

– إيجاد النماذج المتجاوزة لمشكلة اليأس، فكثيرًا ما سمعنا كلامًا متفائلًا نعرفه ونسمعه، لكننا نريد أن نرى نموذجًا تجاوز تلك المشكلة يبشرنا ويرفع من هممنا.

– العمل على تعزيز اليقين وتثبيت أصول الإسلام الكبرى؛ لأنها الحصن المانع من اليأس في أزمنة الاستضعاف، الباعث للعمل مِن حالة الركود.

– بناء التصور الصحيح تجاه معاني النجاح والفشل وغيرها، وإعادة ضبط إجاباتنا عن معاني تلك المصطلحات، وما أجمل حديث ((ما مِن غازِيَةٍ، أوْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فَتَغْنَمُ وتَسْلَمُ، إلَّا كانُوا قدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وما مِن غازِيَةٍ، أوْ سَرِيَّةٍ، تُخْفِقُ وتُصابُ، إلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ))، الذي ساقه الشيخ هنا للدلالة على وضوح تلك المعاني في أذهان الصحابة من المدرسة النبوية.

– الاستبشار بالخير والإيمان وبأن العاقبة للمتقين وأن الإسلام لا يمكن اجتثاثه من أصوله، وهذا مشاهد في التاريخ الإسلامي عبر القرون وما حدث من شدائد عظام واجهت الإسلام، إلا أنه حتى لو ضعف يرجع قويًا سالمًا منتصرًا بإذن الله.

وقد نبّه الشيخ هنا على خطأ في التعامل مع نصوص التبشير بالخير في آخر زمان وهو سرعة تنزيل تلك النصوص على واقعنا والمبالغة في الاعتماد عليها بمفردها، وعلى الجانب الآخر الظن بأن الاعتماد على تلك النصوص والإيمان بها هو من قبيل الهروب من الواقع والتعلق بالأوهام، والحق كما قال الشيخ بين هذين الطرفين، وأحال على كتاب: (معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث) للشيخ عبد الله العجيري.

– ظهور معالم بذور تجديد في مجالات مختلفة في السياقات الإسلامية، والمتابع المبصر للمشهد يراه جليًّا بفضل لله.

– النظر إلى مكامن القوة لمصلحي هذا الزمن، وهي قوة معنوية كامنة في اعتقاد المصلح وإيمانه، وفي المضامين التي ينطلق منها، وفي هذه المرحلة الزمنية تحديدًا.

– إمكان تغير موازين القوى، والواقع يثبت ذلك في كل واقعة ضخمة مثل حرب أوكرانيا وروسيا أو حرب إسرائيل على أهلنا في غزة، وهكذا في كل واقعة نجد من يتوقع على إثرها تغير موازين القوى في العالم.

وقد ختم الشيخ هذا المبحث برؤيته الخاصة للمرحلة القريبة من حيث اليأس، وذكر أن مقدمات الفساد التي نراها اليوم في واقعنا يُنبئ بموجة شديدة من الآثار السلبية، لكنه لا يجب أن يقودنا إلى اليأس وإنما أخذ الأسباب والاستعداد له، فهي مرحلة فاصلة في تاريخ الأمة إما أن تخرجنا إلى النور أو تحكم علينا بالتيه والظلام مرة أخرى، ثم قال بالنص: «وفي الجملة فإننا -والله أعلم- مقبلون على مرحلة جديدة من المدافعة يكون الحق فيها أكثر وضوحًا وتميزًا، وحملتُه أكثر ربانية، ويكون الباطل فيها أكثر شرًّا وعنادًا وإسرافًا».

بوصلة الإصلاح

حين يرى المسلم حال الأمة ويعرف فضل الإصلاح ويسمع نداء العلم والعمل واستغاثات المستغيثين، ويقرر السير قدمًا، تُصيبه حالة قلق من اختيار الوجهة الإصلاحية المناسبة ويقف باحثا عن أنجع السبل ليهرع إليها، وأول ما يرشدك إليه الشيخ في هذه الحالة أن ترفع يدك إلى السماء وتسأل ربك سبحانه الهداية والتوفيق، فلما سُئلت ((عَائِشَة أُم المُؤْمِنِينَ: بأَيِّ شَيءٍ كانَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قالَتْ: كانَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وإسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بيْنَ عِبَادِكَ فِيما كَانُوا فيه يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فيه مِنَ الحَقِّ بإذْنِكَ؛ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))، ثم بعد ذلك عليك تلمّس بعض المعالم المساعدة لتكشف لك عن صواب هذا الطريق، ومنها:

– أن يكون الاتجاه قائمًا على العلم الصحيح، المستند إلى مرجعية الوحي، المنضبط استدلاليًّا، المواقف للإجماع وهدي الصحابة رضوان الله عليهم، المراعي للمقاصد، الشامل، المقتضي للعمل، المتصل بالواقع.

– أن يكون الاتجاه مراعيًّا الأولويات في الشرع والواقع، منطلقًا من مركزيات الدين، ناظرًا لسلَّم مركزياته، فإن الواقع واقعُ حربٍ شمولية على الإسلام وأهله، ثم تجد العاملين في اتجاهٍ ما يهتمون بقضية فرعية لا أثر لها في واقع الأمة الآن كالاختلافات العقدية القديمة أو الحكم على عَلَم من أعلام الأمة، وبهذا تعلم أن هناك خللًا في تعاملهم مع الأولويات.

– محاكمة الشعارات المرفوعة من هذا الاتجاه بالنسبة إلى واقعهم العملي وما يطبقونه حقيقةً على أرض الواقع.

– فقه تنزيل الدين على الواقع وموافقة السنن ومراعاة الأسباب، فكما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «العالم قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بيانها… فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئا فشيئا؛ ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأْمر بما يُستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به».

– وجود الأثر الغيبي من البركة والتيسير والاطمئنان، وهذه تكون للاستئناس بعد المعالم السابقة.

ثغور الإصلاح

فإن بدأت بتقييم الخيارات المتاحة عندك، فما أهم أن يكون عندك اطلاع بخارطة الثغور حتى تمشيّ مستدلًا بها في طريقك، مبصرًا أولاها بجهدك وبَذلِك!

ولديك 4 خرائط تتصور بها الثغور، لا فرق بينها إلاّ في طريقة الرسم، وفكرتها العامة أنك تأتي بمشكلة ما وتضم إليها نظائرها، وتولد منهم ما يمكن أن ينتج عنهم من مشكلات، ثم تردها إلى عنوان كلي يجمعها، ثم تقترح حلولًا لهذه المشكلة سواء لها في ذاتها أو لنظائرها أو لما نتج عنها أو للمشكلة الكبرى التي أنتجتها، وهكذا تجد لديك عددًا كبيرًا من الثغور الناتجة.

فإن اطّلعت على خريطة الثغور خرجت بمبدأ الحاجة العاجلة لسد تلك الثغور، وتجاوز مشكلة الاعتباط في إنشاء المشاريع وتحديد أهدافها، وبمبدأ التكامل الإصلاحي المطلوب من كل العاملين، فكيف لشخص أو مؤسسة مهما كانت أن تلبيَ كل تلك الاحتياجات الضخمة للأمة؟ فلا مناص من التكامل.

بيان درجات الإصلاح

وإن أردت التدقيق في الخريطة الأولى -التي قسمت الثغور إلى دائرتين واحدة للحق وحملته والأخرى للباطل ومشكلاته- والنزول إلى تفاصيلها؛ لبيان مراتب الإصلاح ودرجاته؛ حتى تفقهها وتعمل على ضوئها، فهاك المراتب.

للدائرة الأولى قسمان واحد للحق في ذاته وواحد لحملته، فأما المتعلق بالحق في ذاته، فمجالاته: خدمة علوم الكتاب والسنة، وحفظ مصادر العلم وعلى رأسها اللغة العربية، والمحافظة على علوم الشريعة وتداولها، والتفقه في الدين وتنزيل الأحكام على الواقع، وتثبيت أصول الإسلام الكبرى، واستخراج ما يثبت الحق ويضاد الشبهات والإشكالات.

وأما المجالات والمشاريع التي تنتمي لقسم حملة الإصلاح، فأدناها تخفيف الفساد لدى الفئة المستهدفة دون العناية ببناء شرعي، وأعلى منها ما يُعتنى فيه بأساسيات البناء الشرعي للمستهدفين فيكونون على درجة بسيطة من التبليغ والتعليم للناس، وأعلى منها ما لا يُكتفى بالأساسيات فيه بل يكون البناء متقدمًا فترتفع درجة المستهدفين من مجرد التبليغ إلى تفقيه الناس وتعليمهم العلوم الشرعية، فإن ارتفع البناء أكثر فانضاف له تربية تزكوية فالثمرة أحلى وأطعم، فإن زيد على كل ذلك توعية المستهدفين بسبل الإصلاح والقيام بأعباء الدين فقد صدق عليهم قوله سبحانه {وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران:79]، «فمعنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا، أيها الناس، سادة الناس، وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربَّانيِّين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراسَتِكموه» كما قال الطبري في تفسيره، فإن أريد قمة البناء وأعلى المشاريع لهذا القسم فقد أريد صناعة نماذج معيارية تكون سلفًا للسائرين خلفها، وهذه هي التي يدعو الشيخ إلى العناية بتكوينها.

وبالانتقال إلى الدائرة الثانية -الخاصة بالباطل ومشكلاته- فإما تخفيف درجة الفساد أو حل المشكلات، سواء كان هذا التخفيف أو الحل تخفيفا أو حلّا للمشكل من مصدره أو لشريحة محددة متأثرة به، وحل المشكلات يمكن أن يكون له مشاريع نظرية تدرس المشكلة وأسبابها وتقدم حلولًا مقترحة، أو مشاريع عملية تتماس مع المشكلة بالوقاية منها أصلًا أو العلاج.

اختيار المشروع

دقت ساعة الاختيار، وحان موعد القرار، أي الثغور ستختار؟ لكن لا تنس دعوات الاستهداء، عسى الله سبحانه أن يوفق للصواب.

قبل الاستخارة عليك النظر إلى: عوامل الاختيار؛ وهي عوامل ذاتية متعلقة بالمصلح نفسه وظروفه وقدراته، والعوامل الموضوعية؛ وهي الخاصة بالثغور في ذاتها، مشاريع خاصة بالحق وحملته، وأخرى خاصة بالباطل ومشكلاته.

فأما العوامل الموضوعية:

1 – بالنسبة لدائرة الحق وتثبيته:

  • فما كان متعلقًا بأصول الدين ومركزياته، أولى مما يتعلق بفروعه.
  • المشاريع المتعلقة بما ورد تعظيمه في الوحي، أولى مما لم يرد فيه تعظيم.
  • المشاريع المقاومة للباطل، أولى من المشاريع غير المقاومة.
  • المشاريع المحققة لمقاصد العلم، أولى من التي لا تحقق مقاصده.
  • المشاريع المتعلقة بأبواب العلم المنكرة أو المشكوك فيها أي التي فيها شُبَه وطعنات، أولى من المتعلقة بأبواب هي محل اتفاق.
  • المشاريع الجامعة للعلم والعمل، أولى من المكتفية بالعلم فقط.
  • المشاريع المستهدفة لتخريج المصلحين، أولى من غيرها.
  • المشاريع المنتجة للمعايير الصحيحة، أولى من المشاريع الغائبة عنها تلك المعايير.

2- بالنسبة لخطورة المشكلة ومستوى الثغر:

  • المشكلات المغلظة في الوحي، أولى بالعلاج من المشكلات الأخف تغليظًا.
  • المشكلات المنتشرة في الواقع، أولى بالعلاج من المضمحلة تأثيرًا.
  • المشكلات المتفاعلة مع مشكلات أخرى سواء بتوليدها أو بالاشتراك معها، أولى بالعلاج من المشكلات المنفردة الخاملة.
  • المشكلات القابة للتمدد زمانيًّا، أولى من المشكلات المحدودة زمانيًّا.
  • المشكلات القابلة للعلاج، أولى من المشكلات المستعصية على الحلول.
  • المشكلات المؤثرة في الهوية والمعايير إفسادًا، أولى من المشكلات السطحية.
  • وأما العوامل الذاتية:
  • القدرات والإمكانات الخاصة بالمصلح.
  • الفرص المتاحة أمامه.
  • العوائق والتحديات المتوقع وجودها.
  • الرغبة والارتياح القلبي، وفرِّق هنا بين هوى النفس والرغبة الحقيقية، واعلم أنك مُقدِّم للموجب الشرعي على الموجب النفسي عند التعارض.
  • رأي ذوي الخبرة من أهل العلم والعمل.
  • البركة والتوفيق الذي يجده المصلح بعد اختيار الثغر.

واجب الوقت

فإن سألت الشيخ أحمد بعد كل هذا عن رأيه فيما يجب الاعتناء به وقتيًّا، قال لك بعد زفرات من خيبات الماضي: «وهذا كله يوجب العناية البالغة بصناعة المصلحين، والتي أعتقد أنها أهم درجة في الإصلاح والأمل على المدى المنظور، والذي أعنيه في هذه الصناعة التي بها تكون أهم واجبات من الجهة الإصلاحية: أن تكون صناعة استثنائية تجديدية، تُخرِّج حملة للدين، يُحْيُون حقائقه، ويتفاعلون بها في الواقع بوعي وحكمة وهمة، متخذين في سبيل ذلك: الوحيَ مرجعية، وهدي الأنبياء سبيلًا، والمدرسة المحمدية أنموذجًا، والتزكية زادًا، والعلم ضمانًا، والحكمة منهاجًا، والبصيرة دليلًا، والعمل سبيلًا، والأمة قبلة، وإحياء الإسلام غاية، متلمسين -مع اتخاذ الأسباب-: العون الإلهي، والتوفيق الرباني، بالتوكل والاعتصام والاتباع».

ثم دلل على رأيه بأن واجب الوقت هو صناعة الحملة بشواهد من الوحي، كقصة موسى عليه السلام وصناعة الله له وتربيته قبل إرساله إلى فرعون، وقصة زكريا عليه السلام لمَّا دعا الله أن يهب له وليًّا يقوم بأعباء الرسالة من بعده، وعامةً صناعة المصلحين هو هدي الأنبياء عليهم السلام {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ} [آل عمران:79]، كذا هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم من بعدهم {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران:164]، وأخيرًا ما سنّه الله سبحانه من استبدال الأقوام المعرِضين بآخرين يقومون بحمل رسالة الإصلاح والدعوة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54].

ودلل أيضًا بشواهد من الواقع، فالثغور كثيرة، والمصلحون قلة على انحسار شديد في موارد بنائهم وضعف في تكوينهم الشرعي والفكري، والمشكلات ممتدة، والحرب عاتية على الإسلام وأهله من أهل الشرك والنفاق، والتفاهات متفشية في الجيل الصاعد، ألا يكفى بالواقع شاهدًا على صدق دعواي؟!

وهذا المشروع له 3 أعمدة رئيسية، يخبرك بها الشيخ وينظمها إليك في كلمة مُرَكزّة تنظم معاني ما مرّ، ويُبنى عليها ما يجيء؛ فـ«النهضة بالدين لا تكون إلا بإحياء حقائقه، وصناعة حملته، وتنزيله على الواقع بوعي وحكمة. فأما إحياء حقائق الدين فإنما يكون بـ:

1- مركزة مركزياته، وتقديم أولوياته، والانطلاق من محكماته.

2- وبالعناية ببراهينه، وتثبيت قواعده.

3- وبمراعاة مقاصده، وملاحظة الحِكَم والمناطات والعلل المتعلقة بتشريعاته، والربط بين التشريعات التفصيلية وبين الحكم والمقاصد.

4- وبإيجاد النموذج العملي المعتز به، والمطبق له من جهة الكُليات ومن جهة التفصيل.

وأما صناعة حملته فإنما تكون ببنائهم على صفات المصلحين المستمدة من مرجعية الوحي فيما ذكره الله عن هدي أنبيائه وأتباعهم، وتكون هذه الصناعة جامعة بين العلم والعمل، وبين التعليم والتربية، وبين الدراسة والتزكية.

وأما التنزيل الصحيح على الواقع فإنه لا يكفي فيه مجرد وقوع حقائق الدين، بل يجب أن توافق واقعًا ملائمًا يُنزّلها عليه الحمَلة تنزيلًا صحيحًا، وهذا يتطلب علمًا عميقًا بالواقع والناس، وفقهًا بالسنن الإلهية» كرِّر قراءتها فهي خلاصة الخلاصة.

ثم توقف الشيخ أحمد برهة مع «مركزة المركزيات»، وهي بحقٍّ الرسالة التي يضمنها الشيخ كل مواده ويدعو إليها في كل نادٍ، ومعناها: «إعطاء كل أمر شرعي قيمته التي جعلها له الوحي»، وهي مبنية على ملاحظة أن ما جاء به الوحي من أخبار وأوامر ونواهٍ ليس على درجة واحدة بل هو متفاوت متفاضل، فمثلًا في باب الأخبار تجد سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي المنذر: ((يا أبا المُنْذِرِ، أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ. قالَ: يا أبا المُنْذِرِ أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. قالَ: فَضَرَبَ في صَدْرِي، وقالَ: واللَّهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ))، وفي باب الأوامر حديث: ((الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ))، وفي باب النواهي قوله صلى الله عليه وسلم: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قالوا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ. [وفي رواية]: وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فقالَ: ألَا وقَوْلُ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ))، إذن نستنبط أن الدين مراتب متفاوتة، فالمصلح الحق من يعتني بمركزيات الدين ويفعلها في مقام بنائه ومقام عطائه.

ولضبط المركزيات ثمرات، منها تقارب المسلمين واتفاقهم عليها، والعمل على سد الثغور بناءً على مركزياتها، وبها يحسن فهم الشريعة دون غلو أو تفريط، ويُتقرب إلى الله بإصابتها والتعبد بأحب الأعمال إليه والهروب من الموبقات، ومن خلال النظر بها يَعدِل المُقَيّم لصحة الاتجاهات والأفكار، وبالانطلاق منها توضح رسالة الإسلام لكل الناس، أما آثار الخلل في المركزيات، فالغلو في الدين أو التفريط فيه، وانقلاب سلم الأولويات، والبعد عن الإصابة في طريق العبادة، والخطأ في تقييم الاتجاهات والأفكار. 

 ثم يختم بأهم القضايا المحتاجة إلى التجديد على ضوء مركزة المركزيات، وأولها قضية مركزية المركزيات نفسها، وقضية العبودية لله؛ لأن الواقع المعاصر يجعل الإنسان خالدًا إلى الأرض مستمسكًا بها ناسيًا أصل خلقته وغاية وجوده، ومن المركزيات الواجب إحياؤها خاصة في السياقات الإصلاحية مركزية العمل وأنه الغاية من العلم والبعد عن القيل والقال وكثرة السؤال، كذلك مركزية التزكية، ومركزيات الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والسير على هدي مدرسته، ونضرب مثالًا يوضح الخلل في هذه المركزية لأهميته وهو ما يحصل في حلقات القرآن من إعطاء القيمة الكبرى لعلاقة الناشئة بالقرآن للحفظ والتجويد والقراءات لا إلى فقهه وتدبره والعمل به كما كانت تلك مركزياته عند النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذه المركزيات أيضًا إحياء مقاصد العلوم الشريعة، العامة منها كالخشية والبلاغ والعمل، والخاصة بكل علم على حدة.

حملة الإصلاح

فإن كان كما اقترحتَ أن واجب الوقت الآن صناعة المصلحين الحاملين لأعباء الرسالة، فهلا ذكرت معالم تلك الصناعة؟

يجيبك الشيخ بمعالم منهجية ثم بيان صفات المصلحين الواجب صناعتهم عليها، والمعالم العامة المنهجية أولها مركزية هدي الأنبياء في طريق الإصلاح، والتحلق حول قصصهم القرآنية بالتدبر لهديهم الدعوي من طرق الاهتداء بهم؛ وقد سارع الشيخ بتطبيق تلك المركزية في سلسلة «أنوار الأنبياء»، ولما كان أولاهم بالعناية النبي محمد صلى الله عليه وسلم أتبعها بسلسلة «السيرة النبوية للمصلحين».

ثانيها: التركيز على بناء ثقافة معيارية موحدة للمصلحين، والمقصود بالثقافة المعيارية الإصلاحية أنها حزمة من القِيَم والمفاهيم والأفكار الحاكمة لسلوك المصلحين، المستمدة من مرجعية الوحي، المتفاوتة بين الوجوب والاستحباب الشرعي، ومن أمثلتها تفعيل مرجعية الوحي، ومركزة المركزيات، وأولوية العبودية، وغير ذلك.

ثالثها: التربية على أهمية استمرار ثغر صناعة المصلحين، وأن يهتم خريجو الدفعات من إبقاء عمل مصنع المصلحين دون توقف.

رابعها: أهمية تنوع روافد البناء، ما بين العلم والعمل والتجربة.

خامسها: عدم استعجال تصدير المتربِّين قبل التمكن وإكمال البناء الشرعي والمعرفي، فلا ينتقل مركز الثقل من البناء إلى العطاء قبل مراحله المتقدمة.

سادسها: أن يكون البناء حاصلًا في ساحة العمل والمدافعة لا في ساحة الخمول والدعة.

سابعها: ضرورة التنوع والتكامل في مجالات البناء الإصلاحية، وإنتاج كوادر في جميع التخصصات.

أما بيان صفات المصلحين التفصيلية، فمصادرها القرآن والسنة وسير المصلحين والاستفادة من التجارب السابقة والقراءة الجيدة لتحديات الواقع وموازين القوى به، وهي 17 صفة كالآتي: 

  • الصفة الأولى: العبودية لله تعالى.
  • الصفة الثانية: التسليم لمرجعية الوحي والانطلاق منها والاستمساك بها.
  • الصفة الثالثة: اليقين.
  • الصفة الرابعة: الصبر. 
  • الصفة الخامسة: التزكية وحياة القلب.
  • الصفة السادسة: العلم.
  • الصفة السابعة: العمل.
  • الصفة الثامنة: القوة.
  • الصفة التاسعة: الوعي.
  • الصفة العاشرة: الحكمة.
  • الصفة الحادية عشرة: الدربة والتجربة والخبرة.
  • الصفة الثانية عشرة: المسؤولية.
  • الصفة الثالثة عشرة: العِزّة.
  • الصفة الرابعة عشرة: الرحمة بالمؤمنين واللين معهم والرفق بهم.
  • الصفة الخامسة عشرة: العدل.
  • الصفة السادسة عشرة: الربانية.
  • الصفة السابعة عشرة: الصدق.

ولتفاصيلها عليك بالكتاب ففيه بيان كل صفة، ومستندها من الوحي، وأهميتها في السياق الإصلاحي وجودًا وعدمًا، وكيفية تحقيقها.

عوائق الإصلاح

ختامًا قبل أن تتوكل على الله سبحانه، وتختار طريقك، طريق الدنيا الموصل للآخرة، لا أحسن من أن تعرف ما قد يقابلك من عوائق في طريقك، عسى أن تعدَّ العدة لها سلفًا، فتكون أجدر بتجاوزها بحول الله وقوته، وهي عادة النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كما قال لهم محذرًا: ((إنَّ أكْثَرَ ما أخافُ علَيْكُم ما يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ قيلَ: وما بَرَكاتُ الأرْضِ؟ قالَ: زَهْرَةُ الدُّنْيا)).

والعدة المُجهزّة إما للتحديات الخارجية من خارج الصف الإسلامي، الحسية منها والفكرية، وإما للتحديات الداخلية وهي ما اهتم بها الشيخ تحديدًا كون الكتاب يراعي السياق الإصلاحي الخاص بالمصلح في نفسه، وجعلها 6 تحديات.

1- أول التحديات الداخلية للمصلح: تحدي اليأس والإحباط، وقد ذُكر مفصلًا في فصل جدوى الإصلاح فليراجع.

2- انحراف بوصلة الإصلاح عن السداد، سواء لاستعجال ثمرة الإصلاح بطروق دروب خاطئة بُغية الثمرات العاجلة، أو التأثر بالشبهات، أو كردة فعل نفسية على مواقف بعض الرموز في فترة ما، أو كيد الأعداء، أو غيرها من الأسباب، ولضمان سداد البوصلة تأصيل شرعي متين، وتزكية حاضرة مستمرة، وغاية واضحة، واستهداء دائم بالله سبحانه وحده.

3- إذا كانت التزكية ضعيفة فاشتدت أمراض القلوب خاصة الحسد، واختص العمل بفئة معينة، وهُمش الكفء عن المهام الجديرة به، وعُدم فقه الخلاف، واُشتغل بالجدل وتصيّد الأخطاء، فهذا تحدي التنازع والفرقة بين العاملين، فاحذر!

4- ما يعترض المصلح من ظروف معيشية واجتماعية صعبة تعيقه عن السير في طريقه الإصلاحي، وقد أحسن الشيخ بتصوير المسألة والتنبيه على نقاط مهمة فيها؛ لذا يحسن الرجوع إلى الكتاب، ومن أجمل التنبيهات الحذر من الهلع المبالغ فيه على الرزق كما قال صلى الله عليه وسلم: ((شرُّ ما في رجلٍ شحٌّ هالعٌ وجبنٌ خالعٌ))، والحذر من الغلو في الدراسة الأكاديمية والتعويل عليها أكثر مما ينبغي، والمبالغة في رسم معايير النجاح، مع الأخذ بأسباب الرزق والتوكل والسعي والموازنة بين الحقوق المختلفة: ((إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ)).

5- للفتوحات الربانية في طريق الإصلاح علاقة مباشرة مع استقامة المصلح وصلاح قلبه، وبالعكس يُغلق عليه بسبب ذنوبه {وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ} [التوبة:46]، ففتن الشهوات الجسدية والقلبية من أشد التحديات في طريق الإصلاح، وأول دوائها نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا عليّ رضي الله عنه. ((قُلِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بالهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ)).

6- تحدي الشبهات العقدية والفكرية المتعلقة بأصول الإسلام، فأعظم بتعزيز اليقين وتثبيت الأصول، وتحدي التساؤلات المنهجية المتعلقة بالموقف من الاتجاهات الإسلامية والاختلاف بينها وأسئلة الطريق والجدوى والثمرات، فاستمسك بالاستهداء الإلهي وتناول هذا الكتاب يُجبك، وتحدي التقلبات النفسية خاصة عند الأجيال الصاعدة، فأحصن نفسك قبل المسير.

هذا كله مجرد إرشادات لآلة البوصلة الإصلاحية إلا أنها عطلة، إلا مع من بدأ السير في الطريق، فابدأ مسيرتك علّك تصل.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى