القوة العسكرية  لأمريكا

تماما كما نشأت على الحروب وذاع صيتها بعد الحرب العالمية الثانية لتكون القطب الأوحد القائد للنظام العالمي، تمكنت أمريكا من فرض نفسها على القوى الكبرى بواقع القوة العسكرية المتطورة والمتزايدة، وهي قوة لم تأتي من فراغ بل قامت على نهج استعماري نهب من خيرات البلدان الأخرى المستضعفة الثروات والأموال التي تمول بها أمريكا ترسانتها العسكرية وطواقمها المنتشرة عالميا في قواعدها الكثيرة، وهذا ما يفسر تاريخ أمريكا الاستعماري في الغالب في وقت دأب فيه الباحثون العسكريون الأمريكيون على تطوير واستيراد التكنولوجيا اللازمة للأهداف الاستعمارية اللامنتهية.

التمويل العسكري

Embed from Getty Images

ولا شك أن المصدر الأساسي لملأ الخزينة الأمريكية كان بداية نهب الشعب الأمريكي نفسه، فهو يدفع الضرائب رغم أنفه وبشكل متواصل وإجباري، ثم بعده نهب عالمنا الإسلامي وخصوصا ما يسمى ثروات الخليج النفطية التي يحصل عليها الأمريكان بأثمان زهيدة وبلا ثمن، وهي بمثابة عصب وقود حروبهم وآلياتهم، ناهيك عن السرقات الكبرى لثروات المسلمين إبان الحروب، كما ثبتت سرقة الذهب والمعادن الثمينة من العراق  وغيرها من أمصار اغتصبت خيراتها القوات الأمريكية سرا و علنا، أيضا لا ننسى العطايا والمنح التي تبلغ أرقاما مذهلة تغتصب من أموال المسلمين، وكيف لنا أن ننساها وهي تقدم كعربون وفاء ومحبة وخضوع ومذلة جزية للأمريكان من قبل الطغاة ولا كرامة.

وحين أتأمل في حجم الأموال والمساعدات التي قدمت للجيش الأمريكي إبان حرب الخليج الثانية أتعجب من حجم الذل الذي تفرضه الأنظمة الطاغوتية على شعوب المسلمين حتى لا يجرؤ أحدهم على الانتفاض أو إنكار هذه السرقات الكبرى في تاريخ أمة الإسلام، حتى المياه المعدنية كانت تقدم للجيش الأمريكي من بني جلدتنا، ناهيك عن الهدايا الثمينة والأعطيات كتلك الساعات التي حظي بها جنود الجيش الأمريكي وتعدادهم بالآلاف هدية من قبل أحد طواغيت العرب الذين ينهبون أموال المسلمين ويدفعونها قربانا للكافرين، عن طيب قلب ورضا خاطر في وقت تئن فيه ضمائر وبطون المسلمين المستضعفين قهرا وكمدا.

قوة عسكرية، ولكن

Embed from Getty Images

لكن وإن كانت قوة أمريكا العسكرية التي تريد أن يرهبها العالم كله، عظيمة وترسانتها الجوية والبرية والبحرية كبيرة، وعدد قواتها ومرتزقتها مديدة، ورؤوسها النووية خطيرة ومهيبة، وأن الدعاية الإعلامية بما فيها الهوليهودية تصور الجيش الأمريكي بالأعظم قوة وتسليحا في العالم لتزرع الانهزامية في نفوس أعدائها ومنافسيها.. إلا أنه ومع هذا كله، منيت هذه القوة الضخمة بخسائر مهينة مذلة في بعض بقاع المسلمين، حين أخضعتها حرب العصابات الشرسة التي قادها ثلة مؤمنة تؤمن أنها تجاهد في سبيل الله وأجهضت آمالها على أرضهم، لينعكس لنا مشهد سنة إلاهية، سنة تؤكد أن النصر ليس بميزان القوى وإنما بميزان الإيمان.

هذا ما كان له دور كبير اليوم في تغيير نظرة الخبراء بشكل جذري حول قدرات الجيش الأمريكي،  نعم لقد أصبحنا نتحدث عن ضعف في القوة العسكرية للأمريكان، وقد نشرت العديد من التقارير والبحوث التي تؤكد صحة هذا الحكم.

وحسب بعض المحللين ظهر ضعف الأمريكان في عدة مواقف دولية في الآونة الأخيرة وإن حاولت أن تداري هذا الضعف بطريقة دبلوماسية أو سياسية أو حتى إعلامية ما ولعل أكثر فضائح هذا الضعف كشفتها كل من العراق وأفغانستان، من جهة بحجم الخسائر المادية والبشرية الكبيرة ثم طول أمد الحرب التي استنزفت الخزانة الأمريكية وطاقات الجيش بشكل مستمر وإلى هذه اللحظة.

وكذلك كشفتها سوريا حين برز القيصر الروسي يناطح قرن الأمريكان في أرض هي من أولى الأهداف الأمريكية في ما يسمى الشرق الأوسط، واضطر الأمريكان لتقبل هذا الصعود الروسي بسبب ضعف حقيقي اعترى الهيكل الأمريكي وليس لقوة روسيا المتزايدة كما قد يتوهم البعض، ويؤكد هذا الضعف ذلك الانقسام الداخلي الصارخ في المجتمع الأمريكي والذي منذ تولي الرئيس الأمريكي ترامب – المتهم بفوز هزلي دعمته الآلة الاستخباراتية الروسية- لا زالت التصريحات من البيت الأبيض  تصدر مضطربة عند الأزمات كما ظهر ذلك في أزمة العراق مع الأكراد وأزمة الخليج مع قطر حين خرجت تصريحات الرئيس مخالفة تماما لتصريحات وزارته الخارجية أو الدفاعية! وأصبح واضحا للجميع الحرب التي يخوضها الرئيس مع مؤسساته الإعلامية والاستخباراتية التي تلاحقه لنشر فضائحه ويرد هو بالمثل أو بالضعف.

ترامب ذكي أم أخرق

Embed from Getty Images

لم يكن الرئيس الأمريكي أخرقا إلا في تعامله مع المسلمين لأنه لم يحسب حساب العواقب الخطيرة لاستهانته بأمة دينها الإسلام، ولكنه في الجهة المقابلة ذكي في تعامله مع بني جلدته، ولأوضح الصورة أكثر، أضرب مثالين بسيطين، فترامب عندما لاحظ تآمر فريق من ساسة الأمريكان وأصحاب النفوذ عليه واستشعر جديتهم في العمل على عزله، ضربهم ضربة قاضية، كانت الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الصهاينة، فكسب بذلك الدعم الكامل للوبي الصهيوني، وهو اللوبي المتغلغل في دوائر صنع القرار الأمريكية وذو النفوذ المؤثر العميق، ما جعل من مشروع عزله حبرا على ورق.

بنفس الطريقة وسياسة الهجوم بتسديد الضربات الاستبقاقية، عندما لاحظ ترامب تهديدات الأجهزة الاستخباراتية له بكشف قرائن تؤكد تدخل الروس في إنجاح انتخابات الرئيس المثير للجدل، وكشف خيوط علاقة له مع عدو الأمس الذي خاضت معه أمريكا حربا باردة عويصة لسنوات، قام فورا بإصدار مذكرة تفضح أنشطة هذه الاستخبارات ووصمها بأنها مشينة بحق الشعب الأمريكي، مذكرة شغلت أذهان الأمريكيين فأنستهم ترامب، وكان المثل الشعبي، تغدى بهم قبل أن يتعشوا به، وعلى هذه السياسة أتقن ترامب فن الهجوم على خصومه الأمريكان، وأما في تعامله مع طواغيت العرب فلا أراه ذكاء ولا غباء وإنما حظه كان في نوعية طواغيت ذلة وصغار لا يحتاج ترويضهم وتوظيفهم لبذل إنما خدماتهم مفتوحة له سواء بطلب منه أو بدون طلب.

حروب العصابات والضعف الأمريكي

Embed from Getty Images

إن تأثير حروب العصابات الأخيرة التي خاضتها أمريكا ولا زالت تخوضها في بعض بلاد المسلمين، أدت بشكل مباشر لإضعاف القوة الأمريكية الضخمة، وقد كشفت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أن الولايات المتحدة الأمريكية تواجه مشكلة حقيقية من خلال نقص كبير في الميزانية الدفاعية والعسكرية، لدرجة أن القوات الأمريكية ستصل إلى مرحلة لا يمكنها الإيفاء بالالتزامات المطلوبة منها في العالم.

وقد نقلت المجلة تصريحات المحلل العسكري الأمريكي دان غور الذي قال: “فعليا اليوم نواجه مشكلة كبيرة حيث أن ليس لدى الجيش الأمريكي سوى ثلاث فرق قتالية مجهزة ومدربة لخوض معارك وعمليات من أصل 50 فرقة موجودة”، وأضاف غور: “إن نصف المقاتلين والمجندين المجهزين هم يتبعون لفرق المارينز والبحرية، أما الباقون فهم يعانون من سوء التمويل بالإضافة إلى الكثير من العربات والآليات التي بحاجة إلى صيانة”.

الضعف الذي تمر به القوة العسكرية الأمريكية شمل أيضا قطاع البحرية الأمريكية اليوم مع تراجع كبير في عدد السفن التابعة لسلاح البحر من 594 عام 1987 إلى 278 حسب نفس المصدر، وأضافت المجلة أنه وفق مؤشر “هاريتج” للتصنيفات العسكرية اعتبر تصنيف الجيش الأمريكي هامشيا ويتجه نحو الضعيف.

إضافة لهذه المعطيات فنلاحظ جرأة المنافسين اليوم لأمريكا على مخالفتها وانتقادها علنا، لقد بتنا نرى الأوروبيين يلوحون برفض صارم لقرارات ترامب في الكثير من المناسبات، واختلافاتهم الصارخة في الكثير من السياسات لم تعد شيئا غريبا، وها هي الساحة السورية اليوم تعكس درجة الضغط الذي تعانيه أمريكا أمام منافستها السابقة روسيا، فضلا عن الصين التي بدأت ترتب أوراقها بإعادة فتح طريق الحرير البري الذي يمتد إلى أوروبا حتى تقطع الطريق على أي تهديد أمريكي من خلال الاستهداف أو التضييق على ممراتها البحرية، خاصة بعد التراشقات بين إداراتها وإدارة ترامب، الأخيرة.

كوريا الشمالية بدورها هددت أمريكا بضربات نووية في عقر دارها، ولم تنفع التهديدات الأمريكية من جهتها في إحداث أي حالة ذعر أو وجل أو تراجع عند بوينع يانغ بل على العكس عندما استعرت التصريحات الاستفزازية، بدأ الأمريكان يلينون الجانب بعدما أدركوا أن لهجة التهديد التي تصدر منهم كقادة للنظام الدولي القائم لم تجدي نفعا مع كيم أونغ الرئيس الكوري العنيد.

ولعل أبرز مشهد لفشل القوة الأمريكية وضعفها ضعفا بائنا، هو ما يحدث في أرض أفغانستان، أين نسمع نداءات النفير الأمريكية والتي إليها تحولت الجيوش من العراق إلى كابول ومن كل الوحدات الأمريكية إلى الأرض التي كلّت جيوش كافرة أن ترضخها، وسخط الرئيس الأمريكي ترامب لم يخف على أحد ليؤكد لنا مدى الورطة التي تورط فيها الأمريكان في أرض خراسان وبالتالي الضعف الجلي لهذه القوة في حسم المعركة، وبدل أن تنقص قوة طالبان تضاعفت وتطورت وأضحت أكثر تمرسا واحترافا، لقد أصبحت الرقم الأصعب على الأمريكان..! فيا لخيبة دولة عظمى عجزت أن تخضع ثلة مغبرة.

سياسة الأمريكان الجديدة لتجاوز الضعف

Embed from Getty Images

الكثير من الدلائل والقرائن تدفعنا لتشخيص حالة الضعف التي يمر بها الأمريكان اليوم عسكريا بل وسياسيا واقتصاديا بالتبعة، وهذا يدفعنا من جهة أخرى للنظر في سياسة الأمريكان في تطويع العالم فلم تعد سياستها كما عودتنا سابقا عن طريق القوة العسكرية المباشرة والتدخل الآني بجنود أمريكيين، ولكن بدل من ذلك لجأت إلى وكلائها في مناطق الحروب للقتال نيابة عنها.

ووظفت هيمنتها التي امتدت لعقود وشبكاتها الاقتصادية والسياسة التي لا زالت تسيطر على بعض الأنظمة والشعوب، ثم مكرها في ابتزاز الأموال ونهب الثروات بعقلية استعمارية تداريها الديمقراطية والعلمانية ومصلحة الحريات باسم الإنسان.

نعم إن أمريكا لا زالت تبذل الغالي والنفيس وكل ما يتاح لها من أجل أن تفرض رأيها على كل ما يجري في عالمنا وتحديدا الإسلامي، فكانت اللاعب الرئيسي في أغلب الساحات كما افتعلت الكثير من الحروب الدامية الظالمة وأتقنت فن صناعة الأعداء، ولاشك أن لهذا أبعاد استراتيجية أخرى غير تحصيل مداخيل خارجية أو فرض نفسها كدولة مهيمنة، ولكن أيضا لتشعر منافسيها أن لا أمل لهم في منازعتها هذه المكانة ثم مع كل هذا الجمع لم تفلح.

عندما تصبح الحرب رغم الاستنزاف ضرورة

Embed from Getty Images

وإذا نظرنا إلى قوة الأمريكان العسكرية فسنلاحظ أنها نجحت في افتعال وتأجيج ما يسمى الحرب على الإرهاب ثم الحروب والأزمات الداخلية، دون الحديث عن سلسلة الحروب التاريخية التي أشعلت نارها في كل زاوية في الأرض، والتي تعد ضرورية للحفاظ على مصالحها على رأسها زيادة مبيعات الأسلحة وتنشيط سوقها ثم حفظ مرتبتها المهيمنة في العالم، وهذا ما يجعل السعي إلى زيادة قدراتها التسليحية وحفظ ميزانية الخزينة العسكرية كافية لتغطية حاجات الاستنزاف الحربي واللوجستي لأجهزتها وجيوشها فهو يعد أولوية قصوى مهما كانت الخسائر وبلغ حجم الاستنزاف.

الحروب استثمار

وبافتعال الحروب وتأجيجها تثري أمريكا قوتها العسكرية وتحصل على زيادة نفوذ، وتعتقد العقلية الأمريكية أن هذه هي أنسب طريقة للمحافظة على مكانتها العالمية المهيمنة، وأفضل السبل لتحجيم طموحات الأعداء والمنافسين، وأنسب وسيلة لتجربة الأسلحة الجديدة وتفريغ المستودعات من الذخيرة، وربما الخيار الوحيد الذي رغم ما تتكبده وتخسره بسببه إلا أنه يحفظ ولو مرحليا الوجه المتغطرس والمستكبر والمتصلف للأمريكان، وإذا نظرنا في  التاريخ الأمريكي نجد أغلبه مضى في حروب، فهي إذن ليس مجرد سياسة بل عقيدة حربية تربت عليها الأجيال الأمريكية المتوالية وتجذرت كمفهوم أساسي لغريزة حب البقاء، ولكن لم تكن هذه العقيدة بلا ثمن، بل دفع بسببها الأمريكان الثمن الباهظ وإن كابروا، دفعوه  من أرواح جنودهم وخزائن أموالهم وسمعتهم التي سقطت بسقوط أخلاقهم وبعدوانهم وبجرائمهم.

519

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي أربعة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر).

التعليقات

  • Ahmed Mahrous منذ 5 أيام

    جزاكم الله خيرا

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.