هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: A new player in the culture war: the Islamo-Right لكاتبته: ESMÉ PARTRIDGE في موقع: unherd.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

أشار موقع أنهيرد في مقالة بعنوان (لاعب جديد في الصراع الثقافي الغربي: اليمين الإسلامي) إلى تقريرين نُشرا مؤخرًا، يرسمان صورًا متناقضة لموقف التيارات الإسلامية من العراك الثقافي الغربي. الأول (الإسلاموية واليسار) الذي نشرته “Policy Exchange”، يوضح التقارب المعروف بين اليسار المتطرف والنشاط الإسلامي الذي انبثق من اتفاقهم في قضايا مشتركة مثل القضية الفلسطينية والعنصرية ضد السود. وكما يبين التقرير؛ فإن لما يسمى باليسار الإسلامي تاريخ طويل في الساحة، وقد وجد فرصة جديدة للبروز ضمن إطار سياسات الهوية [1] “identity politics”، حيث استوعب رغبة اليسار الشديدة في “تمثيل” الأقليات المسلمة بشكل طبيعي، واتفقا كذلك على إدانة الغرب والإمبريالية والاستعمار وأفعالها في الشرق.

لكن التقرير الثاني المعنون بـِ (إسلاموجرام) “Islamogram” -الذي أعده معهد الحوار الاستراتيجي- يروي قصة أخرى؛ وهي العلاقة المتنامية بين التطرف الإسلامي واليمين المتطرف على الإنترنت، كما يتضح من خلال ظاهرة إضافة الطابع الإسلامي على ما يسمى بميمز الإنترنت [2] المتداولة في المواقع اليمينية والتوالف مع الحركات المنشقة (غير المسلمة) المناهضة لليبرالية التي اشتهرت بين جيل الألفية وجيل الزيد [3] z- gen.

فمثلًا هم يتشاركون نفس أساليب النكات وطرق التعبير عن الأفكار، فسيوصف الإسلام بأنه “based” ويكون السلفيون أو مقاتلو طالبان [4] تشادًا “chads”، وكذلك في موقف الثقافات الأيديولوجية، فبعد سيطرة طالبان على أفغانستان اتفق الاثنان على الرغم من اختلافاتهم الجذرية ضد العولمة والليبرالية و “الانحطاط” الأخلاقي للغرب؛ وقاموا بالتحالف في ثورتهم ضد العالم الحديث والأيديولوجيات التقدمية المهيمنة.

قد يبدو هذا التحالف الإسلامي – اليميني في البداية أكثر غرابة بكثير من التحالف الإسلامي اليساري. حيث أن القوميين البيض يسعون الى الحد من هجرة المسلمين إلى الغرب، وكثير من جماعات اليمين المتطرف تناهض الأديان بشدة، ويزدرون خصوصًا الأديان الإبراهيمية التي يعتبرونها -حسب جوليوس إيفولا [5]- “منحطة” وأدنى من الوثنية ذات الأساس العرقي القومي أو من الإلحاد العقلاني الصريح. بالتالي فإن تفاعل المجتمعين مع بعضهما البعض في العالم الواقعي أمر غير محتمل، وهذا التحالف لن يتعدَّ أعماق المنصات الرقمية المشفرة مثل التيليجرام Telegram.

من الرسومات المنتشرة على الإنترنت والتي تناولتها الدراسة المذكورة “Islamogram“.

من ناحية أخرى بحسب أنهيرد؛ برز اليسار الإسلامي منذ فترة طويلة في الساحة العامة بشعبية أكبر، ومع ذلك فإن التوفيق الأيديولوجي للإسلام واليسار مليء بالتناقضات، فعلى الرغم من أن الحركات الثورية الإسلامية اتخذت من الانتفاضات الماركسية ضد النظام الرأسمالي الليبرالي أسوة والعكس صحيح، إلا أن الفجوة الفلسفية والدينية بينهما عميقة جدًا.

فمثلًا؛ لم يعارض ماركس الدين نفسه فحسب، بل إن فلسفته المادية التاريخية تناضل من أجل استيعاب مفهوم الوحي الإلهي الذي يعد جزءًا لا يتجزأ من الإسلام كدين ليختزله إلى منتوج آخر من منتجات المؤثر الاقتصادي. ويظهر ذلك بوضوح ضمن أحدث طفرات الفكر اليساري التي تنكر كل الحقائق الأخلاقية المطلقة، وتعمل ضد النظام التسلسلي الهرمي وتحرص على تطبيع العلاقات بين الجنسين إلى أقصى حد، ولا يخفى كون هذه الأطروحات مناقضة بشدة للعديد من القيم المقدسة المركزية في الإسلام.

مع أن كل من اليمين المتطرف واليسار المتطرف يتعارض محوريًا مع الإسلام والمسلمين، إلا أن هناك تصاعدًا في التحالفات مع الطرفين بحسب أنهيرد، وهذا مدعاة للاستغراب؛ فهناك قصور في التمثيل الفعلي للقيم والهويات الإسلامية في المؤسسات السياسية أو المساحات العامة. وقد وقعت في هذا المأزق العديد من الجماعات المسيحية خصوصًا بعد تخلي عموم أفراد اليسار واليمين عن الدين إلى حد كبير، مما يعني أن من يحمل قيمًا دينية محافظة عليه إما عدم إظهارها داخل اليسار العلماني أو الانتماء لأقصى درجات اليمين السياسي.

 ومع تغير الآراء المقبولة لدى المجتمع، فإن الدفاع عن القيم التقليدية يعتبر الآن موقفًا يمينيًا متطرفًا، ومن يدافع عنها يجد نفسه يقف في صف التيار اليميني وإن لم يقصد ذلك في البداية، فيحث هذا الإقصاء إلى زيادة حجم العداوة الشعبية تجاه النظام الليبرالي ويعظم الشرخ الانفصالي بين الفريقين وتتنامى عقلية “نحن-ضد-هم” وتتكون بيئة خصبة للعنف والدعوات الانفصالية. بحسب أنهيرد.

 ويترك هذا الانقسام المسلمين منشقين بين من يحالف التيارات العلمانية الماركسية الداعية للعدالة الاجتماعية، ومن يقف في صف اليمين المتطرف الذي يعارض كذلك القيم والقوانين الإسلامية.  

وختم موقع أنهيرد مقاله بقول: “كما نصت التقارير، علينا أن نحدد المخاطر الممكنة نتيجة وقوف الإسلام مع أي من طرفي هذه الحرب؛ وكذلك يجب أن ندرك ندرة التمثيل الحقيقي للقيم الدينية الإسلامية أو غيرها لعديد من المتدينين في العالم”.

___________________________________

[1]: سياسات الهوية identity politics: سياسات الهوية هي مجموعة من الحجج السياسية التي تركز على المصلحة الذاتية ووجهات النظر الخاصة بـِ المجموعات المصلحية الاجتماعية المحددة ذاتيًا. (المصدر: الويكيبيديا)

[2]: ميمز الإنترنت Internet memes: وهو مصطلح يستخدم لوصف شعار أو فكرة تنتشر بسرعة من شخص إلى آخر من خلال الإنترنت، ويستند المصطلح إلى مفهوم الميمة على الرغم من أن هذا المفهوم يشير إلى فئة أوسع بكثير من المعلومات الثقافية. (المصدر: الويكيبيديا)

[3]: الجيل زيد z-gen: هو الجيل الذي يلي جيل الألفية. لا توجد تواريخ محددة لبدء وانتهاء هذا الجيل، لكن علماء الديموغرافيا يستخدمون غالبًا مواليد منتصف عقد التسعينات إلى نهاية عقد الألفين كنقطة بدء الجيل. (المصدر: الويكيبيديا)

[4]: based, Chad: تعابير شعبية تدل على التمجيد وموافقة الطرف المقابل.

[5]: يوليوس إيفولا Julius Evola: فيلسوف ايطالي تعتبر أفكاره الأكثر راديكالية ومُناهَضة للمساواة، والحركة التحرّرية، والديمقراطية في القرن العشرين، توفي عام 1974. (المصدر: الويكيبيديا)

206

الكاتب

أحمد مصطفى

مسلم أرجو من الله الهداية واتباع الحق.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.