لم يعاني رئيس فرنسي خلال فترة حكمه من هذا التدهور في شعبيته ولا المواجهات بينه وبين شعبه سواءً في شخصه أو في رؤساء حكوماته كما هو الحال مع الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون الذي لا يترك فرصة لتحدي الشعب لإظهار إمساكه بزمام الحكم إلا وانتهزها.

فلا ينسى الفرنسيون قانون العمل الذي خرج للنور في سبتمبر 2017 والذي سبب جدلًا إلى اليوم نظرًا لبنوده المجحفة وهي:

  1. تخفيض عدد ساعات العمل الأسبوعية من اثنتين وأربعين ساعة إلى خمس وثلاثين.
  2. منح صاحب العمل حق الاستغناء عن العمال العاملين لديه دون إبداء أسباب، أي فصل الموظفين تعسفيًا بتواطؤ من الدولة.
  3. رفع سن التقاعد من اثنتين وستين سنة إلى خمس وستين.

وزاد الطين بلة اندلاع احتجاجات السترات الصفراء في السابع عشر من نوفمبر 2018، وذلك بعدما فرضت حكومة إدوار فيليب رئيس الوزراء وقتها ضريبة القيمة المضافة على السيارات التي تسير بوقود الديزل وطالب المحتجون برفع الأجور وهو ما نجحوا فيه بعد فترة وجيزة من المظاهرات لكنهم لا زالوا يناضلون من أجل إلغاء هذه الضريبة.

وحتى يحول ماكرون سهام النقد عن استهدافه، عزف اللحن الذي يطرب أنصاره في اليمين المتطرف وهو محاربة ما أسماه تارة التشدد الإسلامي وتارة أخرى الإرهاب الإسلامي لذا لم تلح لماكرون فرصة لمهاجمة الإسلام بسبب أو بدون إلا واستغلها، والمتابع لتصريحات الرجل منذ وصوله للسلطة في مايو 2017 يجد أنه هاجم الدين الحنيف غير مرة ودون أدلة على خطر داهم يحيق بفرنسا نتيجة تعاليم الإسلام أو المسلمين القاطنين على أراضيها.

أحدث حلقات هذا المسلسل العنصري السخيف كانت في الثامن عشر من فبراير 2020 لدى زيارة سيد الإليزيه لمدينة مولوز شرقي البلاد والتي أعلن خلالها الرئيس المأزوم نيته تشديد الحرب على التشدد والانفصال الإسلاميين، وكشف ماكرون عما سماه خطته ضد الانفصال الإسلامي في الأحياء الفرنسية والتي اشتملت على أربع نقاط:

  1. تحرير المساجد والمدارس الدينية من التأثيرات الأجنبية، وذلك بتخلي البلاد عن الأئمة الأجانب تدريجيًا والذين يتقاضون رواتبهم من الدول التي ابتعثتهم خاصة الجزائر وتركيا ويحل محلهم أئمة مدربون في فرنسا.
  2. التنسيق بين ممثلي مسلمي فرنسا فيما بينهم.
  3. مكافحة المحاولات الانفصالية والمتمثلة في الفصل بين الفتية والفتيات وأوقات الاستحمام المنفصلة في حمامات السباحة.
  4. تعويضًا للافتقار في العروض الاجتماعية والثقافية والرياضية داخل الأحياء الإسلامية والتي تتسبب في التطرف داخل أحياء المسلمين، ستتولى الدولة هذه المهمة.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يحذر فيها ماكرون من التغول الإسلامي في فرنسا، ففي الرابع والعشرين من أكتوبر من العام الماضي خلال مؤتمر تناول وضع المحجبات على الأراضي الفرنسية، صرح ماكرون أنه يقبل بالحجاب في الأماكن العامة لكنه يرفضه في المناطق العامة معتبرًا أن من يحاولون إقحامه في بعض المناطق الفرنسية يسعون لتأسيس طائفية مرفوضة.

وسبق هذا الانتقاد للإسلام انتقاد آخر في الثامن من الشهر نفسه خلال تشييع جنازة أربعة رجال أمن فرنسيين قتلوا طعنًا بالسكين على يد زميل لهم يعمل موظفًا إداريًا في مركز الشرطة الرئيسي بباريس في الثالث من أكتوبر، فقد دعا سيد الإليزيه في خطابه الذي ألقاه في مراسم التشييع إلى وجوب بناء مجتمع فرنسي يقظ ضد ما سماه “التشدد الإسلامي”.

وشبه الرئيس الفرنسي التشدد الإسلامي المزعوم بالهيدرا، فكلما قطع له رأس نما له آخر وطمأن ماكرون الفرنسيين أن أجهزة الدولة مجتمعة هي من سيتمكن من القضاء على هذه الهيدرا الإسلامية لكن عمل كل جهاز بمفرده سيكون مصيره الفشل الحتمي.

جاءت تصريحات ماكرون التي أقل ما توصف بالعنصرية بعدما كشفت تحقيقات أجهزة الأمن الفرنسية أن منفذ الهجوم فرنسي الجنسية أصوله من جزر المارتنيك، وقد اعتنق الإسلام وارتبط بعلاقات مع أشخاص منتمين لحركة سلفية قبل فترة وجيزة من تنفيذه الهجوم.

طالب ماكرون كذلك مواطنيه الفرنسيين بمساعدته في مكافحة ما زعم أنه “الشر الإسلامي” بالإبلاغ عن أي شخص مسلم قد تصدر عنه تصرفات مريبة، وقد دأب إيمانويل ماكرون منذ وصوله لسدة الحكم على تخويف مواطنيه من مخاطر الإسلام على فرنسا.

وعلى الرغم من تصريح ماكرون خلال حملته الانتخابية أنه لا علاقة بين الإرهاب والإسلام إلا أنه كشر عن عدائه للديانة السماوية الثانية في فرنسا والعالم في الحادي عشر من فبراير 2018 وذلك عندما أعلن نيته وضع أسس لتنظيم الإسلام بما يتوافق مع علمانية بلاد الغال، وخلال تصريح لصحيفة جريدة الأحد أعلن ماكرون أنه يعتزم فرض ضريبة على المنتجات الحلال التي تستخدم عائداتها في تمويل دور العبادة الإسلامية في فرنسا، وألمح ماكرون خلال حواره الصحفي إلى رغبته في عدم رؤية أغطية تعبر عن توجه ديني في إشارة ضمنية للحجاب الإسلامي وملابس السباحة المحتشمة المعروفة بالبوركيني.

وفي يونيو من نفس العام أعلن رئيس الحكومة حينها إدوار فيليب عقد اجتماعات في مناطق تركز المسلمين على الأراضي الفرنسية لوضع إطار للنشاطات الإسلامية وسبل تمويلها على الرغم من تنظيم استطلاع للرأي أظهر اعتقاد ستة وخمسين في المائة من المواطنين الفرنسيين أن الإسلام يتناسب مع قيم المجتمع الفرنسي، وفي استطلاع رأي آخر رفض سبعون في المائة من الفرنسيين ضريبة ماكرون المنتظرة على المنتجات الإسلامية الحلال.

وخلال كلمة ألقاها أمام حشد من البرلمانيين المجتمعين بقصر فرساي في التاسع من يوليو 2018 أعلن ماكرون أنه اعتبارًا من خريف 2018 ستوضع قواعد جديدة لتسيير شؤون المسلمين في فرنسا طبقًا لقوانين الجمهورية الفرنسية، وذلك بالتنسيق مع المسلمين وممثليهم في فرنسا معتبرًا أنه لا داعي لوجود صعوبات في التعامل بين الإسلام وفرنسا.

مضى ماكرون في طريق عدائه للإسلام بتسلمه تقرير أعده معهد مونتان للدراسات السياسية والاجتماعية أواخر سبتمبر 2018 وصاغه الباحث السياسي حكيم القروي مستشار الرئيس للشؤون الإسلامية والمقرب من ماكرون، حيث تضمن هذا التقرير مقترحات لمكافحة التطرف الذي ينتشر بين مسلمي فرنسا وهي:

  1. إنشاء الجمعية الإسلامية من أجل الإسلام الفرنسي لجمع ما يكفي من الأموال لدفع رواتب أئمة المساجد وتمويل بناء وإصلاح دور العبادة الإسلامية ومكافحة كراهية الإسلام ومعاداة السامية لأنه -حسب القروي- يمكن لأموال المسلمين الدائرة في السوق أن تستخدم لإلحاق الضرر بفرنسا مالم تنظمها الدولة، ويمكن لتلك الجمعية أن تكون بديلًا عن الجمعيات الموجودة وعينًا للدولة على نشاطات المسلمين التي قد تثير الريبة خاصة أن شبكات تمويل الإسلام في فرنسا بحسب رأي القروي غامضة ولا يعلم عنها المسلمون الفرنسيون أنفسهم شيئًا.
  2. تعزيز تعليم اللغة العربية في المدارس الحكومية الفرنسية بعدما أكدت تقارير إعلامية إلى انخفاض أعداد التلاميذ الذين يتلقون دروس اللغة العربية في المدارس الإعدادية والثانوية الفرنسيتين للنصف مقارنة بارتفاع أعداد الذين يتلقون هذه الدروس في المساجد لعشرة أمثال ما كانوا عليه.
  3. تحذير الحكومة الفرنسية من تنامي نفوذ التيار السلفي خاصة على الإنترنت، كون من يجيب على الأسئلة الفقهية والدينية من الأئمة السلفيين مما قد يكون منفذًا لتصدير الفكر المتطرف خاصة في أوساط الشباب من مسلمي فرنسا مما يمثل بابًا لانتشار الإرهاب.

واختتم حكيم القروي تقريره بأن إنشاء الجمعية الإسلامية من أجل الإسلام الفرنسي سيمكنها من تلقي هبات معفاة ضريبيًا من الدولة بنسبة خمسة وسبعين في المائة مما سيوفر لها دخلًا بقيمة ما بين خمسة وعشرين وثلاثين مليون يورو، مع السماح بتلقي التبرعات الخارجية لكن مع إعادة توزيعها بشكل عادل، كما اقترح القروي أسماءً إسلامية لإدارة الجمعية الجديدة مثل إمام مسجد بوردو السابق طارق أوبرو والإمام محمد بارجافيل المقرب من الدولة.

ويتضح من التقرير السابق رغبة حاكم فرنسا في إسلام مدجّن يخدم التوجهات الفرنسية بعيدًا عن الدين الحنيف الذي نزل في مكة قبل أربعة عشر قرنًا، وبعد عدة أشهر من الصمت عاد ماكرون ليتهم الإسلام مجددًا بالتطرف ومحاولة الجنوح عن العلمانية والمجتمع الفرنسيين في الخامس والعشرين من أبريل من العام الماضي خلال مؤتمر صحفي في باريس متوعدًا بالتصرف بكل حزم لردع التطرف الإسلامي وحماية قيم الجمهورية الفرنسية.

لا يمكن تفسير موقف ماكرون المتطرف من الإسلام إلا من خلال أربعة أسباب:

  1. العثور على مخرج من مأزق احتجاجات السترات الصفراء التي دخلت عامها الثاني وسببت مأزقًا مزمنًا لماكرون الذي أتمت مدته الرئاسية عامها الثالث.
  2. محاولة كسب أصوات أنصار اليمين المتطرف -كما ذكرنا آنفًا- باتباع نهج معاداة الإسلام بعدما انتشرت الحكومات اليمينية في أوروبا خلال السنوات الماضية معتمدة على وصم زعماء مسلمين لدينهم بالتطرف كعبد الفتاح السيسي في مصر ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد.
  3. الهروب للأمام من تورط الحكومة الفرنسية في دعم طغاة الشرق الأوسط خاصة خليفة حفتر في ليبيا الذي أثبتت الدلائل تورط باريس في دعمه بالسلاح وبالمستشارين وبالمعلومات المخابراتية لإقامة نظام استبدادي جديد في ليبيا يضمن المصالح الفرنسية وبالرغم من ذلك أخفق حفتر في مسعاه.
  4. الخوف من اللحاق بالرئيس السابق فرانسوا أولاند الذي تسببت الهجمات التي تبناها تنظيم الدولة بين عامي 2015 و2016 في خسارته للرئاسة.

لكن لن يكون هذا الأسلوب الدنيء في معاداة الإسلام ونشر كراهيته بين الفرنسيين طوق النجاة لماكرون ليفوز بولاية جديدة، فالفرنسيون شعب واع ولا يكيلون بمكيالين كحكومتهم واستمرار الوضع المتأزم في فرنسا هو ما سيعجل بنهاية ساكن الإليزيه وسيكون عداؤه للإسلام المسمار الأخير في نعش مستقبله السياسي.

478

المصادر
الكاتب

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.