وأما هذا النوع من الوھْم فیحتاج إلى شرح مطوَّل، فهو أحد الأدوات الكبرى للهیمنة وأصل من أصولها، ولذلك سَنُفصِّل قلیلًا في الحدیث عن هذه الشرعیة، لأنه بإدراك حقیقتها ستفهم بدقة معنى كوننا نعیش في وهم! وأرجو أن تكثف تركیزك جدًا وأنت تقرأ السطور القادمة.

النظام النقدي أضحوكة العصر إنّ الشعوب الیوم تتعامل مع المنظومة النقدیة الدولیة وكأنها أنزلت من السماء، إننا لا نفكر مجرد تفكیر هل هذه الأوضاع طبیعیة؟! ما الذي یجعل لهذه الورقة الخضراء المسماة “الدولار” هذه القیمة “المقدسة”؟ كیف صار هذا الورق الأخضر أغلى من الذهب والفضة؟! وما المیزة التي تجعله معیارًا ومقیاسًا لكل العملات والأسعار في العالم؟ لقد ظلت الكذبة العالمیة تقنع الشعوب أن النظام النقدي العالمي هو نظام معقد ویصعب فهمه وتحلیله، والحقیقة أن نظام النقد العالمي یسهل فهمه جیدًا لكل الشعوب على اختلاف ثقافتهم، لكن هناك من لا یرید لهم أن یفهموا! وذلك لأن إدراك الشعوب فقط لحقیقة النظام النقدي العالمي كفیل بهدم شرعیة هذا النظام تمامًا من قلوبهم وهو ما یأذن بانتهاء أسطورته في القریب العاجل، ولیتضح مقصدنا دعونا نحكي قصة الدولار باختصار:

بعد الحرب العالمیة الثانیة اتجهت الدول المنتصرة في هذا الحرب إلى البدء في تقسیم التَرٍكة العالمیة ورسم صورة جدیدة للعالم في ظل اختلاف موازین القوى كما شرحنا، ولا شك أن أمریكا عقب الحرب العالمیة الثانیة كانت الأقوى عسكریًا واقتصادیًا؛ مما مكنها عام 1944 من وضع كثیر من تفاصیل هذه الصورة الجدیدة للعالم، ومن هنا كانت اتفاقية بریتون وودز (Bretton Woods) تلك الاتفاقیة التي جعلت الدولار هو المعیار النقدي الدولي لكل عملات العالم بعد أن كان الذهب هو الغطاء النقدي لكل هذه العملات، حیث تعهدت الولایات المتحدة الأمریكیة في هذه الاتفاقیة أمام دول العالم بأنها ستمتلك غطاء من الذهب یوازي ما تطبعه من دولارات.

كانت الاتفاقیة تنص على تثبیت قیمة الدولار أمام الذهب بما یعادل (35 دولار للأوقیة)، أي أن من یسلم أمریكا (من الدول لا الأفراد) خمسة وثلاثین دولارًا تسلمه أمریكا تغطیة الدولار من الذهب (أوقیة)، بینما باقي العملات یتم تقییمها بالدولار ولیس بالذهب مباشرة، وصار یسمى الدولار بعد ذلك عملة صعبة فهو العملة الوحیدة التي یمكن استبدالها بالذهب، واكتسب ثقة دولیة لاطمئنان الدول لوجود تغطیته من الذهب في أمریكا، صاحبة أكبر رصید من الذهب حینها، وجمعت الدول في خزائنها أكبر قدر من الدولارات على أمل تحویله لقیمته من الذهب في أي وقت أرادوا، واستمر الوضع على هذا حتى خرج الرئیس نیكسون في السبیعینات على العالم فجأة في مشهد لا یُتصور حتى في أفلام الخیال العلمي لیصدم كل سكان الكرة الأرضیة جمیعًا بأن الولایات المتحدة لن تسلم حاملي الدولار ما یقابله من ذهب!

لیكتشف العالم أن الولایات المتحدة كانت تطبع الدولارات بلا حساب، وأن ما طبعته كان أكثر بكثیر من الذهب الذي تملكه، وأنها اشترت خیرات الشعوب وامتلكت ثروات العالم بحفنة من أوراق خضراء تافهة لا غطاء ذهبي لها! أي أن الدولارات ببساطة هي عبارة عن أوراق تطبعها الماكینات الأمریكیة، ثم تحدد أمریكا قیمة الورقة بالرقم الذي ستكتبه علیها! فهي 10 أو 100 أو 500 دولار بحسب ما ترید، بینما الحقیقة هي أن الثلاث ورقات بنفس القیمة ونفس الخامة ونفس الوهم فقط اختلف الرقم المطبوع! كانت حجة نیكسون أن الدولار قوي بسمعة أمریكا وقوة اقتصادها!

وكأن هذه القوة الاقتصادية لیست قوة مستمدة من تلك الخدعة الكبرى التي استغفل بها العالم، لم تتمكن أي دولة من الاعتراض وإعلان رفض هذا النظام النقدي الجدید لأن هذا كان معناه حینها أن كل ما خزنته هذه الدول من ملیارات الدولارات في بنوكها سیصبح ورقًا بلا قیمة وهي نتیجة أكثر كارثیة مما أعلنه نیكسون! أعلن نیكسون كذلك حینها أن الدولار سیُعوَّمُ أي سینزل في السوق تحت المضاربة؛ وسعر صرفه یحدده العرض والطلب ولن یكون له قیمة ثابتة كما كان سابقًا، خلافًا لما تم الاتفاق علیه مسبقًا في اتفاقیة (بریتون وودز) حیث كان للدولار وفقًا للاتفاقیة قیمة ثابتة تُحدد بالذهب، بینما بعد قرار نیكسون بتعویم الدولار أصبحت أمریكا قادرة على التلاعب بقیمة الدولار ومن ثم التلاعب بقیمة العملات الأخرى المرتبطة به؛ وذلك ببساطة عن طریق تحكمها في كمیة الدولارات التي تطبعها وتطرحها في السوق النقدي!


وسمیت هذه الحادثة الكبیرة عالمیًا بصدمة نیكسون “Nixon shock” ویكفیك أن تكتب هذه(Nixon shock) في محركات البحث لتكتشف أنها حادثة كُتب عنها آلاف الصفحات والتحلیلات والدراسات ولكنها تغیب عن شعوبنا فقط!! وقال نیكسون حینها كلمته الشهیرة: “یجب أن نلعب اللعبة كما صنعناها ویجب أن یلعبوها كما وضعناها” صارت الدولارات تطبع بلا حساب، وصارت أمریكا تشتري ما تریده من كدح وثروات الشعوب بدون أن تخسر شیئًا، إنها الرفاهیة المطلقة للشعب الأمریكي بلا تعب ولا حاجة ماسة لحروب مستمرة كما اعتبرها نیكسون!

ویا لیت الأمر توقف عند هذا الحد، فلكي تضمن أمریكا استمرار الحاجة العالمیة للدولار وبقاء العالم في دائرتها الوهمیة عقدت صفقتها مع “السعودية” لكي یتم تسعیر النفط بالدولار، وهو الشيء الذي یجعل جمیع دول العالم كلها بحاجة إلى هذه الدولارات الأمریكیة لكي یستطیعوا شراء النفط، بینما تحصل أمریكا على هذا النفط أیضًا ببضعة أوراق تافهة لا تتكلف فیها إلا ثمن الطباعة! ثم في النهایة هذه الأوراق المطبوعة التي حصلت علیها “السعودیة” مقابل النفط تعیدها مرة أخرى لبنوك أمریكا كودائع، أي من أمریكا وإلیها، فكأن أمریكا تأخذ النفط مجانًا بدون حتى أن تتكلف ثمن طباعة الورق المسمى دولارات! كل ما تتكلفه أمریكا هو “أرباح” قلیلة على الودائع تعطیها البنوك الأمریكیة للسعودیة والتي یأخذ معظمها الأمراء، وكل هذا الرفاه الفاحش الذي یعیشه الأمراء هو من هذا الفُتات المسمى “أرباح” والذي تجود به البنوك الأمریكیة لهم ولیست أموال الودائع نفسها!

فلك أن تتصور كم امتصت وتمتص أمریكا من دماء أمتنا وتسرق من مستقبل أطفالنا یومیًا! أما الودائع الضخمة الموجودة في البنوك الأمریكیة فإنه لیس بمقدور “السعودیة” سحبها إلا بموافقة أمریكا! ولیس هناك أشهر من قصة الملك فهد حینما طلب من ریجان السماح له أن یسحب بعض الأموال “السعودیة” من البنوك الأمریكیة لتمویل مشاریع داخلیة فرفض ریجان متعللًا بأن الاقتصاد الأمریكي لا یحتمل ذلك! ودول منظمة الأوبك كلها (منظمة الدول المصدرة للبترول) تسیر في نفس فلك الخطة (الأمریكیة-السعودیة) فهم یسعّرون البترول بالدولار؛ فالسعودیة أكبر مصدِر للنفط في العالم وقادرة على التلاعب بأسعاره بكمیة إنتاجها، ولیس بإمكان الدول الأخرى المنتجة للبترول الخروج من فلكها، علمًا أیضًا أن “السعودیة” لیست الدولة الوحیدة التابعة لأمریكا داخل هذه المنظمة، وهكذا صار ربط الدولار بالنفط هو أداة جدیدة من أدوات سیطرة أمریكا على اقتصاد العالم بعملتها الوهمیة.

وكل ذلك في صفقة بین حكام السعودیة وأمریكا عنوانها “النفط مقابل الحكم” كذلك یحتاج العالم كله إلى الدولار لأنه العملة التي یتم تحصیل الرسوم بها في قناة السویس، وجُل تجارات العالم تمر عبر قناة السویس، وهي قیمة أخرى تضاف إلى الدولار بجانب البترول، بل حتى مصر تحتاج إلى الإبقاء على رسوم قناة السویس بالدولار حتى توفر لنفسها عملة صعبة تتعامل بها مع العالم، فالدولار هو العملة التي تجلس على عرش التجارة الدولیة، ومعظم التبادلات التجاریة العالمیة تتم بالدولار! یزید هذه المأساة أن تعرف أن المسیطر الأول على حركة الدولار منذ بدایة طبعه وحتى سعر صرفه وتداوله هم الیهود! ولیس هذا من قبیل الكلام المستهلك الذي یتم تردیده بلا بینة، لكنه الشيء المعروف بلا خفاء، فعائلة روتشیلد الیهودیة والتي توصف بأنها تمتلك نصف ثروات العالم، هي عائلة سيطرت بصورة شبه كاملة على سوق الصرف منذ القرن التاسع عشر وانتشر نشاطها المالي في عدة بلدان مبتدئین من بریطانیا وحتى انتهوا إلى امتلاك حصص كبیرة في بنوك مركزیة لدول كبرى كثیرة، صارت العائلة -المتحكمة في سوق الصرف والبورصات العالمیة- قادرة على التلاعب باقتصاد العالم بمجرد سحب بعض أوراقها النقدیة من الدولار أو ضخه للسوق.

ومن الكتب التي ناقشت قضیة سیطرة الیهود على سوق الصرف وعلى طباعة الدولار كتاب (حرب العملات) لمؤلفه الخبیر الاقتصادي الأمریكي من أصل صیني (سونج هونجبینج) والذي تنبأ بالأزمة المالیة العالمیة الأخیرة قبل وقوعها بحوالي عام، وقد تحدث في الكتاب عما هو معروف من سیطرة الیهود وعلى رأسهم عائلة روتشیلد على الاقتصاد الأمریكي والعالمي وتحكّمهم في أسعار الصرف، بل وتحدث عن تحكمهم في عملیة طبع الدولار لكونهم مساهمین أصلًا مع الحكومة الأمریكیة في البنك الفیدرالي الأمریكي الذي یقوم بطبع الدولارات، وهو الكتاب الذي أحدث ضجة عارمة في 2008، وقد اتهمت أوساط یهودیة وحقوقیة الكاتب بسبب هذا الكتاب بالتهمة المعلبة: (معاداة السامیة) وقد اطلعت على مختصر للكتاب فوجدته مفیدًا.

وحتى یرتب القارئ أفكاره فما زلنا نتكلم عن (الشرعیة الاقتصادیة) للنظام الدولي وقد انتهینا من شرح قصة الدولار وهیمنته على اقتصاد العالم، والآن بقي لنا النقطة الثانیة في الشرعیة الاقتصادیة لمنظومة لاحتلال الدولي وهي نقطة “الرأسمالیة“.

اضغط هنا لتحميل كتاب معركة الأحرار كاملًا PDF – الطبعة الثانية

820

الكاتب

أحمد سمير

ناشط ومهتم بالشأن الإسلامي والعالمي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.