“إننا -معشر الأوروبيين- نأبى في عناد أن نقر بفضل الإسلام الحضاري علينا، ونميل أحيانا إلى التهوين من قدر وأهمية التأثير الإسلامي في تراثنا، بل ونتجاهل هذا التأثير أحيانا تجاهلًا تامًا، والواجب علينا من أجل إرساء دعائم علاقات أفضل مع العرب والمسلمين، أن نعترف اعترافًا كاملًا بهذا الفضل، أما إنكاره أو إخفاء معالمه فلا يدل إلا على كبرياء زائف”[1].

أثر الإسلام

إن الأمة الإسلامية تدين بوجودها الحضاري كله لهذا الدين، فهو الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور، وحولهم من حفاة عراة عالة دهماء يرعون الغنم إلى سادة قادة يقودون الأمم، فالعلوم والمعارف التي ابتدعتها الأمة أو طورتها إنما هي في جملة الفضل العظيم الذي أنعم الله عليها بهذا الدين.

ثم إن ما جاء في الكتاب الكريم وفي أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحض على طلب العلم وعلى التفكر في خلق السماوات والأرض والنفس، وبيان أن مهمة البشر إعمار هذه الأرض.. كل ذلك كان وراء الانبعاث الحضاري الذي شهدته الأمة، وكان من آثاره المهمة هو تسليح الأمة بالمنهج العلمي، منهج النظر في العلوم، أو ما يسمى “فلسفة العلوم” بحيث استطاعت الأمة أخذ العلوم دون أخذ الفلسفات الحاضنة لها من الشرق أو الغرب، وظل المتأثرون بالفلسفات الأخرى قلة قليلة وسط تيار الأمة الكبير.

لكن ثمة إضافة ينبغي التنبه لها، ذلك أن كثيرًا من عبادات الدين وشعائره ونصوص القرآن والسنة كانت ذات دفع مباشر للبحث والتعمق في بعض العلوم، ومن ذلك مثلًا أن التوجه إلى القبلة في الصلاة كان هو الدافع الأكبر وراء بحث المسلمين وتقدمهم في مجالات الفلك والجغرافيا والخرائط لتحديد وجهة الصلاة، كما أن نصوص تفضيل بعض الأطعمة ونصوص التداوي بالعسل والتمر وبعض الأعشاب وآيات القرآن التي تقسم بالتين والزيتون وتصف العسل بأنه شفاء للناس، كان دافعًا وراء بحث المسلمين في الطب والأدوية والنبات والكيمياء.

ويبدو أثر الإسلام أكثر وضوحًا في عدد من العلوم التي ابتكرها المسلمون ولم يُسبقوا إليها، فلقد كان ذلك ضمن مجهودهم لخدمة الشريعة بخدمة نصوصها ضبطًا وتوثيقًا أو فهمًا وتحقيقًا.

الإسهام الأكبر

كانت اليد العظمى التي قدمتها الحضارة الإسلامية للعالم هي اعتماد الطريقة التجريبية العملية كأساس للعلم، وقد كان الأمر قبل ذلك قائمًا على الفلسفة والمنطق والدراسة النظرية، ولم تعد هذه المعلومة موضع شك أو جدل، إذ ما من كتاب أرخ للحضارة الإسلامية إلا وذكر هذا الفضل لها، واعترف بأن أفكار روجر بيكون وفرانسيس بيكون في التأسيس للطريقة التجريبية لم تكن إلا تتلمذًا على مؤلفات المسلمين [2].

ولَكَم كان التجريبيون ساخطون على تراثهم النظري الفلسفي اليوناني وغيره لما سببه من تخلف غربي امتد قرونًا، حتى لنجد فرانسيس بيكون يعتبر الدراسة النظرية كسل وخمول ومجون وتصنع، وكان يكره الرياضيات وهاجم جاليليو وكان معاديًا لأرسطو، وقبله تمنى روجر بيكون لو أحرق كتب أرسطو جميعًا [3].

كان هذا هو الإسهام الأكبر، وأما العلوم ذاتها فإليك نُتَفٌ عنها اجتهدنا في حشدها سريعًا في المساحة المتاحة. وحديثنا في هذا المقال عن العلوم البحتة أو العلوم التطبيقية، فأما ما أسسه المسلمون في العلوم النظرية فآثرنا عدم ذكره الآن، لكن المسلمين أسسوا فيه لعلوم عجيبة مثل علم مصطلح الحديث والجرح والتعديل فبه انفردت الأمة عن غيرها بضبط وتوثيق وتحقيق الأقوال إلى أصحابها، وكعلم الاجتماع وطبائع العمران وغير ذلك، وكذلك أضاف المسلمون إسهامات واسعة في الفكر والفلسفة واللغة والأدب والشعر والتربية والأخلاق والقانون والتشريع والفنون.

علوم ابتكرها المسلمون

ونأخذ منها الكيمياء والميكانيكا والجيولوجيا. فقبل أمة المسلمين لم تكن الكيمياء علمًا بل ضربًا من التخريف، يحلم الإنسان أن يصل إلى المادة التي تخلد الإنسان في الدنيا “إكسير الحياة” أو المادة التي تجعل التراب ذهبًا “إكسير الذهب”، وبهم صارت علمًا وتجربة، فحللوا المواد كيميائيًا وصنفوها إلى أحماض وقلويات واستنبطوا محاليل وعرفوا أحماضًا وركبوا عقاقير وتوصلوا إلى مواد كثيرة مركبة، كما عرفوا تنقية المعادن، وكل ذلك كان فتحًا جديدًا في ساحة العلم، وهو ما مهد لفتح آخر في علم الصيدلة وتركيب الأدوية وتحضير العقاقير وفحص خصائص المواد وآثار اختلاطها.

وفي الميكانيكا -الذي سماه المسلمون “علم الحيل”- كانت إبداعات المسلمين تترى في الاستفادة من قوانين القصور الذاتي والتغذية العكسية، فأبدعوا في صناعة الساعات والتقاويم والروافع وتطبيقات الحركة بعد زمن أو الحركات المتتابعة حتى كان من مخترعاتهم مصباح يسرج نفسه فيخرج فتيلته ويشعل زيته ويواصل عمله دواليك ومنها أيضًا إنسان آلي يساعد على الوضوء وحامل مصحف ينفتح ويغلق بضغطة واحدة وغير هذا كثير.

وفي الجيولوجيا فسر المسلمون ظواهر الزلازل والبراكين والينابيع والسيول والأعاصير والعواصف والمد والجزر، وصنفوا أنواع الصخور والجبال وكيفية تكونها، وأنواع النيازك والأحجار الكريمة، وتحدثوا عن زيت الأرض (النفط) ووسائل التنقيب عنه، وهم أول من تحدثوا عن علم البلورات، وبحثوا في التاريخ الجيولوجي للبلدان (الأحافير وطبقات التربة).

علوم طورها المسلمون

ونأخذ منها الفلك والفيزياء والهندسة والجغرافيا والطب. ففي الفلك كان المسلمون أول من قالوا بدوران الأرض حول نفسها أمام الشمس، واشتهروا بإبداعاتهم في تطوير الاسطرلاب (آلة رصد السماء ومواضع الأجرام فيها) وصناعة أنواع متخصصة ومبتكرة واستعمال ذات الاسطرلاب في فوائد جديد، كما أبدعوا في وضع الأزياج (جداول حسابية لحركة الأجرام السماوية) وتصحيح ما أخطأ فيه سابقوهم، واستطاعوا رصد حركات آلاف الأجرام من النجوم وغيرها واكتشاف عدم الانتظام في حركة القمر، ولذلك عرفت كثير من النجوم بأسمائها العربية مثل سهيل والدب الأكبر والدب الأصغر والجوزاء وغيرها.

وفي الفيزياء طور المسلمون وصححوا قوانين الحركة واكتشفوا الأوزان النوعية والكثافة لكثير من المواد، وهم أول من اكتشفوا أن الهواء مادة وله وزن وكثافة، وكانوا روَّاد علم الصوت إذ قالوا بأنه ينشأ عن اهتزاز جسيمات ويتنقل في هيئة كرية وإذا اصطدم بجبل أو نحوه فذلك سبب الصدى، والمسلمون هم من اكتشفوا قوانين الحركة، والجاذبية وعجلتها (معدل زيادة السرعة)، وعلى أيدي المسلمين قفز علم البصريات قفزات واسعة في جوانب تفسير عملية الإبصار وحركة الضوء في الأوساط المختلفة وتشريح العين ووضعوا الأساس النظري للكاميرا (التي هي تحريف عن اللفظ العربي “القُمْرة”).

وعلى يد المسلمين انتقلت الهندسة من علم نظري رياضي إلى علم تطبيقي عملي، وكان أهم ما أنجزوه في النظريات تصحيحاتهم على علماء اليونان كإقليدس وأرشميدس وحل المعادلات المعقدة بل فتحوا الطريق أمام التفاضل والتكامل، وهم أول من استخدموا الصفر الذي يراه البعض أعظم اكتشاف علمي إذ أمكن به حل المسائل المطولة وبه انفتح باب علمي كبير وهو معرفة الأرقام السالبة، والمسلمون هم من ابتكروا علم الجبر وحلوا معادلات الدرجة الثالثة وأسسوا لعلم الهندسة التحليلية، وابتكروا حساب المثلثات المستوية والكروية، ويحتار الباحث في تصنيف العمارة الإسلامية هل يتحدث عن إبداعها لدى الحديث عن الهندسة أم لدى الحديث عن الفنون، فالفنُّ والهندسة كلاهما تضافرا ليصنعا نهضة معمارية علمية فنية خلابة.

وفي الجغرافيا أثبت المسلمون أن الأرض كروية، وكانت خرائطهم هي الأتم والأدق والأشمل، وهم أول من رسموا أعماق إفريقيا، وأول من قالوا بأن المحيط الهادي يتصل بالهندي ووصفوا طريق رأس الرجاء الصالح، بل إن بعض الخرائط تمثل حتى الآن لغزًا علميًا في دقة وصفها -كخريطة بيري ريس العثماني لسواحل أمريكا الجنوبية- والمسلمون هم أول من قاسوا قطر الكرة الأرضية واكتشفوا وجود الأمريكيتين (العالم الجديد) وهم أول من وضعوا خطوط الطول والعرض على الكرة الأرضية.

وفي الطب كان المسلمون أول من اخترعوا أدوات الجراحة ووضعوا قوانين لها وطرقًا مبتكرة في إجرائها ووضعوا علم المناظير الجراحية، وكانوا أول من عرفوا التخصص الطبي، وكانوا أول من اكتشف كثيرًا من الأمراض وأسسوا لعلم “الطفيليات” وناقلات العدوى، وأول من شرحوا أثر البيئة والأجواء على الأمراض والعلاج، واكتشفوا الدورة الدموية.

والمقام لا يتسع لأكثر من هذا، بل هذا الأمر مما يضيق عنه كل مقام، وما زال القارئ مدعوًا لمطالعة الكتب والأبحاث عن إسهامات المسلمين في علوم النبات والزراعة والري واستنباط المياه ورفعها والتلقيح والهندسة الوراثية وغيرها وغيرها.. ففي كل هذا صفحات تبعث الفخر.

ولكن.. ما فائدة اجترار هذا الآن؟ وكيف تنتفع الأمة بما قد مضى عليه قرون؟! هذا ما سنجيب عنه إن شاء الله في المقال القادم، فنسأل الله العون والتوفيق.

637

المصادر
الكاتب

محمد إلهامي

باحث ومؤرّخ في التاريخ والحضارة الإسلامية، كاتب بعدد من الدوريات العربية ومهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.