هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: Stop shopping global supply chain shipping delays لكاتبته: Amanda Mull في موقع: theatlantic.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

في الآونة الأخيرة، تكررت نفس القصة حول سلسلة التوريد (chain supply)؛ حيث تبدأ في ميناء حاويات أمريكي، ممتلئ بصناديق فولاذية عملاقة محملة بمختلف البضائع. وترقد بعض الحاويات دون حركة لأسابيع أو شهور، في انتظار نقل محتوياتها بالشاحنات إلى مراكز التوزيع. وفي الأفق، تظهر عشرات السفن راسيةً في انتظار دورها في الميناء. ومن ورائها المزيد من السفن التي وصلت حديثا.

ومع أن جميع الموظفين -البحارة وعمال الشحن والتفريغ وموظفي الجمارك وسائقي الشاحنات- يعملون بأسرع ما يمكن، الا أن ذلك ليس كافيًا. فما يمثل أزمة حقيقية بالفعل للأشخاص الذين يعملون في سلسلة التوريد العالمية يمكن أن يتحول إلى أزمة لنا جميعًا؛ حيث إنها ستؤثر في حركة نقل الماء والدواء والغذاء في العالم.

التسوق

منذ أن بدأ الوباء بدأت حركة سلسلة التوريد بالخمول؛ حيث نقصت السلع الاستهلاكية متجاوزةً التوقعات الأولية للمحللين، وفي الوقت الحالي بالنسبة لمعظم أنواع البضائع فإن الأرفف لم تخلُ تمامًا بعد.

ما لا تظهره القصص الإخبارية بشكل عام هو: أين تختفي كل هذه الأشياء؛ فلا يبدو الأمر كما لو أن حجم البضائع الواردة قد انخفض إلى حد كبير؛ بل إن واردات الشهر الماضي[1] في أعلى مستوياتها على الإطلاق، متجاوزةً نفس الفترة من عام 2019 بنسبة 17%، فقد اشترى الأمريكيون كمية غير عادية من الأشياء في الأشهر الستة الماضية على وجه الخصوص؛ مما سبب اهتزاز النظام نتيجة الطلب الهائل.

نظرة سريعة على بيانات بطاقات الائتمان الأمريكية قد تكفي لشرح الفوضى التي نمر بها. بدايةً يشتري الكثير من الناس أشياء لدوافع نفسية محضة كالتوتر أو الملل أو الإحساس بالنقص، مع أنهم لا يحتاجونها ولن يستعملوها أصلًا. هذه النفقات الاستهلاكية، التي تشمل كلًا من الضروريات (الإيجار، الغاز، البقالة) والكماليات التي تمثل حوالي 70% من الاقتصاد الأمريكي، (وفقًا لمكتب إحصاءات العمل Bureau of Labor Statistics). 

لكن هذه النفقات ليست موزعة بالتساوي؛ فعشرون بالمئة من الأشخاص الأكثر ثراءً مسؤولون عمَّا يقرب من أربعين بالمئة من الإنفاق الاستهلاكي للبلاد. وخلال الوباء تفاقم عدم الاتزان هذا أكثر؛ فالحجر الصحي والعمل من المنزل جمَّدا أكثر من تريليونَيْ دولار نقدًا، كان من الممكن أن تنفق في الإجازات أو وجبات المطاعم. وفي المقابل ازداد إنفاق الطبقات المتوسطة والغنية على منتجات التسوق الإلكتروني كالملابس أو الحقائب النسائية أو السيارات أو غيرها من الكماليات.

تكمن مشكلة زيادة هذا النوع من التسوق في أنه يستهلك نفس الموارد المستخدمة في قطاعات اقتصادية أخرى. فمثلًا قد تستهلك السلع اللازمة لإعداد وجبات الغذاء المدرسية لأسباب لا علاقة لها بكمية الطعام المتاحة. فالعمال والشاحنات وأرصفة التحميل والوقت نفسه ليست موارد غير محدودة. وعند ازدحام الطلبات؛ فالمُورِّد سيقدم من يستورد طرود الحقائب النسائية على مستورد حاويات الطعام التي تستخدم في وجبات المدارس، إنْ كان الأول يدفع أكثر لتمرير بضاعته. حاليًّا يتم توزيع هذه الموارد اعتمادًا على معايير أخرى غير الربح، مثل أهمية الشيء في حياة المواطنين اليومية أو كون الكثير من الناس يحتاجونه. تغيير الأولويات هذا يندر حدوثه في غير أوقات الطوارئ أو المصائب.

حصل أيضًا تغاضٍ من قبل المسؤولين لبعض نقاط الضعف على طول مراحل النقل الموجودة حتى قبل الوباء؛ مثل المشاكل التي يتعرض لها سائقو شاحنات النقل من سوء ظروف العمل وقلة الرواتب. وكل ما حدث هو أن طالبت الحكومة المواطنين بأن ينفقوا المزيد من الأموال لتحريك الاقتصاد الراكد.

وطبعًا انصاع المواطن الأمريكي لهذه الطلبات؛ فالاستهلاك أصبح نوعًا من المسؤولية الوطنية بالنسبة للشعب الأمريكي. ووفقًا لـ”تيم كاسر” (عالم النفس الذي أمضى عقودًا في دراسة المادية والاستهلاكية) فإن كلمة “مواطن” تم استبدالها ببطء بكلمة “مستهلك” في الصحف والكتب؛ فقد اختزلت وظيفة المواطنة في الاستهلاكية، والتسوق لم يعد مجرد نشاط لتأمين حاجيات الحياة بل صار تعبيرًا عن الهوية الشخصية ونوعًا من أنواع الترفيه، بل نوعًا من أنواع المشاركة السياسية بدعم أو مقاطعة الشركات والمحال باعتبار مواقفهم السياسية من القضايا الاجتماعية. وترى هذا منعكسًا على الحملات الإعلامية للشركات الكبرى.

يشير “تيم كاسر” أيضًا إلى أن ميل الشخص نحو المادية -التي يعرِّفها على أنها “مجموعة من القيم والأهداف التي تركز على الثروة والممتلكات والصورة والمكانة”- يزداد عندما يشعر بالتهديد أو عدم الأمان أو عدم اليقين من نفسه. وقد أظهرت الأبحاث أن التهديدات على مستوى المجتمع يمكن أن تعيد إنتاج هذا التأثير على نطاق أوسع يشمل كل المجتمع. ومع قيام الوباء ببعثرة الروتين اليومي للناس، وفصلهم عن العادات والعلاقات التي يبنون عليها تصوراتهم الذاتية لأنفسهم، أصبح الناس يخشون على حياتهم. وذلك حفز أصحاب الثروات المتوسطة إلى التسوق لشراء أشياء لا يحتاجونها لمحاولة سد فجوة النقص في حياتهم وأعاد الإحساس بالأمان إليها.

يوحي هيكل النزعة الاستهلاكية الأمريكية أن شراء المزيد من الأشياء هو الطريقة الأساسية التي يمكن لمعظم الناس من خلالها التعامل مع القلق وفقدان الأمان. وكما يقول “كاسر”:

منطق النظام يستدعي من الناس الإيمان أن المهم في الحياة هو كسب الكثير من المال وشراء الكثير من الأشياء.

وبمجرد الاعتياد على ذلك فإن من الصعب جدًا تغيير معتقداتك.

قد توفر حالة الوباء هذه للناس فرصةً نادرةً أن تكون متنفسًا جماعيًّا لإعادة تقييم وتنظيم حيواتهم؛ وهي عملية صعبة لكن غير مستحيلة. وقد وجد “كاسر” أن النظر في واقعنا الحياتي وتقييم معيشتنا اليومية يؤدي بالعادة إلى الابتعاد عن الابتذالات المادية، ويساهم في تحسين العلاقات العائلية.

قد يكون هذا هو الوقت المناسب للحد من شراء الكماليات التي لا تحتاجها فعلًا؛ كي تفسح المجال للطلبات التي يحتاج إليها الناس، فبينما تشق أمريكا طريقها عبر مشاكل سلسلة التوريد التي طال أمدها، يمكننا أن نأخذ نظرة واقعية بما فعله التسوق المفرط باستمرار للبلد وحياتنا.

المبدأ المركزي لأمريكا هو الاستهلاك التلقائي غير المدروس. لكن يمكن لأي أحد منا أن يرتب أولوياته، ويحد من إسرافه لعل ذلك يكون كافيًا لمنع الانهيار القادم.

171

المصادر
الكاتب

أحمد مصطفى

مسلم أرجو من الله الهداية واتباع الحق.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.