هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: Social Media Isn’t the Problem… We Are لكاتبته: MARK MANSON في موقع: markmanson.net. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

عندما كنت صغيرًا اشتعلت قضية هامة شغلت المدارس والكنائس وحتى الكونجرس الأمريكي فأخذوا يتناقشون فيها. هل الموسيقى التي أستمع إليها وأبناء جيلي شيطانية الأصل؟

أذكر أن صديقًا لي أجبرته أمه على التخلص من كل شرائط فرقة (Metallica) التي كانت بحوزته، كما أذكر أنني حين طلبت من أمي شراء ألبوم (Pantera) الجديد كنت أخفي عنها ملصقات موضوعة على الألبوم لتحذير الأهالي من محتواها. وأذكر أيضًا أن أبي كسر أسطوانة عليها أغنية لفرقة كانت شهيرة حينها إذ أدرك الفحش الشنيع في كلماتها.

وبمرور الوقت ووصولي سن المراهقة، وجدت أن البالغين قد انتقلوا من الثورة على الموسيقى بذيئة الكلمات إلى ألعاب الفيديو المليئة بالعنف، وقد وصل تشنيعهم لهذه الألعاب إلى منتهاه إثر مذبحة كولومبيا عام 1999 .(1)

لم يكن شائعًا حينها أن تسمع عن حادثة قتل في مدرسة بعيار ناري، فكان متوقعًا أن يعزو المجتمع هذا العمل الذي لا يمكن تفسيره إلى لون الترفيه الجديد والذي لم يمكن تفسير انتشاره أيضًا في هذا الوقت، خصوصًا لتشارك الطرفين في العنف ظاهريًا.

أما الآن فإننا نهزأ بتسريحات شعر فرق الميتال (2) ونعدها مجرد مزاح عابر، كما أن نظرتنا لـِ (هيب هوب) (3) اختلفت تمامًا، فبعدما كان المجتمع مصدومًا لنشأتها، صارت الآن ركيزة من ركائز الثقافة الأمريكية المعاصرة. ثم إن جمعية علم النفس الأمريكية قد أجرت مئات الأبحاث للبت في قضية ارتباط ألعاب الفيديو بجرائم العنف فلم تجد أي دليل يثبت وجود هذا الارتباط.

لقد زال قلقنا تجاه هذه الأشياء بعينها بمرور الوقت، فما كان جديدًا فجًا حينها أمسى قديمًا معتادًا، إلا أننا ما زلنا نواجه نفس المشكلة وما زلنا نقلق بسبب كل ظاهرة جديدة، والظاهرة الجديدة هذه الأيام هي وسائل التواصل الاجتماعي. لنبدأ إذًا:

مجرم العصر

تغيرت العصور ولم تتغير تصرفات الناس، فنرى في جريدة (The Atlantic) عنوانًا يقول “هل قضت الهواتف الذكية على جيل كامل؟” ونجد في مجلة (Bloomberg Businessweek) عنوانًا آخر يقول “إن وسائل التواصل الاجتماعي ستسلبك طفولتك” كما نجد الكاتب (جارون لانير) في كتابه المسمى (10 أسباب تجعلك تحذف حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي فورًا) يقول: “إننا ننوّم مغناطيسيًا من قبل تقنيين لا نراهم لأهداف لا نعرفها. لقد أصبحنا فئران تجارب.” كما غالى (كال نيوبورت) -وهو بروفيسور جامعي في (جورج تاون) ومؤلف أحد أكثر الكتب مبيعًا في قائمة (New York Times)-  فنجده يصف شركات التقنية الكبرى بأنها “كشركات صناعة السجائر تبيع موادًا مسببة للإدمان إلى الأطفال.”

إلا أن أكثر من استغرق في هذه الهستيريا هي شركة (Netflix) في فيلمها (The Social Dilemma). إن هذا الفيلم يصنف على أنه وثائقي، لكنني لا أصفه بهذا الوصف لأن الفيلم خال تمامًا من أي بيانات أو أدلة علمية بل يستعيض عنهما “بخبراء” تقنيين يلوكون نفس الكلمات ويعرضون نفس الرأي لمدة 94 دقيقة بدون أي معارضة.

إن الفيلم يشابه خطابات (دونالد ترامب) حيث يتهم الجميع بالجرائم التي يرتكبها هو بنفسه.

لم يعرضوا في الفيلم أي معارضة لرأيهم، رغم أن الكاتب التقني والمدافع عن وسائل التواصل الاجتماعي (Nir Eyal)  أخبرني أنهم أجروا معه مقابلة مدتها ثلاث ساعات لكنهم لم يعرضوا منها دقيقة واحدة في الفيلم، كما فعلوا نفس الشيء مع (Jonathan Haidt) فلم يعرضوا من مقابلته إلا عشر ثوان فقط.

ناهيك عن تجاهلهم لكل رأي معارض، فإن الفيلم يغرقك بقصص متخيلة بشعة ليصور لك كيف تفسد وسائل التواصل الاجتماعي عائلتك، فيعرض لك فتى بائسًا تصيبه فيديوهات يوتيوب بالاكتئاب ثم تدفعه لتبني معتقد سياسي متطرف، ثم يعرض لك فتاة مستغرقة في مشاكل نفسية حيال شكلها وشعور دائم بانعدام الأمان بسبب تطبيق يشبه الانستاجرام، وبعدها يعرض لك عائلة لا تستطيع التواصل فيما بينها بسبب قطع الهواتف الذكية لتواصلاتهم، ويختم أخيرًا بعرض الخوارزميات العبقرية إذ يضحكون ضحكتهم الشريرة وهم يحددون أي إعلان يناسبك (أنا جاد، هذا من محتوى الفيلم حقًا).

لماذا إذًا يستخدم الفيلم هذه السيناريوهات المبتذلة والادعاءات المبالغ فيها؟ حتى يجذب انتباهك ويستديم ذلك بتصوير شخص شرير يسعى لإيذائك مع كل ما تحمله هذه الصورة من ادعاءات هيستيرية مشبعة بالبارانويا.

ألا يذكرك هذا بترامب؟

يقول (كارل يونج) أننا ننتقد في الآخرين ما نكره من أنفسنا. وهذا ينطبق بشكل مثير للسخرية على نتفلكس -عملاقة الخوارزميات الإدمانية- حين مولت فيلمًا وثائقيًا طويلًا لتنتقد فيه كل الخوارزميات الأخرى المسببة للإدمان ورميها بالشر.

إننا نلوم وسائل التواصل الاجتماعي على كل مرض اجتماعي أصبنا به في الآونة الأخيرة، وأنا أتفهم هذا، فقضاء عشر دقائق على الفيسبوك تجعلك تبغض البشرية حتى النخاع، وهو ما أغراني من قبل للانضمام إلى صفوف المعادين لوسائل التواصل الاجتماعي وسب شركات التقنية الكبرى حتى أرضى. لكن المشكلة في كثرة البيانات بهذا الشأن.

فقد أجريت بحوث كثيرة عن وسائل التواصل الاجتماعي وآثارها على الناس: كيف تؤثر على البالغين، وكيف تؤثر على الأطفال، وكيف تؤثر على السياسة وحالتك المزاجية وثقتك في نفسك وسعادتك؟

ربما فاجأتك نتائج هذه البحوث؛ فهي تخبرنا أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست سبب هذه المشاكل، بل نحن.

ثلاثة مساوئ مشهورة وباطلة لنقد وسائل التواصل الاجتماعي

النقد الأول: وسائل التواصل الاجتماعي تضر بالصحة النفسية

لقد شهدنا خلال العشرين سنة السابقة زيادة مرعبة في معدلات الانتحار والاكتئاب والقلق المرضيّ وخصوصًا في الشباب، لكن الربط بين هذه المشاكل ووسائل التواصل الاجتماعي ليس بهذا الجلاء والوضوح.

إن أغلب الأبحاث العلمية التي تخيفنا بشأن استخدام وسائل التواصل الاجتماعية تنتمي لفئة الأبحاث الارتباطية، وهذا يعني أن كل ما يفعله الباحثون هو النظر إلى المدة التي يقضيها الناس على وسائل التواصل الاجتماعي ثم يتساءلون: “هل هؤلاء الناس مصابون باكتئاب أو قلق؟”، وبعد ذلك ينظرون إلى الفئة التي تتصفح الفيسبوك مثلًا بمعدلات جنونية ويتساءلون: “هل هؤلاء الناس مصابون باكتئاب أو قلق؟” وغالبًا ما تظهر الأبحاث أن نعم، من يفعل هذا يتبين أنه مكتئب.

وهاك مثالًا؛ فقد أجريت دراسة عام 2018 للبحث في مدى ارتباط المدة التي يتصفح فيها الناس وسائل التواصل الاجتماعي ومدى ظهور أعراض الاكتئاب عليهم وعدد مرات محاولتهم الانتحار. وكانت النتيجة مثلها مثل الكثير من الأبحاث الأخرى: كثرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي = الكثير من المراهقين المكتئبين.

مخيف أليس كذلك؟

إن المشكلة مع هذه الأبحاث أنها تضعك في معضلة تشبه معضلة الدجاجة والبيضة، أيهما جاء أولًا؟ هل تتسبب وسائل التواصل الاجتماعي في جعل الأطفال أكثر عرضة للاكتئاب؟ أم أن الصبية المصابين بالاكتئاب بالفعل يميلون بسبب اكتئابهم إلى الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟

لهذا علينا أن نسلم بمحدودية الأبحاث الارتباطية، فكل ما تفعله هو أنها تخبرك أن هناك ظاهرتين تحدثان في نفس الوقت، ولا تخبرك إذا ما كانا مرتبطين أم لا، فمثلًا تشير أبحاث من نفس النوع إلى أن معدلات الطلاق في ولاية (مين) مرتبطة باستهلاك أهلها للسمن النباتي. لكن لا يدعي أحد أن السمن النباتي هو السبب الرئيسي للطلاق في هذه الولاية!

حقيقة الأمر أن الأبحاث الارتباطية أبحاث ضعيفة، فهي شديدة البساطة وقليلة الفائدة، فلماذا إذًا يستخدمها الباحثون؟

يستخدمونها لسهولتها. فمن اليسير جدًا أن تجمع مئات الأطفال وتسألهم عن استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي ثم تسألهم إذا ما كانوا يشعرون بالاكتئاب أو القلق، وبعدها يكفيك أن تجمع هذه البيانات في رسم بياني. الأصعب من ذلك بكثير هو أن تجمع آلاف الأطفال وتتبعهم لمدة عشر سنين فتلاحظ مدى تغير حالاتهم المزاجية مقارنة باستخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي على مدار هذه السنوات العشر. وهذه الوسيلة الصعبة هي القادرة على تحديد إذا ما كانت وسائل التواصل الاجتماعي تسبب مشاكل نفسية حقًا أم لا.

لقد أجرى باحثون آخرون لديهم ما يكفي من الوقت والمال هذه الأبحاث المطولة ووجدوا الآتي:

أجرى باحثون في جامعة (Birgham Young) بحثًا تتبعوا ودرسوا فيه الصحة النفسية لعينة مكونة من خمسمائة فرد وكذلك استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي، وتراوحت أعمارهم بين 13 و20 عامًا. بدأ بحثهم عام 2009 وانتهى عام 2017 ووجدوا فيه أن أكثر من نصف أفراد العينة يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يومي، وكثير منهم استخدموها مدة لا تقل عن الساعة يوميًا.  وبعد ثمانية أعوام من دراستهم لم يستطع الباحثون إيجاد أي علاقة بين الاكتئاب أو القلق واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد أجريت دراسة مشابهة في فنلندا، حيث تتبع الباحثون 2891 بالغ وبالغة من عام 2014 إلى عام 2020: وعلى غرار البحث السابق، لم يجدوا أي رابط بين الاكتئاب أو القلق واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

– وأجريت دراسة مماثلة على 600 من طلاب الثانوية والجامعات في كندا فوجدوا أيضًا أن تتبع معدلات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن الاستفادة منها في توقع الاكتئاب ولا أعراضه.

لكن ماذا عن الـ (FOMO)؟ (4) وماذا عن المطاردات الإلكترونية على الفيسبوك؟ وماذا عن الحسد الذي يعتمر قلوبنا حين نرى روعة الحياة التي يحياها أصدقاؤنا؟

أجريت دراسة ألمانية على 514 فرد على مدار عام واكتشفت أن المصابين بالاكتئاب أو القلق أكثر عرضة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للمطاردة الإلكترونية أو الاستغراق في حسد الآخرين. وهو ما أشارت إليه الدراسة الكندية السابق ذكرها حيث اكتشفت أن ظهور أعراض الاكتئاب في الفتيات يجعلنا قادرين على التنبؤ بتغيرات استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي، ولهذا صار الباحثون يميلون إلى الرأي القائل أن الاكتئاب والقلق هما من يدفعان بالمصابين بهما إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بهذه الأساليب البشعة، فلا تلام وسائل التواصل الاجتماعي على هذه السلوكيات.

ولأبسط عليك الأمر: الأبحاث تصرخ قائلة “البيضة جاءت قبل الدجاجة”، فالاكتئاب والقلق (البيضة) هما اللذان يسببان زيادة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مرضي (الدجاجة)، وطالما أن عقلك مشبع “بالبيض” فتسجد نفسك أكثر عرضة لمتابعة صور طواويس وسائل التواصل الاجتماعي الحمقى والنرجسيين، وستجد نفسك تكنّ لهم الحقد وتحسدهم أكثر من غيرك.

كما أن هناك دراسات ربما لم تسمع عنها من قبل، كدراسة أجريت عام 2012 اكتشفت أن النشر على الفيسبوك يقلل من شعور المرء بالوحدة، وأخرى نشرت هذا العام تخبرنا أن نشاطك على منصة تويتر قد يكون له أثر إيجابي على سعادتك، ودراسة ثالثة اكتشفت أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بمعدلات تفوق المتوسط يخفف من أعراض الاكتئاب والقلق.

إن الأجيال التي شهدت ولادة وسائل التواصل الاجتماعي تدرك قدرها، إذ جعلتك على اتصال بكل من تعرف وبأسلوب لم يسبق له مثيل، وهذه المزية وأمثالها صاروا من بديهيات حياتنا التي ما عدنا نقدرها قدرها.

ولتعلم أننا انشغلنا عن تقديرها قدرها بسبب دخول السياسة في ساحات التواصل الاجتماعي خلال العقد السابق.

النقد الثاني: تتسبب وسائل التواصل الاجتماعي في انتماء البعض لتيارت سياسية متطرفة

لقد ازدادت أعداد الحركات الشعبوية في كل بقاع العالم خلال العقد السابق، كما شهدنا زيادة في أعداد الثورات وأحجامها، وصارت الجماهير تتبنى نظريات مؤامرة أكثر، والأسوأ أن شهدنا خلال العقد السابق الكثير والكثير من جدالات تويتر البغيضة. ولأن أغلب العراكات السياسية تحدث على وسائل التواصل الاجتماعي فمن المنطقي أن نفترض أن السبب فيها هو وسائل التواصل الاجتماعي نفسها.

لكننا نعلم ثلاث حقائق تبطل هذه الدعوة وتبرئ وسائل التواصل الاجتماعي:

  • نجد دراسات قد أثبتت أن الاستقطاب السياسي منتشر أكثر في الأجيال كبيرة السن وجلي أن استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي أقل من غيرهم، بل قد اكتشفت الدراسة أن الأجيال الشابة تميل أكثر للنظريات المعتدلة، وهم الفئات الأكثر استخدامًا لوسائل التواصل الاجتماعي.
  • بدأت نسب الاستقطاب في الزيادة داخل وخارج الولايات المتحدة بداية من عام 1970، أي قبل اختراع الإنترنت.
  • ليست زيادة الاستقطاب ظاهرة عالمية، بل إن بعض الدول شهدت انخفاضًا في نسبه خلال العقود السابقة.
  • لو بحثت لوجدت أسبابًا عديدة تفسر زيادة الاستقطاب السياسي والشعبوية ولا تتضمن ذكرًا لوسائل التواصل الاجتماعي. هاك بعض الأمثلة: أكثرها جلاءً هو الزيادة الواضحة في التباين في الدخل بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. وبعده التباين في قدرة نفس الطبقات على الحصول على مستوى تعليمي ملائم، ثم زيادة أعداد المهاجرين وتنوع الثقافات وكذلك العولمة مع ثبوت مستويات الدخل وهلم جرًا.

لكن هذا لا يرد عن وسائل التواصل الاجتماعي تهمة نشر المعلومات الزائفة وانتشار نظريات المؤامرة، فما الجواب عليهما؟

تشير الأبحاث إلى أن أغلب الناس لا يصدقون الأخبار الزائفة رغم انتشارها هذا، بل إن أغلب هذه الأخبار لا تنتشر بسبب مصداقيتها وإنما لأن الناس يتمارون بها مع أصدقائهم. نعم، أعلم أن البشر حمقى.

بل إن أبحاثًا أخرى تشير إلى أن أغلب هذه الأخبار الزائفة لا تنشأ على وسائل التواصل الاجتماعي وإنما على قنوات التلفاز الإخبارية.

وهذا منطقي جدًا، فالأخبار الزائفة ليست بالشيء الجديد، بل إننا بالعودة بالزمن للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر لوجدنا أشخاصًا ينشرون جرائد ومنشورات يذيعون فيها إشاعات بشعة عن خصومهم السياسيين. مثلًا تجد جريدة أصدرت عام 1790، قد مولها (Thomas Jefferson) وكتب في إحدى صفحاتها أن (George Washington) قد عزم على تنصيب نفسه ملكًا على الجمهورية الأمريكية الوليدة. وبعدها تجد ادعاءات أثناء الحرب الأهلية تتهم جرائد من الجنوب (Abraham Lincoln) بعزمه على القضاء على العبودية وأنه لن يتوقف عند هذا الحد، بل سيجبر البيض والسود على التزاوج فيما بينهم.

أما بالنسبة للتطرف السياسي، فلا نحتاج لكثير نظر ولا استدلال قبل أن نستنتج أن وجود التطرف السياسي هو القاعدة العامة وليس حالة شاذة عابرة. كيف نسينا الفزع الأحمر (5) وأفعال (McCarthyism) في الخمسينات؟ وبعدها في السبعينات تفجيرات اليساريين الثوريين وآثارها الفادحة على المباني الحكومية والجامعات؟ وقبلهما سجن الاشتراكيين في العشرينات لا لشيء سوى انتمائهم السياسي؟ لا جديد في أي من هذا العبث.

النقد الثالث: تتربح الشركات التقنية الكبرى من هذه الفوضى

إن الجميع يلقي باللوم على الشركات التقنية الكبرى في وادي السيليكون، ابتداءً بمواطني الطبقة المتوسطة المكافحين ومرورًا بالسياسيين وانتهاءً بالفنانين. بل إن (Mark Zuckerberg) قد استدعي للمثول أمام الكونجرس أربع مرات خلال الأعوام القليلة السابقة، وما زلت حتى الآن لا أفهم السبب. وكذلك كبراء مدراء الشركات الكبرى مثل آبل وتويتر وجوجل ومايكروسوفت، فقد استدعوا جميعًا إلى واشنطن حيث تم صلبهم مجازيًا من أجل إرضاء العامة.

إن اعتقاد الناس الذي تقوم عليه هذه الأفعال هو أن وسائل التواصل الاجتماعي تمزق نسيج المجتمع، والشركات التقنية الكبرى الجشعة تتربح من ذلك في سعادة.

إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تدمر المجتمع بأي شكل من الأشكال والشركات التقنية لا تتربح من المشاكل المجتمعية بل إنها تنفق أموالًا طائلة في محاولة حلها.

إن هذه الشركات تنفق مليارات الدولارات ساعية لطمس المعلومات الزائفة ومحاربة نظريات المؤامرة. بل إن دراسة حديثة أقيمت للإجابة عن سؤال “هل تساعد خوارزميات جوجل على نشر محتوى الفكر اليميني المتطرف؟” وجدت أن العكس هو الصحيح؛ فخوارزميات يوتيوب تعين على نشر المواقع الإخبارية الموثوقة والسائدة أكثر من غيرها رغم أنها ليست مبرمجة لفعل ذلك.

وعلى غرار ذلك نجد أن فيسبوك قد حظروا مئات آلاف المروجين لنظريات المؤامرة والمجموعات الإرهابية (6) في العام الماضي، وهذا ضمن حملة شنوها لتنظيف منصتهم، بل قد وظفوا 10000 موظف جديد خلال العامين السابقين، وأعطوهم مهمة وحيدة وهي مراجعة المحتوى المعروض بحثًا عن العنف أو المعلومات الزائفة. كما أنهم قد صاروا في منتهى الشراسة إزاء حظر الحسابات الإعلانية في العام السابق وقبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية مما أدى إلى حظر حسابات إعلانية مئات وآلاف الشركات وبدون تفسير.

إن فيسبوك لا يتربحون من المعلومات الزائفة بل على النقيض ينفقون الكثير سعيًا لتنظيف موقعهم منها. وبغض النظر عن موقفك من سياساتهم أو قراراتهم التحريرية، فإنك لا تستطيع الادعاء بأنهم لا يفعلون شيئًا حيال هذه الأمور.

لكن في الأمر مؤامرة ما بالضرورة، أليس كذلك؟

عندما كنت في الثانوية وفي عشية أحد أعياد الفصح، أخذ ابن عمي (جايمس) يثرثر بشأن شيء يدعى”Y2K” . شرح ما يقصد بقوله إن جميع حواسيب العالم مبرمجة للتعامل مع التواريخ البادئة بـِ 1900 فقط، وليست معدة للتعامل مع سواها من الأعوام، وبدخول العام 2000 فإننا بهذا بصدد مشكلة على وشك الحدوث. أكثر من الثرثرة وتوصل في النهاية إلى أن جميع الحواسيب في البنوك والحكومات والحواسيب المسؤولة عن إدارة الكهرباء وشتى الشؤون ستتعطل في نفس اللحظة على رأس هذه السنة، وبهذا تبدأ نهاية العالم.

أخذت عائلتي تحدق فيه مذعورة، فأخذ بعضهم يستفسر منه بهدوء عن الأمر لكن معظمنا كان مشوشًا بسبب الأمر لا أكثر. بعدها أخذ (جايمس) يسرد علينا ما يجب عمله في هذه الأسابيع الخمسة المتبقية على رأس السنة وأعد لنا قائمة بدأها بشراء طعام معلب وزجاجات مياه بقيمة آلاف الدولارات، ثم نشتري أو نستأجر ملكية توجد تحت الأرض، وبعدها نشتري أسلحة وعدة هذه الأسلحة وسبائك ذهب ثم نحفر قبوًا أو نصادق من يمتلكون قبوًا لنسكن فيه أثناء الجائحة.

سرعان ما بدأ أفراد عائلتي بإخبار ابن عمي أنه أحمق مختل، فانزعج لرد الفعل هذا وقال إنه لم يكن يريد إلا مصلحتنا. بعدها غير البالغون الموضوع للحديث عن وصفة لطبخ اللحم أو ما شابه.

لم يسمع أي منا عن أمر الـ “Y2K” هذا ولم يشتر أي منا طعامًا معلبًا ولا حتى (جايمس) ولا اشترى زجاجات مياه ولا حفر لنفسه قبوًا في صحراء تكساس. نعم حدثت بعض المشاكل الطفيفة بسبب اختلاف التاريخ لكن تم التعامل معها كلها قبل حلول منتصف الليل من الليلة الموعودة، فلم تحدث أي جائحة، ولم نواجه أي مشكلة. احتفل الناس هذا العام كاحتفالهم في كل عام، وصارت مسألة “Y2K” هذه مزحة يلقيها من يتذكرها منا.

لقد كانت نظريات المؤامرة هذه منتشرة في التسعينات كما هو الحال الآن، لكن الفارق بين نظريات التسعينات ونظريات اليوم هو أن الشبكات الاجتماعية الموجودة في التسعينات كانت تئد هذه النظريات في مهدها، كما فعلت عائلتي مع نظرية (جايمس) وهو ما منع انتشار نظريته.

إلا أن من يريد نشر نظرية من أمثال هذه النظرية في عصرنا هذا، فسيجد على الإنترنت منتديات ومجموعات فيسبوك وغرف في كلوب هاوس حيث يجتمع كل المؤمنين بنظرية “Y2K” ويقضون وقتهم في التفاعل والتصديق على أقوال بعضهم البعض وكلهم موقن أن العالم سيؤول إلى نهايته قريبًا.

في هذه الحالة، لا يسعنا إلقاء اللوم على الفيسبوك في إنشاء نظرية “Y2K” وما شابهها، لكن المنصة وفرت لهؤلاء المخبولين كما وفرت لغيرهم فرصة التواصل والالتقاء بمن يشبههم، وهذا هو عمل المنصة سواء كان هذا بداعي الخير أو الشر.

متى ما وجد هؤلاء المخبولون من يشبههم ومتى ما تواصلوا فإنهم يجدون محفزًا للنشر والتفاعل مع الآخرين بشأن الأفكار المخبولة التي يتشاركون فيها. فكر في الأمر قليلًا، فلم يفكر أي منا بهذا الشأن في احتفال رأس السنة هذا العام إلا ابن عمي الذي أخذ يثرثر ويحتكر كل النقاشات لمدة تبلغ الساعة وتزيد.

إن اختلافنا معه في الأفكار هام جدًا، إذ كلما كانت معتقداته أكثر تطرفًا وسلبية كان هو محفزًا أكثر للحديث عنها ومشاركتها مع الآخرين، فإذا أتيحت له فرصة التواصل مع من يفهمونه ومشاركة أفكاره مع جمهور كامل له على منصة واحدة، فلا عجب حينها أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه.

قاعدة 90/9/1

قد سبق وكتبت عن مبدأ يدعى (مبدأ باريتو) أو (قاعدة 80/20) تنص هذه “القاعدة” على أن 80% من النتائج تحدث بسبب 20% فقط من العمليات، وبالمثال يتضح المقال. مثلًا: 80% من أرباح شركة معينة قائم على مشتريات 20% فقط من عملاء هذه الشركة المخلصين، ومثلًا: تقضي 80% من أوقات اجتماعك مع معارفك مع 20% فقط من هؤلاء المعارف، ومثلًا: 80% من حوادث الطرق تحدث بسبب 20% فقط ممن يقودون السيارات، ومثال أخير: ترتكب 80% من الجرائم بأيدي 20% فقط من الناس.

ملحوظة: إن قاعدة 80/20 هذه لا يلزم لأن تتحقق بهذين الرقمين تحديدًا في كل شأن، لكن مبدأ أن أغلب النتائج تحدث بسبب فئة صغيرة من المعطيات متحقق دومًا.

وقد وجد دارسو الشبكات الاجتماعية والمجتمعات الموجودة على الإنترنت (المجتمعات الشبكية) أن المعلومات الموجودة على الإنترنت تخضع لقاعدة مشابهة لقاعدة 80/20، وقد سموا قاعدتهم هذه باسم (قاعدة 90/9/1).

وقاعدة 90/9/1 هذه تخبرنا أن 1% من مستخدمي الشبكات الاجتماعية وأعضاء المجتمعات الشبكية ينتجون 90% من محتواها، وأن 9% من الأعضاء والمستخدمين ينتجون 10%، وأن بقية الأعضاء وهم 90% منهم جميعًا يتابعون في صمت بلا صناعة محتوى ولا مشاركة.

سنلقب نسبة 1% التي تنتج 90% من المحتوى باسم “صانعي المحتوى”. ثم نلقب نسبة 9% الذين ينتجون 10% من المحتوى باسم “المتفاعلين” لأن أغلب ما ينتجون ليس إلا تفاعلًا مع ما ينتجه صانعو المحتوى. وأخيرًا نلقب نسبة 90% باسم “المتابعين في صمت”.

تشير الدراسات المعنية بمواقع التواصل الاجتماعي إلى أن الناس لا ينشرون إلا عن مواضيع تهمهم جدًا، مثل يوم الزفاف وأعياد ميلاد الأطفال ونظريات المؤامرة العالمية التي ستقضي على العرق البشري. وهذا يعني أن صانعي المحتوى يهتمون اهتمامًا عميقًا بما ينشرون من محتوى أو أن هذا المحتوى يمثل جزءًا أصيلًا من حياتهم.

أما المتفاعلون فيلتفون حول أي صانع محتوى يحبونه ويشعرون أنه يشبههم؛ وذلك لأن صانعي المحتوى (أو “الانفلونسرز Influencers” كما يسمون الآن) يجسدون أفكار وقيم المتفاعلين، ويعبرون عنها بأسلوب أفضل من المتفاعل نفسه. فالمتفاعلون إذًا هم من يريدون أن يعبروا عن أنفسهم كما يفعل صانعو المحتوى/المؤثرون لكن ينقصهم الوقت أو الطاقة أو الشجاعة أو الموهبة، ولذلك تجد أن المتفاعلين يجتمعون على صانعي محتوى فيعظمونهم ويدعمونهم بل ويدافعون عنهم في مواجهة أي مهاجم لهم.

أما المتابعون في صمت فهم أناس مشغولون، ولا يسهل خداعهم وتضليلهم فهم شديدو الريبة والشك. فلن يكترث أحدهم لتعليقاتك لأنه مشغول بتغيير حفاضات طفله أو إعداد عشائه، وليس الأمر وكأن المحتوى المعروض ذو قيمة ستغير له حياته.

وبهذا يتبين لنا أن ديناميكية الشبكات الاجتماعية تعمل وفقًا لمقولة (برتراند راسل) في مرثيته:

إن مشكلتنا في هذا العالم هو يقين الحمقى والسفهاء وشك أهل العلم والحكماء.

فصانعو المحتوى من فئة الحمقى والسفهاء بيقينهم هذا مثل ابن عمي (جايمس) حين ينظر لنهاية العالم على الإنترنت. هؤلاء هم الآمرون الناهون على الإنترنت وهم المنظرون لأخلاقياته والمبشرون بنهاية العالم عليه. إن لوغاريتمات المنصات الاجتماعية لا تصدر لنا هؤلاء الأشخاص، إنما تفضلهم نفسياتنا البشرية ثم تأتي الخوارزميات فترى هذا وتصدر لنا ما نفضل.

أما المتابعون في صمت (تذكر أن نسبتهم 90%) وهم العقلانيون الذين يعسر إقناعهم، فيجدون أن قضاء وقت الظهيرة في جدال على الفيسبوك نشاط بلا معنى، وبسبب شكهم في ما يصدقون من الأمور فدائمًا ما يتركون لأنفسهم مساحة النفاذ إلى آراء أخرى، ولهذا فإنهم يتجنبون النشر عن أمور ليسوا على يقين تام منها.

وكنتيجة لذلك فإن معتقدات غالبية الناس لا تنشر ولا ينتبه لها أحد وتكاد لا تؤثر على ثقافة شعوبهم برمتها. فلذلك تحول الإنترنت إلى هذا العالم المتخيل والمخالف للواقع بل والمناقض له في أحيان كثيرة.

فالمشاكل الشاغلة للفئات القليلة كثيرة النشر هي أكثر المشاكل التي تناقش في الساحة، ومثلًا لو تتذكر ما حدث العام الماضي حين كثر الجدال على تويتر حيال “حمامات الشواذ جنسيًا” كما كان كالنار في الهشيم على القنوات التليفزيونية حتى أدى في النهاية إلى “إلغاء الكاتبة (ج. ك. رولنج)” (7)، وهذه مشكلة لا تهم إلا فئة المثليين جنسيًا ونسبتهم في الولايات المتحدة الأمريكية بالكاد تساوي 0.5% من عدد سكان الولايات. وعلى نقيض ذلك تجد أن المشاكل التي تؤثر على الغالبية العظمي من السكان مثل البنية التحتية والرعاية الصحية والتشرد والصحة النفسية، تجد أن كل هذه المشاكل لا تكاد تحظى بأي اهتمام ولا نقاش.

ولأن وجهات النظر المتطرفة وغير المعتادة تؤثر بهذه الشدة على وسائل التواصل الاجتماعي فغالبًا ما يظن الناس أنها معتادة وطبيعية. مثلًا تجد أن أغلب الأمريكيين يلتزمون بالقوانين الملزمة بارتداء الكمامات الطبية، إلا أن النظرة الغالبة في المجتمع توحي بأن الممتنعين عن ارتداء الكمامات أكثر بكثير من غيرهم. وهاك مثالًا آخر؛ فأغلب الناس الآن يظنون أن الأجيال الشابة منتبهون لما يجري على الساحة الاجتماعية ويتبنون النظرية العرقية النقدية (8) في حين تثبت لنا الأبحاث الاستطلاعية أن من يتبنون هذه النظرية فئة ضئيلة جدًا في كل الطبقات المجتمعية.

إن ميل الناس للتشاؤم المبالغ فيه نابع عن ميل صانعي المحتوى للتشاؤم المبالغ فيه والتبشير بنهاية العالم الوشيكة. وتشير الأبحاث الاستطلاعية إلى أن التفاؤل قد قل بمعدلات لم يسبق وصولنا إليها من قبل في دول العالم الأول رغم أن كل العوامل المؤدية للتفاؤل أفضل مما سبق، مثل الغنى وطول العمر والسلام والتعليم والمساواة والتكنولوجيا إلخ. إننا نحيا في أفضل عصر مر به البشرية لكننا أكثر هذه العصور تشاؤمًا.

ولنختصر كل ذلك في عبارة بسيطة: إن وسائل التواصل الاجتماعي لا تمثل المجتمع على حقيقته.

قد يبدو هذا جليًا للبعض لكنني أعتقد أننا ننساه دومًا: كلما نظرنا في الفيسبوك وعرضت علينا أخبار، نفترض أنها صحيحة، وكلما نظرنا في تعليقات الناس على أي قضية ومدى الكراهية المبثوثة في كلماتهم نشمئز من سوء الناس، ودائمًا ما نشاهد فيديو لأخرق يخبر أخرق آخر أنه لو لم ينتمي لحزبه ويكره الحزب المعادي له فإنه في هذه الحالة يكره كل ما هو خير وصالح.

لكن كل هذه الأمور ليست هي الغالبة في الواقع، فوسائل التواصل الاجتماعي لا تمثل المجتمع على حقيقته، إنما تأخذ منه جوانبه المثيرة فتضخمها وتغالي فيها فتبرز الأشياء الجنونية والشاذة، وفي مقابلها تتضاءل الأشياء العقلانية والطبيعية.

ونتيجة لذلك فإننا نشاهد صورة مغلوطة عن العالم على وسائل التواصل الاجتماعي. نظرة واحدة على منصات التواصل الاجتماعي فتظن أن العالم على حافة هاوية ويكاد الناس يفنون، لكنك متى التفت عنها تأخذ كلبك في جولة وتتحدث مع والدتك وتجد أن كل شيء على ما يرام.

تعديل المسار من التوافقية إلى الجدلية

وبعد كل هذا نجد أن أكثر المتضررين من وسائل التواصل الاجتماعي هم العاملون في قطاعات الميديا والترفيه.

إن كل كاتب صحفي ومنتج أفلام وحتى مذيعو الراديو قد تضرر ضررًا بالغًا بسبب وسائل التواصل الاجتماعي بسبب الاختلافات الجذرية التي أحدثتها في مجال عمله وشركته وحياته المهنية والشخصية بالتبعية، وكل ذلك في 15 سنة لا غير.

لكن ما أهمية هذا الآن؟

أهميته أن 99% من المعلومات التي تصلنا لا ينتجها إلا هؤلاء العاملون في قطاعات الميديا والترفيه.

لقد نُهب هؤلاء جميعًا بلا استثناء عملهم بظهور منصات التواصل الاجتماعي الجديدة تلك، فظنوا أن هذه المنصات تنهب الجميع كما تنهبهم -وهو ظن خاطئ طبعًا- فأخذوا يكتبون للجميع عن شر هذه المنصات ويكأنها تمس حياتهم.

لكن لنكن واقعيين لوهلة، لم تتأثر حياتك الحقيقية بدخول وسائل التواصل الاجتماعي، اللّهم إلا في قلة عدد ساعات مشاهدتك للتلفاز ومرات ذهابك إلى السينما.

ما دمت لا تنتمي لفئة صانعي المحتوى والذين يمثلون 1% فقط من المجتمع، فإنك على الأرجح لم تغير شيئًا يذكر في حياتك سوى مصدر معلوماتك، وبالتبعية من يعطيك هذه المعلومات.

وقبل عدة قرون كان التلفاز يقتصر على قنوات معدودة ويقتصر الراديو على مثلها مع عدد ضئيل من وكالات الأخبار الدولية، وبسبب قلة العدد في مصادر المعلومات، فكان كل مشاهد يقتصر في مصادر معلوماته على مصدرين أو ثلاثة ويكتفي بهم.

ولذلك فإن المسؤولين عن هذه القنوات كانوا يسعون سعيًا حثيثًا لإنتاج محتوى يستألف أكبر قدر ممكن من الناس.

لذلك كان الأسلوب المتبع في ميديا القرن العشرين هو إنتاج محتوى يعتمد على موافقة الجميع عليه، فكانت الأخبار كذلك مما لا يثير الجدل، وكانت أغلب البرامج التلفزيونية تعرض عائلات شديدة النمطية، واقتصرت البرامج الحوارية على المواضيع التي يستطيع أي عاقل أن يتفق مع ما يقال فيها.

لكن الحال اختلف مع الإنترنت، فقد صارت مصادر المعلومات شديدة الوفرة، وصار بإمكان الجميع مشاهدة ما لا يقل عن 500 قناة على التلفاز ومئات على الراديو وعددًا غير محدود من المواقع ليتصفحها على الإنترنت، وبهذا اختلفت استراتيجية أصحاب الميديا والترفيه، فبدلوا مسار المحتوى التوافقي التقليدي بالمحتوى المثير للجدل.

فما دامت خيارات الناس كثيرة وقد تتعدى 500 منتج محتوى غيرك، فلن يتابعك أحد إذا عرضت لهم نفس المحتوى الذي يعرضه إخوانك الخمسمائة، إنما يتابعونك وينهلون من محتواك إذا تميز محتواك عن جميع أقرانك.

وقد تأثر الجميع بهذا التوجه إلى المحتوى المثير للجدل، بدءًا بالسياسيين ومرورًا بالقنوات الإخبارية الكبرى وانتهاءً بصانعي المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، فصارت أسهل وسيلة تحظى فيها بانتباه الناس حتى يومنا هذا هو أن تستخدم السخرية مثلًا فتهزأ بعمق غيرك وأفكاره بدلًا من إنتاج محتوى عميق وفكري بنفسك.

وهاك مثالًا يوضح ما أعني؛ السياسي ذو الآراء المتطرفة له متابعون أكثر بكثير ممن كانت آراؤه معتدلة ووسطية، وقد أدى هذا إلى زيادة الاستقطاب على الساحة السياسية بمرور الوقت حتى تبين أن سبب هذا الاستقطاب الزائد هو عدد صغير جدًا من صانعي المحتوى ممن لهم أعداد ضخمة من المتابعين والذين ينتجون محتوى استقطابيًا. كان السبب هو فئة الواحد بالمائة؛ فئة صانعي المحتوى.

وبهذا تكون النتيجة ما ذكرنا من قبل؛ صورة متخيلة متطرفة عن العالم ليست واقعية فتجعلك تشعر أن العالم على حافة هاوية كلما اتصلت بالإنترنت أو شاهدت تلفازك المحلي، لكنه ليس الحال في الواقع.

وهذه الصورة المتخيلة لم تُسببها وسائل التواصل الاجتماعي، بل المسؤولون عن قطاعات الميديا والترفيه في سعيهم للتربح، فخلقوا بيئة توفر محتوى أكثر بكثير مما يحتاج إليه السوق، وتوفر معلومات وأخبار تفوق قدرة المشاهد على متابعتها كلها، حتى نشأ في هذه البيئة دافع يميل بالإنسان إلى الانتباه إلى مساوئ الحياة والتركيز مع السائق الذي ارتطمت سيارته رغم وجود مئات من السائقين لا يرتطمون بسياراتهم ويصلون غاياتهم سالمين.

الغالبية الصامتة

إن وسائل التواصل الاجتماعي لم تغير شيئًا في مجتمعاتنا ولا في ثقافتنا، إنما لفتت نظرنا ووجهت انتباهنا إلى الأفكار والأفراد المتطرفين في هذه الثقافة. لن نستطيع مناقشة قضية مشاكل التواصل الاجتماعي وآثارها ولا ما يجب علينا فعله حيالها قبل استيعاب هذا المفهوم.

إن مجرد توجيه انتباه الناس إلى مواضيع معينة كفيل بالتأثير عليه، ومثالنا هنا هو الهستيريا التي أحدثتها وسائل الإعلام بادعائها أنها صارت عديمة التأثير، فصار المجتمع يغالي في تقدير أثر وسائل التواصل الاجتماعي ويرى عجز أنفسنا البشرية عن مواجهة آثارها هذه.

يجدر بنا أن نترك هذه النظرة وننظر لوسائل التواصل الاجتماعي “الشبكات الاجتماعية” نظرة أكثر واقعية ونضجًا، ولنفعل ذلك يجدر بكل واحد منّا أن يفهم مفاهيم هامة مثل “صيام الانتباه” (أي تجنب وسائل التواصل الاجتماعي وشتى المنتجات التي تعتمد على استحواذ انتباه العميل لأطول فترة ممكنة، والكاتب هو من صك المصطلح وكتب فيه مقالات منشورة على موقعه الإلكتروني) و”اقتصاد الانتباه”، كما ينبغي أن نخفف من امتصاص كل الأخبار الملقاة في طريقنا وأن نكف عن قضاء غالبية أيامنا على الهواتف وفي البيوت.

ولتعلم أن هذه الهستيريا العامة دائمًا ما تبحث لنفسها عمن تلوم لئلا يلوم الناس أنفسهم على أخطائهم هم. فمثلًا لم يتساءل أهلي وأصدقاؤهم عن السبب الذي دعا أولادهم إلى الانجذاب إلى هذه الموسيقى البذيئة والألعاب العنيفة؛ ذلك لأنهم كانوا يخشون أن يظهر هذا أخطاءهم التربوية والتي أدت إلى هذا الميل، فبدلًا من البحث في المشكلة ولوم أنفسهم على التسبب فيها، أخذوا يلقون باللوم على صانعي هذه الألعاب والموسيقى.

وهذا تمامًا ما يحدث في قضية وسائل التواصل الاجتماعي، فكل المتطرفين وكل السوء المتعلق بهم ليس وليد جيلنا، بل كان متواجدًا في كل الأجيال السابقة، وبدلًا من الاعتراف بأنهم من مشاكل مجتمعنا، بدأنا نلوم وسائل التواصل الاجتماعي لأنه أظهر لنا حقيقة مجتمعاتنا.

وقد قال كاتب السير الذاتية العملاق روبيرتو كارو:

إن القوة لا تفسد الناس غالبًا، لكنها دائمًا ما تظهر حقيقتهم.

وهو حق محض عند إسقاطه على أقوى الشبكات الاجتماعية في تاريخ البشرية. لم تفسدنا وسائل التواصل الاجتماعي وإنما أظهرت لنا حقيقتنا. (8)

378

المصادر

التعليقات

  • AHMED منذ 6 أشهر

    اخترع الانسان الأول الأدوات لتسهيل المعيشة
    و كانت السكين ذات النصل الحاد لاصطياد الحيوانات لأجل الطعام
    فكانت الجريمة و قتل الانسان أخاه
    فهل كانت السكين هي السبب أم أن غريزة الاعتداء هي السبب؟
    قل مثل ذلك في أي وسيلة
    طبعا قد يستفيد بائع السكاكين و الأسلحة من رواج بضاعته لكن يبقى المشترون هم المسئولون عن رواج بضاعة بعينها وكساد أخرى.
    قل مثل ذلك في التلفزيون و قبله الراديو
    قل مثل ذلك في الانترنت و ما عليها من مواد مفيدة أو مضرة
    قل مثل ذلك في الموبايل والواتس و غيره من برامج التواصل
    هي وسائل .. مجرد أدوات .. قد تكون للفائدة أو للقتل!

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.