يكاد يجمع المسلمون في الوقت الحاضر على ندرة الأئمة المحدثين والمشتغلين بعلم الحديث؛ على خلاف ما كان في القرون السابقة. فالناظر في التاريخ الإسلامي يرى أنه ما من قرن إلا وقد برز فيه علماء حديث أفذاذ أناروا للأمة طريقها بإظهارهم الصحيح من الضعيف والمرفوع من الموضوع.

ولا شك أن من أبرز علماء الحديث في العصر الحديث هو الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر الملقب بشمس الأئمة. والده العلامة شيخ الأزهر السابق محمد شاكر، وشقيقه الأديب والمحقق محمود محمد شاكر. وُلد الشيخ أحمد في عام 1892 بالقاهرة، وبها قضى سنوات حياته الأولى. ولما بلغ الثامنة من عمره رحل مع والده إلى السودان؛ حيث كان والده الشيخ محمد شاكر قد عين قاضيًا بها.

حياته التعليمية

بدأ مسيرته الدراسية في “كلية غوردون” بالسودان حيث درس بها 4 سنوات. ثم عاد إلى مصر عام 1904 ليلتحق بمعهد الإسكندرية الذي كان والده شيخا له. واستمر به حتى عام 1909؛ حيث رحل مع والده إلى القاهرة مجددًا ليلتحق هذه المرة بالأزهر الشريف، وبقي يدرس به 8 سنوات حتى تخرج منه عام 1917.

وقد سلك الشيخ -رحمه الله- طريق السابقين في ملازمة الشيوخ والأخذ عنهم. وعرف عن الشيخ -رحمه الله- قربه من علماء الحديث في عصره وملازمته لهم. فمن أبرز العلماء الذين لازمهم وأخذ عنهم علمهم والده الشيخ محمد شاكر -رحمه الله- فقد أخذ عنه أمهات كتب الحديث والفقه الحنفي، والشيخ أحمد الأمين الشنقيطي الشيخ الأديب الذي أجازه بكل علمه، والشيخ المحدث عبد الله السنوسي والذي أجازه برواية صحيح البخاري، والشيخ محمود أبو دقيق والذي أخذ عنه أصول الفقه، وغيرهم الكثير كالشيخ القاسمي الدمشقي، والشيخ الطاهر الجزائري، والشيخ محمد رشيد رضا.

ومع أن الشيخ -رحمه الله- كان في بداية طلبه للعلم قد تفقه على مذهب أبي حنيفة، ونال شهادة العالمية من الأزهر الشريف حنفيًا، وولي القضاء عشرين سنة يحكم بمذهب الحنفية إلا أنه بعد تقدمه في مدارج العلم وتوسعه في دراسة السنة النبوية، ودراسة أخبار العلماء والائمة، والنظر في أقوالهم وأدلتهم؛ قد توجه صوب الاجتهاد ولم يتعصب لواحد من الأئمة، وقد أوضح موقفه هذا في مقدمته في تحقيق كتاب الرسالة للإمام الشافعي.

تجربة تحقيق كتاب الرسالة للشافعي

كتاب الرسالة

إنه لمن النادر أن نجد شيخًا قد تمذهب على مذهب معين، وإذا به يقوم بتحقيق كتاب في أصول فقه مذهب آخر. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على مقدار تتبع هذا الشيخ للحق، وتركه للتقليد الأعمى، وطلبه الجاد للعلم، وسعيه في تذليل الصعاب لطلبة العلم الآخرين.

وهذا ما فعله الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله-؛ فتمذهبه على مذهب الإمام أبي حنيفة لم يشكل عائقًا أمامه في تحقيق كتاب هو بمثابة درة الشافعي؛ وهو كتاب الرسالة. وقد قال الشيخ -رحمه الله- في مقدمته التي كتبها في تحقيقه لهذا الكتاب: “ولو جاز لعالم أن يقلد عالمًا كان أولى الناس عندي أن يقلد الشافعي؛ فإني أعتقد أن هذا الرجل لم يظهر مثله في علماء الإسلام في فقه الكتاب والسنة، ونفوذ النظر فيهما ودقة الاستنباط”.

ويقول الشيخ أيضًا في المقدمة: “من أول يوم قرأت في أصل الربيع من كتاب الرسالة، أيقنت أنه مكتوب كله بخط الربيع، وكلما دَرَسته ومارسته ازددت بذلك يقينا”. إن الشيخ -رحمه الله- في هذا المقطع يبين عن علم كبير وفراسة. وهذه لا شك ملكة عظيمة وصل إليها الشيخ -رحمه الله- من سعة اطلاعه على المخطوطات الأصلية لكتب السلف.

كما عرف الشيخ رحمه الله بموقفه من المستشرقين ومحاولتهم تزوير تاريخنا، من خلال زرع بذور الشك في صحة ما وصل إلينا من كتب وآثار. قال في معرض المقدمة في كتاب الرسالة: “وقد حاول الدكتور ب.موريتس أن يدخل الشك على تاريخ هذه النسخة، فادعى في كتاب الخطوط العربية أنها مكتوبة في عام 350 هجري. فمن ذلك تردد بعض إخواني ممن تحدثت إليهم في أن الربيع كتبها، وزعموا أنها نسخة مكتوبة بعد الربيع بدهر”. فرد الشيخ -رحمه الله- على هذا المستشرق ومن تأثر بشبهته بقوله: “وهذا رأي لا يثبت على النقد، لأن المعروف في نقل الكتب أن الناسخ إذا نسخ الكتاب وتاريخ كتابته وما كتب عليه من إجازة أو سماع مثلًا ، أثبت أن هذا نص ما كان على النسخة التي ينقل منها”. وفي المجمل فقد كانت له مواقف حميدة من نقد طريقة الاستشراق والتي انتشرت في تلك الفترة.

تعامله مع نقَّاده

لعل مسألة النقد في الأوساط العلمية هي أحد أكثر المسائل الشائكة والحساسة. وكثيرًا ما شاهدنا نقدًا علميًا يتحول إلى خلاف شخصي، وقلما يسلم نقد لعمل علمي من التحول إلى معركة بين مناصري العمل ومعارضيه، وأحيانا بين كاتب العمل وناقده.

لكن الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- اختار طريقة أخرى في التعامل مع منتقدي أعماله العلمية؛ فها هو في مقدمة تحقيقه لكتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة ينقل لنا وبشكل كامل نقد الأستاذ/ السيد صقر على هذا التحقيق.

فقال -رحمه الله- في المقدمة: “وقد رأيت -وإنى بصدد إعادة طبع الكتاب- أن أثبت هنا فى مقدمته نص مقال الأستاذ (السيد صقر) في نقد الكتاب، حرفيًا دون تصرف، إلا أنى حذفت من آخر مقاله الثانى نقده للقسم الذي حققه أخى العلامة الأستاذ عبد السلام هارون فى آخر الكتاب، حين كنت غائبا فى الحجاز. وهو من صـ803 إلى آخر الكتاب صـ861 فى طبعتنا الأولى -أيْ من الفقرة 1535 فى هذه الطبعة-؛ لأنه ليس من حقى نشره، وهو متعلق بغيري. ثم أثبت نص كلمتي فى التعقيب على النقد. ورأيت أن الأمانة العلمية تقتضيني أن لا أتصرف فى نقد الأستاذ (السيد صقر) على ما فيه من هنات، أو تحامل اعتاده كثير من شباب هذا العصر العجيب. ولا بأس علىّ من ذلك، فما كان من نقده صوابًا وإرشادًا إلى خطأ وقعت فيه، تقبلته راضيًا شاكرًا وصححته فى هذه الطبعة، وما كان منه خطأ أو تحاملًا لم أفكر فى التعقيب عليه إلا فيما ندر، وما كان من مواضع اختلاف وجهة النظر تركته”.

قمة في التواضع العلمي والأمانة العلمية حتى في نقل ردود مخالفيه عليه، وان كان بها حدة كما اعترف هو بنفسه. ولا عجب فهذا ديدن المحدثين الذين حفظوا لنا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الكتب التي حققها الشيخ أحمد شاكر

من أبرز المجالات التي سطر الشيخ أحمد شاكر اسمه فيها بحروف من ذهب هو مجال تحقيق الكتب؛ فالشيخ -رحمه الله- جعل من مهنة التحقيق مشروعًا حياتيًا استعاض به عن كثرة التأليف. ويظهر هذا جليًا في كم الكتب الكبيرة التي قام الشيخ بتحقيقها. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • تفسير الجلالين.
  • جامع الترمذي.
  • الأربعون النووية.
  • صحيح ابن حبان.
  • نزهة النظر شرح نخبة الفكر.
  • الرسالة للإمام الشافعي.
  • كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
  • العقيدة الواسطية.
  • لمعة الاعتقاد.
  • شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي.
  • عمدة التفسير (غير مكتمل).
  • مسند الإمام أحمد (غير مكتمل).
  • المحلى لابن حزم (غير مكتمل).

مثابرته في مسند الإمام أحمد

والواقع أن فضل الشيخ أحمد شاكر على طلبة العلم لا يمكن إنكاره؛ فقد مهد الطريق وزرع البذور ولم يقطف الثمرة ولم ينتظر النصر، وإنما اكتفى بدور الجندي المجهول.

ولعل قصته مع مسند الإمام أحمد وحدها كافية في بيان منزلته؛ إذ إن الشيخ -رحمه الله- عكف على المسند قرابة الربع قرن وهو يرتب أحاديثه ويبوِّبها، مع العلم بأن عدد أحاديث المسند قرابة 27000 حديث. إلا أن ذلك لم يثنِ من عزيمة الشيخ -رحمه الله- حتى يسهل الطريق لمن يأتي بعده، فقام بعمل أستحق عليه الثناء والتقدير.

الكتب التي ألفها الشيخ

كما أضاف الشيخ للمكتبة الإسلامية العديد من المؤلفات في مختلف المجالات، من فقه وتفسير وحديث. نذكر منها:

  • حكم الجاهلية.
  • مختصر تفسير ابن كثير.
  • الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث.
  • كلمة الحق (مجموعة مقالات كتبها في مجلة الهدى النبوي).
  • نظام الطلاق في الإسلام.

كما تولى الشيخ رحمه الله العديد من المناصب خلال حياته. منها رئاسته لمحكمة المنصورة الابتدائية، ومحكمة شبين الكوم الشرعية، وقاضٍ بمحكمة الأزبكية، ومحكمة المحلة الكبرى، ورئيس لمجلة الهدى النبوي.

لقد رسم الشيخ أحمد شاكر لنفسه طريقًا حاد عنه أغلب معاصريه؛ ففي وقت يتسابق فيه الجميع لتقديم الأفكار الجديدة على الساحة والتنظير لها والدفاع عنها، اتخذ الشيخ أبو الأشبال -رحمه الله- من طريق بيان السنة المطهرة والذود عنها، وبيان حال رواتها، وتحقيق كتبهم وتسهيل الوصول إلى الأحاديث من طلبة العلم وعامة الناس طريقا له؛ فأزال المتاعب وسهل الصعاب وفرش الأرض وأشعل المنارات ليهتدي بها من يقتفون أثره.

وبعد مسيرة طويلة عمل فيها محدثًا ومؤلفًا وقاضيًا، ناصر فيها الحق ما استطاع، توفاه الله فجر يوم السبت 14.06.1958 فرحمه الله وغفر له.

159

الكاتب

صفي الدين محمد

مهندس برمجيات ليبي، مهتم بالتاريخ والفكر الإسلامي.

التعليقات

  • أم يزيد منذ 3 أشهر

    ماشاءالله تبارك الله، رحم الله الشيخ وحفظ كاتب المقال وبارك له علمه وأدبه

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.