مُذْ عقلنا في هذه الدنيا ونحن نسمعُ نصائح آبائنا المتكررة حول ضرورة إكمال المسيرة الدراسية وبذل الجهد في التحصيل الدراسي وهالة التقديس حول المدرسة، ونمتثل لأوامرهم بهذا الخصوص، بل قد نتلقى العقاب في حالة التقصير والإهمال، حتى ترسخت في أذهاننا تلك الصورة الروتينية المملة عن النجاح: دراسة فشهادة ثم وظيفة وراتب؛ واجتهدنا في تكريس حيواتنا لخدمة هذه الفكرة التي لُقِّنّاها بغير تمحيص.

اُدرس ثم انجح ثم اعمل ثم تقاضَ الراتب ثم ابن بيتًا واشتر سيارة؛ ثم.. مُتْ! هكذا هو قالب الحياة الجاهز الذي يوضع فيه كل منا طوعًا أو كرهًا، هكذا تصوّر لنا المدرسة الإنسان الناجح، وعلى هذا الأساس يتم تصنيف الناس إلى ناجحين وفاشلين.

في هذا المقال سأخوض وإياك رحلة مع تلك المقررات التي كنا ولا زلنا ندرسها؛ لكن هذه المرة بدل أن تكون هي الطرفَ الذي يطرح الأسئلة ونحن الطرفَ الذي يجيب، سنتبادل الأدوار ونضعها هي محل المساءلة والاستجواب، ونحاول أن نعرف منها جواب السؤال التالي: هل تعلمنا ما ينفعنا نحن كبشر مقبلين على مصاعب الحياة بمختلف جوانبها، أم أنها تصنع منا آلات إنتاج تزج بها في عجلة الرأسمالية المقيتة دون أدنى مراعاة لإنسانيتنا؟

مدخل

المدارس

لا شك أن المدرسة في عالمنا المعاصر تمثل عنصرًا مركزيًا في تركيبة المجتمع، وتلعب دورًا أساسيًا في تكوين أفراده وتربيتهم وبنائهم معرفيًا وسلوكيًّا، وتجهيزهم للدخول لسوق الشغل والمساهمة في التطوير والتنمية؛ هي باختصار تمثل معمل بناء إنسان الغد. ولعل هذا ما جعلها تتربع على هرم الأولويات عند كل حديث عن الإصلاح بكافة مستوياته.

هذه المؤسسة على ما تحتله من أهمية كبيرة، تعاني من مشاكل عديدة، يتعلق أغلبها بجودة التكوين والتلقين السلبي وأثره على ملكات الإبداع والتفكير الحر لدى المتمدرسين، لدرجة جعلت مارك توين يعبر عن هذا الواقع بمقولته الطريفة:

لن أسمح أبدًا للمدرسة أن تكون حجر عثرة في طريق تعلمي!

مقولة ظاهرها فيه السّخريّة، وباطنها مِن قِبَله جبالٌ من الأسى والأسف.

لكن رغم كل هذا الحديث عن المشاكل التي تعاني منها الأنظمة التعليميّة، إلا أن هناك جانبًا من جوانب فشل المدارس قَلّما يُطرق، ونادرًا ما يؤخذ بعين الاعتبار فضلًا عن أن يأخذ حقّه من المعالجة! رغم ما يشكّله من أهمية كبيرة على مستوى الإنسان وبالتالي على مستوى المجتمع ككل، هذا الجانب هو جانب هيمنة القيم الرأسمالية على محتوى المناهج وكذا معايير النجاح والتفاضل، وهو ما سنتعرض له بشيء من البسط والتّفصيل في هذا المقال، وذلك بإلقاء نظرة على مظاهر رَسملة المعرفة ثم رسملة الإنسان وعواقب ذلك وتداعياته على الحالة القيمية للمجتمع.

الرأسمالية كآيديولوجيا مهيمنة

المدارس

الرأسمالية فلسفة اقتصادية تقوم أساسًا على حرية الملكية لوسائل الإنتاج والربح والتنافس، ظهرت في أوروبا إثر انتهاء البورجوازية. وبالنظر لواقعها الحالي فهي تعد النظرية الاقتصادية المنتصرة في العالم، بعد حسم الصراع لصالحها مع الاشتراكية، وبالتالي فهي الأكثر هيمنة، إذ تتربعُ عرش النظريات المسيطرة على الأسواق والمؤسسات.

وهذا ما جعل قيمها ومبادئها تسيطر بدرجة كبيرة على مساحات اجتماعية شاسعة تتجاوز حدود السوق والتجارة، حتى صارت هذه المبادئ متغلغلة في الوعي الجمعيّ للناس، تحكم طريقة تفكيرهم وتوجه معايير تقييمهم، لدرجة أن هذا العصر يستحق أن يُوسَم بأنه عصر قيم السوق بامتياز!

خضوع أنظمة التعليم للرأسمالية

بناء على هذا فإنه لا مجال للاستغراب من كون المدارس بدورها أصبحت خاضعة لقيم السوق، في مناهجها ومقرراتها ومسالكها، وتحولت من خدمة المعرفة نفسها إلى خدمة مراكز الإنتاج، حتى صارت المدرسة مصنعًا ضخمًا “لآلات إنتاج”؛ بدل أن تكون مصنعًا لبناء إنسان الغد بناء سويًّا متكاملًا سليمًا في جانبه الإنساني مراعيًا لمرجعيته الدينية والقيمية، ثم -بعد ذلك- ماهرًا في ما هو مقبل على العمل فيه من العلوم المدنية.

فأصبحت بذلك المدرسة الخادم الوفي لمصانع الإنتاج، بحيث تقوم بتكوين الشخص وتعليمه ما تريده الشركات من المهارات حتى تستخدمه بعد تخرجه في زيادة إنتاجيتها ومراكمة أرباحها، بغض النظر عن الجانب الأخلاقي أو القيمي للشخص. (1)

لكن هل اعتراضنا هذا يعني رفض تعليم الناس ما ينفع حياتهم المادية؟ أو تجاهل احتياج سوق الشغل للكفاءات المهنية؟ بالتأكيد لا، نحن ندعم تكوين الكفاءات التي تشارك في تطوير الحياة المدنية للمجتمع، لكن المرفوض هو إخضاع المعرفة نفسها -كما سيأتي بيانه- لقيم السوق؛ يقول الدكتور عبد الله الشهري:

لا شك أن هناك صورًا من المعرفة عند الأقدمين تُستخدم بصورة موجهة لأغراض مادية، مثل تعلم الحراثة والزراعة وغيرها، لكن لم تكن المعرفة مسلعة ومتاجرًا بها كما هو الحال اليوم. (2)

المعرفة في خدمة السوق

المدارس

برأيك إذا طرحنا السؤال التالي على مجموعة من الناس: ما هو أفضل توجه تنصح به شخصًا مُقبِلًا على الدراسة الجامعية؟ فماذا سيكون جواب الغالبية العظمى؟ لن تحتاج كثيرَ تفكيرٍ لتقول: إن الأغلبية سيفضلون التوجهات العلمية وسينفرون من بقية التخصصات.

السؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو هل هذا الاختيار مبني على معيار موضوعي نخلص من خلاله إلى أن التوجهات العلمية تبني الإنسان بناء أفضل من غيرها، أم أن كل ما في الأمر أنها تدرّ دخلًا أفضل؟ الواقع يؤكد أن الجواب الثاني -للأسف- هو الصحيح.

إن نظرة الناس للمعرفة في عالمنا المعاصر يختلف جذريًا عن نظرة الإنسان القديم لها، إذ كانت سابقًا مطلوبة لذاتها، ومُفضّلة على أساس معاييرَ متعالية عن دنس المادية، بحيث يختار الإنسان ما يحقق له التوازن بين روحه وجسده، ويرتقي به في سلم العبودية لله، ويعلمه قيم النبل والتضحية والكرم والقوة في مواجهة مصاعب الحياة، ثم مع ذلك قد يتعلم من العلوم ما ينفعه نفعًا دنيويًا، لكن ليس على حساب الجانب الأول.

أما إنسان العصر فهو يختار، رضوخًا للمعيار الذي تفرضه المنظومة التعليمية، ما يدرّ عليه الأموال، أما بقية العلوم فهي في نظره -مهما بلغت أهميتها- غير ذات قيمة، «هنا يفقد التعلم وتفقد المعرفة فضيلتها ويتحول كل شيء إلى عملية مرهقة، ومتعبة، ومتوترة» (3) بل «حتى العلوم الشرعية الدينية التي تبقت لنا كميراث يحيي المعنى في قلوبنا.. لم تسلم من هذه اللوثة الرأسمالية الاستهلاكية التجارية السوقية!» (4)

من رسملة المعرفة إلى رسملة الإنسان

معلّم غشّاشٌ، ومهندس مرتشٍ، وطبيب جَشِعٌ، ومدير شركة عديم الضمير… كلها نماذج لم تمنعها الشهادة التعليمية العليا، والمكانة الاجتماعية المرموقة، من السفول إلى أدنى دركات الانحطاط الأخلاقي، رغم المستوى التعليمي العالي! هذا يشكّل دافعًا كافيًا للتشكيك في مدى تحقيق المدارس للمعايير الأخلاقية في خِرّيجيها.

ما زال يتكرر في ذهني ذلك الموقف الذي مررت منه مرات عديدة، حين أكون راجعًا من المدرسة مع مجموعة من رفاقي ونحن نحمل محفظاتنا، ثم حين نقوم بشيء من الشغب في الشارع وينظر إلينا أحد كبار السن ويرى من خلال مظهرنا أننا تلاميذ، فيبادرنا بقوله:

ما هذا؟! هل هذا ما تعلمتموه في المدارس؟!

كنت إلى عهد قريب أتذكر هذه العبارة على سبيل السخرية منها، حتى اكتشفت أنها في الحقيقة تُنبئ عن واقع مُزرٍ، وأن مقولة الشخص كبير السن -الذي في الغالب لم يرتدِ المدرسة- نابعة من ربطه الفطري بين التعليم والتنشئة الأخلاقية. لم يكن يعلم حينها أن المدرسة تصنع منا آلات إنتاج.

يقول الفيلسوف الأمريكي ويليام هاريس: «إن 99٪ من كل أمة متحضرة، هم كائنات آلية حريصون على السير في المسارات المحددة، وحريصون على اتباع العادات المملاة عليهم.» (5)؛ والمقصود طبعًا بالتحضر هنا التقدمَ المادي، هكذا ببساطة، المجتمعات الحديثة عبارة عن أسراب من آلات الإنتاج المبرمجة، الرابح الوحيد فيها هو مالك المصنع.

يضيف ويليام موضحًا سبب هذا التنميط (6):

هذا ليس صدفة، بل نتيجة للنظام التعليمي المكثف، والذي إن أردنا تعريفه بشكل علمي هو عبارة عن تقييد الفرد وتذويبه ونزع فردانيته.

خاتمة

أريد أخيرًا التنبيه على أن ما ذُكر ليس دعوة عامة للتزهيد في المدارس، لأن هذه في الواقع ستكون مجازفة غير محسوبة العواقب، لكن حسبي أن أنبه على أصل المشكلة، وأستحث العقول على التفكير فيها بعد أن كانت شبه غائبة إن لم أقل غائبة تمامًا عن الأذهان. خصوصًا أنها تمس أحد أكثر جوانب الحياة حساسيّةً: التعليم والتنشئة، وهو ما يُعتبر الركيزة الأولى في بناء الأجيال القادمة وتهيئتها لتسلُّمِ مشعل الأمة.

3479

المصادر
الكاتب

عبد الصمد الإشبيلي

طالب هندسة، مهتم بالقضايا الشرعية والفكرية المعاصرة.

التعليقات

  • عيسى السكراتي منذ شهر واحد

    جزاك الله خيرا أخي مقال رائع

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.