هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: THE QUR’AN’S UNIQUE LITERARY FORM لكاتبته: Hamza Tzortzis موقع: hamzatzortzis.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

“اقرأ باسم ربك”، كانت هذه هي الكلمات القليلة الأولى من القرآن التي نزلت على النبي محمد منذ أكثر من 1400 عام. تلقى محمد، الذي عُرف عنه الجلوس والتأمل في كهف خارج مكة، الكلمات القليلة الأولى من كتاب كان له تأثير هائل على عالم الأدب العربي. لم يكن محمد معروفًا بتأليف أي قطعة شعرية وليس لديه أي مواهب خطابية خاصة، فقد تلقى محمد لتوه بداية كتاب يتناول مسائل الإيمان والقانون والسياسة والطقوس والروحانية والاقتصاد في “شكلٍ أدبي جديد تمامًا”.

تقول المؤرخة الشهيرة كارين أرمسترونج:

يبدو الأمر كما لو أن محمدًا قد ابتكر شكلاً أدبيًا جديدًا تمامًا… بدون هذه التجربة القرآنية، فمن غير المرجح أن يترسخ الإسلام.

كان هذا الشكل الأدبي الفريد سبب النهضة الفكرية الدرامية لعرب الصحراء، وبعد ثلاثة عشر عامًا من الوحي الأول، أصبح المرجع الوحيد لدولة جديدة في المدينة المنورة. أصبح هذا الشكل الجديد من الكلام -القرآن- المصدر الوحيد لوجهة النظر السياسية والفلسفية والروحية للحضارة الجديدة.

التحدي القرآني

يشكل الشكل الأدبي الفريد خلفية لعقيدة إعجاز القرآن، الذي يكمن في صميم ادعاء القرآن بأنه من أصل إلهي. يقول القرآن: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). وقوله: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ، أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ).

وفقًا للمفسرين القرآنيين، فإن هذه الآيات تشكل تحديًا لإنتاج سورة تحاكي الشكل الأدبي الفريد للقرآن. الأدوات اللازمة لمواجهة هذا التحدي هي القواعد النحوية المحدودة والثمانية وعشرون حرفًا التي تشكل اللغة العربية. هذه تدابير مستقلة وموضوعية متاحة للجميع.

وحقيقة أن الآيات لم تتم مطابقتها منذ ظهورها حتى يومنا هذا لا تفاجئ معظم العلماء المطلعين على اللغة العربية ولغة القرآن.

إن عدم قدرة أي شخص على إنتاج أي شيء مثل القرآن، بسبب شكله الأدبي الفريد، هو جوهر الإعجاز القرآني. تُعرَّف المعجزة بأنها: “أحداثٌ تقع خارج القدرة الإنتاجية للطبيعة”.

إن الحجة التي يطرحها علماء اللاهوت والفلاسفة المسلمون هي أنه إذا لم يكن هناك تحدٍ فعال مع القرآن باستخدام المجموعة المحدودة من الأدوات اللغوية العربية المتاحة للإنسانية. فإن تقديم تفسير طبيعي لتفرد القرآن غير متماسك ولا يفسر عدم القدرة على تقليده. وذلك لأن القدرة الطبيعية لمنتج أو مؤلف النص قادرة على إنتاج الأشكال الأدبية المعروفة في اللغة العربية. إن تطوير شكل أدبي فريد تمامًا هو خارج نطاق الطبيعة الإنتاجية لأي مؤلف، وبالتالي فإن الكيان الخارق للطبيعة، وهو الله، هو التفسير الشامل الوحيد الكافي.

والغرض من هذه المقالة هو شرح كيفية تحقيق القرآن لهذا الشكل الأدبي الفريد وبالتالي شرح إعجازه.

النماذج الأدبية العربية

وفقًا للأكاديميين المسلمين وغير المسلمين، لا يمكن وصف القرآن بأي من الأشكال المعروفة للخطاب العربي. وهي الشعر والنثر.

لخص طه حسين -أديب مصري بارز- خلال محاضرة عامة كيف يحقق القرآن هذا الشكل الفريد: “لكنك تعلم أن القرآن ليس نثرًا وأنه ليس شعرًا أيضًا. إنه بالأحرى القرآن، ولا يمكن تسميته إلا بهذا الاسم. إنه ليس شعرًا، وهذا واضح؛ لأنه لا يربط نفسه بروابط الشعر. وهو ليس نثرًا، لأن آياته مرتبطة بروابط خاصة بها، لا توجد في مكان آخر؛ بعض الروابط تتعلق بنهايات آياته وبعضها يتعلق بالصوت الموسيقي الخاص بالآيات. لذلك فهو ليس شعرًا وليس نثرًا، لكنه “كتاب أتقنت آياته من الحكيم الخبير”. لذلك لا يمكننا أن نقول أنه نثر، ولا يمكننا أن نقول أن نصه شعر. لقد كان فريدًا من نوعه، ولم يسبقه أو تبعه شيء مثله”.

يندرج كل تعبير في اللغة العربية تحت الأشكال الأدبية للنثر والشعر. هناك أشكال “فرعية” أخرى تقع ضمن الفئات المذكورة أعلاه مثل سجع الكهان؛ شكل فرعي من النثر المقفى. ومع ذلك، يمكن تصنيف جميع الأشكال الأدبية على أنها نثر أو شعر.

ما هو الشعر العربي؟

الشعر العربي هو شكل من أشكال الخطاب الذي تتميز بنيته بوجود القافية. وتتحقق القافية في الشعر العربي بانتهاء كل سطر من القصيدة بحرف معين. يرجع هذا الجانب في الشعر العربي إلى نمطه الإيقاعي. يحتوي الشعر العربي على ستة عشر نمطًا إيقاعيًا وتسمى هذه الأنماط “البحار” باللغة العربية. تم استخدام هذا المصطلح لوصف التقسيمات الإيقاعية نتيجة لطريقة تحرك القصيدة وفقًا لإيقاعها، تمامًا مثل الأمواج في البحر.

فيما يلي قائمة بالأنماط الإيقاعية التي يلتزم بها الشعر العربي أو يعتمد عليها بشكل فضفاض: الطويل، البسيط، الوافر، الكامل، الرجز، الخفيف، الهزّج، المتقارب، المنسرح، المقتضب، المضارع، المديد، المجتث، الرمل، الخبب، والسريع.

كل واحد من البحار له نمط إيقاعي فريد. تم تدوين البحار لأول مرة في القرن الثامن من قبل الخليل بن أحمد ولم يتغير سوى القليل منذ ذلك الحين. تعتمد البحار علي طول المقاطع، المقطع اللفظي القصير هو حرف ساكن متبوعًا بحرف متحرك قصير، المقطع الطويل هو حرف متحرك متبوعًا إما بحرف ساكن أو حرف متحرك طويل، علامة التنوين في نهاية الكلمة تجعل المقطع الأخير من الكلمة طويلًا، في الشعر العربي ينقسم كل سطر إلى نصفين.

فيما يلي عمليات مسح أساسية للأنماط الإيقاعية الشائعة في الشعر العربي، والتي تعرض مقاطع لفظية طويلة (–) وقصيرة (^). إنها تمثل أزواج من أنصاف الأسطر ويجب قراءتها من اليسار إلى اليمين (هذه ترجمة عربية للنص الإنجليزي فالمفترض أن تقرأ أنت من اليمين إلى اليسار). لا يتم اتباع الأنماط بشكل صارم؛ يمكن استبدال مقطعين قصيرين بمقطع طويل.

– الطويل
^ –– ^ –– ^ –– ^ ––
^ –– ^ –– ^ –– ^ ––

– الخفيف

– ^ –––– ^ –– ^ ––

– ^ –––– ^ –– ^ ––

– الوافر

^ – ^ ^ – ^ – ^ ^ – ^ ––

^ – ^ ^ – ^ – ^ ^ – ^ ––

– الرجز

–– ^ ––– ^ ––– ^ –

–– ^ ––– ^ ––– ^ –

– البسيط

–– ^ –– ^ ––– ^ –– ^ –

–– ^ –– ^ ––– ^ –– ^ –

– الكامل

^ ^ – ^ – ^ ^ – ^ – ^ ^ – ^ –

^ ^ – ^ – ^ ^ – ^ – ^ ^ – ^ –

– السريع

–– ^ ––– ^ –– ^ –

–– ^ ––– ^ –– ^ –

– الهزج
^ ––– ^ –––
^ ––– ^ –––

ومن الأمثلة على الشعر العربي القصيدة العربية القديمة للشاعر العباسي أبو عطاء السندي:

ذكرتك والخطي يخطر بيننا ….. وقد نهلت منا المثقفة السمر

فواللَه ما أدري وإني لصادقٌ …..  أداءٌ عراني من حبابك أم سحر

فإن كان سحرًا فاعذريني على الهوى …. وإن كان داءٌ غيره فذلك العذر.

تقع هذه القصيدة، باللغة العربية الأصلية، في النسق الإيقاعي لـ”بحر الطويل”، أحد بحار الشعر الموضحة أعلاه.

سيخلص التحليل الأدبي لأي قصيدة عربية إلى أنها تلتزم أيضًا أو تستند إلى الأنماط الإيقاعية. وهذا ما أيده لويس شيخو الذي جمع الشعر الجاهلي وما بعد الإسلامي وخلص إلى أن جميع القصائد تتوافق مع أو تستند إلى البحار.

فخلاصة ما ذكر هو أن الشعر العربي يحتوي على:

  • القافية.
  • النمط المقطعي الإيقاعي (بحار الشعر).

ما هو النثر العربي؟

يمكن وصف النثر العربي بأنه كلام لا يحتوي على نمط إيقاعي ثابت مثل الشعر المذكور أعلاه. يمكن تقسيم النثر العربي إلى فئتين؛ السجع وهو نثر مقفى ومرسل وهو نثر مستقيم أو ما يسميه البعض “كلام عادي”.

يقدم فون دنفر الوصف التالي في كتابه “علوم القرآن: مقدمة في علوم القرآن”: “النثر المسجوع: شكل أدبي مع بعض التركيز على الإيقاع والقافية، ولكنه يختلف عن الشعر. إن السجع ليس معقدًا حقًا مثل الشعر، ولكنه استخدم من قبل الشعراء العرب، وهو أشهر الأعمال العربية قبل الإسلام. وهو يختلف عن الشعر في أنه ليس له نمط إيقاعي متسق، ويشارك الشعر عنصر القافية، رغم أنه في كثير من الحالات يتم توظيفه بشكل غير منتظم”.

على الرغم من اختلاف السجع عن الشعر في أنه يفتقر إلى نمط إيقاعي ثابت، إلا أن هناك شكلًا ما من الأنماط يعتمد على اللهجة في كل قسم من أقسام السجع. تستند الأنماط الإيقاعية القائمة على اللكنة إلى النبرات بدلًا من عدد المقاطع اللفظية:

– بابا، بابا خروف أسود، هل عندك صوف

+ بلي سيدي بلي سيدي، ثلاثة أكياس مليئة

– واحد للسيد، وواحد للسيدة، واحد للطفل الذي يسكن في الحي.

بالإضافة إلى ذلك، يتميز السجع عن الشعر وغيره من أشكال الخطاب العربي بسبب استخدامه المركّز للسمات البلاغية. الملامح البلاغية هي أدوات أدبية ولغوية تهدف إلى إرضاء أو إقناع وتختلف عن الكلام العادي. من أمثلة البلاغة: الصوت، والإيقاع، والإسقاط اللغوي، والتحول النحوي (الالتفات).

يسلط ديفين ستيوارت في موسوعة القرآن الضوء على ميزة السجع: “بالإضافة إلى ذلك، يتضمن السجع بانتظام الاستخدام المركز التوازي بالترادف، التوازي بالدلالة والجناس والأشكال البلاغية الأخرى”.

باختصار، تعريف السجع أنه يحتوي على:

  • النمط الإيقاعي المعتمد على اللكنة.
  • قافية النهاية.
  • التركيز على استخدام الملامح البلاغية.

النثر المرسل:

يمكن تعريف النثر المرسل على أنه شكل أدبي مستمر، لكنه يستمر بشكل مستقيم في كل مكان دون أي تقسيمات، سواء قافية أو أي شيء آخر. يُقصد بـ المرسل أن تكون وسيلة التعبير قريبة من اللغة اليومية المنطوقة، ويمكن رؤية الأمثلة في الخطب والصلوات التي تهدف إلى تشجيع أو تحفيز الجماهير.

باختصار تعريف النثر المرسل هو أنه:

  • لا يوجد فيه نمط إيقاعي.
  • لا قافية.
  • تشابه مع الكلام العادي.

ما هي الصيغة الأدبية للقرآن؟

للقرآن شكل فريد خاص به. لا يمكن وصفه بأي من الأشكال الأدبية المعروفة. ولكن بسبب التشابه بين السور المكية والسجع، يصف بعض العلماء الغربيين الشكل الأدبي للقرآن بأنه نثر مسجوع. تقول أنجليكا نيوويرث: “تم التخلي تمامًا عن “السجع” في السور اللاحقة …. أسلوب السجع هو سمة حصرية للسور المبكرة”.

هؤلاء العلماء الذين يصنفون القرآن على أنه سجع يفعلون ذلك على أساس أن تفرد القرآن معترف به. لتوضيح هذا يقول رينولد نيكلسون في كتابه “التاريخ الأدبي للدول العربية”: “وهكذا، فيما يتعلق بملامحه الخارجية، فإن أسلوب القرآن مستوحى من السجع، أو النثر المقفى … ولكن بهذه الملامح يمكن وصفه بأنه أصلي إلى حد ما”.

على الرغم من وجود محاولة لمحاولة وصف القرآن بأنه نثر مقفى، استنتج العلماء الغربيون أنه شكل فريد أو أصلي من أشكال السجع، مما يدعم فرضيتنا. لتسليط الضوء على هذه الحقيقة يقول بروس لورانس: “تلك المقاطع من القرآن التي تقترب من السجع ما زالت بعيدة كل البعد عن الجهود المؤيدة لاختزالها إلى شكل بديل للسجع”.

هناك ثلاثة آراء رئيسية تستند إلى الدراسات الحديثة والكلاسيكية حول كيفية تحقيق القرآن لهذا الشكل الأدبي الفريد وهذا الشكل الفريد من أشكال السجع. فيما يلي ملخص للآراء، سيتم شرحها بالتفصيل لاحقًا في هذه المقالة.

1– اندماج فريد بين الكلام ذو النمط الإيقاعي الموزون (الشعر) والكلام ذو النمط الإيقاعي غير الموزون (النثر):

يحقق القرآن هذا الشكل الأدبي الفريد من خلال دمج الكلام ذو النمط الإيقاعي الموزون والكلام ذو النمط الإيقاعي الغير موزون. هذا الدمج بين النمطين موجود في القرآن بأكمله ولا يمكن العثور عليه في أي نص عربي، في الماضي أو الحاضر.

2– سجع القرآن:

يتشارك القرآن في ميزات متماثلة مع السجع، وتحديدًا في السور المكية المبكرة، لكنه يتجاوز تمامًا العديد من جوانب ما يعرّف بأنه سجع، ومن ثم يصف العلماء الغربيون الشكل القرآني بأنه “السجع القرآني”. وما يجعل القرآن فريدًا في هذا السياق هو:

  • ميل أكبر للقافية الموحدة.
  • قافية غير دقيقة.
  • مجموعة أكبر من عبارات السجع.
  • تواتر أعلى للخصائص البلاغية.

3– منوعات أسلوبية مرتبطة بالقرآن:

رأى علماء اللاهوت واللغويين العرب مثل الأشعري والرماني والباقلاني أن القرآن لا يحتوي على السجع وهو متميز عن كل أنواع السجع. منطقهم هو أن استخدام اللغة في القرآن موجه لغويًا وبنية اللغة الأدبية متميزة، بينما في السجع، يعد التطابق مع الأسلوب هدفًا أساسيًا. علاوة على ذلك، يستخدم القرآن أدوات أدبية ولغوية بطريقة لم يتم استخدامها من قبل وتحقق تأثيرًا تواصليًا لا مثيل له. هذا الاستخدام للغة، المسمى بالاختلافات الأسلوبية، يشمل، على سبيل المثال لا الحصر،

  • السجع والقافية مدفوعة المعنى.
  • التحولات النحوية (الالتفات).
  • العلاقة المتبادلة بين الصوت والبنية والمعنى.
  • اختيار الكلمات.
  • النوع اللغوي الفريد.
  • ترتيب الكلمات.

هل القرآن شعر؟

القرآن ليس شعرًا لأن كل سورة فيه لا تتوافق مع أي من بحور الشعر العربي وفي كثير من الأماكن يعرض القرآن قافية غير دقيقة وغير منتظمة. سورة الكوثر خير مثال على أن القرآن ليس شعرًا عربيًا، (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).

  • الآية الأولى: ^ – ^ – ^^ ––
  • الثانية: ^^^^^^^^^
  • الثالثة: ^ –– ^^^^^^^

كما يتضح من مسح السورة أعلاه [مقاطع لفظية طويلة (–) وقصيرة (^)] ، فإن إيقاع مقاطع الكلمات لا يتوافق مع أي نمط مشابه لبحور الشعر العربي.

ويخلص محمد خليفة في مقالته “تأليف القرآن” بشكل صحيح إلى أنه: “يدرك القراء المطلعون على الشعر العربي أنه تميز منذ فترة طويلة بالوزن والقافية وبحار الشعر – وهي مقاييس دقيقة للأصوات والإيقاعات اللفظية، والتي يجب الالتزام بها بدقة حتى على حساب القواعد اللغوية. كل هذا يختلف بشكل قاطع عن الأسلوب الأدبي القرآني”.

هل القرآن نثر مرسل؟

القرآن ليس كلامًا عاديًا. ويرجع ذلك إلى استخدام القافية والإيقاع والخصائص الأسلوبية الفريدة المتوافرة بكثرة في الخطاب القرآني. النثر المرسل هو مجرد كلام عادي لا يستخدم أيًا من الميزات المذكورة أعلاه. سيخلص التحليل السطحي لسورة الكوثر إلى أنه لا يمكن وصفها بالكلام العادي.

(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ). تستخدم هذا السورة قافية نهائية كما يمكن رؤيتها من خلال الأحرف النهائية في السورة، وتكرار حرف “ك” (الضمير أنت الذي يعود على الرسول) هو المسؤول عن إيقاع السورة؛ وهذا الإيقاع يختلف عن أي من بحار الشعر. فقط من خلال إبراز قافية هذه السورة وإيقاعها يظهر بوضوح أنها ليست كلامًا عاديًا.

هل القرآن نثر مسجوع؟

1– اندماج فريد بين الكلام ذو النمط الإيقاعي الموزون (الشعر) والكلام ذو النمط الإيقاعي غير الموزون (النثر):

بعض الأجزاء من القرآن تتبع قواعد الشعر، أي أن بعض الآيات يمكن وصفها بأنها من آل بحار الشعر. ومع ذلك، عندما يتم تحليل كل الآيات في سورة من سور القرآن التي تحتوي على بعض من هذه الآيات الشعرية، فلا يمكن تمييز شكل السورة الأدبي. وقد انعكس ذلك في كتاب “الأدب العربي إلى آخر العصر الأموي”: “ليس القرآن بالشعر لكنه إيقاعي. إن إيقاع بعض الآيات يشبه انتظام السجع … لكن نقاد قريش اعترفوا بأنه لا ينتمي لا إلى الشعر ولا إلى النثر ولا إلى أي فئة أخرى” [35].

يحقق القرآن هذا الشكل الأدبي الفريد من خلال دمج الكلام ذو النمط الإيقاعي الموزون (الشعر) مع الكلام ذو النمط الإيقاعي غير الموزون (النثر)، هذا التداخل بين التركيب الموزون والغير موزون موجود في القرآن كله.

توضح الأمثلة التالية هذا: (إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ (45) ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ (46) وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ (48) ۞نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ (50) وَنَبِّئۡهُمۡ عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ (51) إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ).

عند قراءة النص العربي للآية أعلاه، ينتقل القارئ من التركيب الموزون (الشعر) إلى غير الموزون (النثر) دون التعرض لأدنى تغيير في الأسلوب أو النسق.

يمكن ملاحظة نفس الاختلاط بين التركيب الموزون وغير الموزون في الآية التالية من السورة رقم 12 من القرآن: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ).

إن عبارة “قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ” عبارة شعرية. لها هيكل إيقاعي موزون تُراعى فيه قواعد الشعر العربي، وتعليقًا على هذه السمة يقول الشيخ متولي الشعراوي: “يكاد يكون من المستحيل على المستمع أن يكتشف التحول من شكل إلى آخر، ولا يؤثر هذا الاختلاط الرائع على رشاقة التعبير أو يضعف معناه”.

القرآن فريد حقًا في تكوينه؛ إنه ليس نثرًا وليس شعرًا. يتم تحقيق جانب من هذا الشكل الفريد من خلال دمج التركيب الموزون (الشعر) وغير الموزون (النثر). هذا الرأي يدعمه أيضًا عالم الأدب العربي الشهير المستشرق آرثر أربيري: “القرآن ليس نثرًا وليس شعرًا، بل هو مزيج فريد من نوعه لكلاهما”.

2– السجع القرآني:

سبق أن ناقشت أعلاه أن بعض الأكاديميين يصفون لغة القرآن بأنها نثر مقفى بسبب التشابه بين السور المكية والسجع. ومع ذلك، فمن الواضح أن هؤلاء العلماء ما زالوا يميزون القرآن على أنه شكل فريد من أشكال النثر المقفى. ديفين ستيوارت، وهو أحد العلماء الغربيين الوحيدين الذين ناقشوا الشكل الأدبي للقرآن وسلطوا الضوء على الاختلافات الشكلية بين السجع وما يسميه “السجع القرآني”: “التحليل الذي أجري في هذه الدراسة يجعل من الممكن توضيح بعض الملاحظات الأولية حول الاختلافات الشكلية بين السجع القرآني ….”.

السمات التي تجعل القرآن فريدًا في سياق مناقشة السجع هي:

أ. ميل أكبر للقافية الموحدة: يختلف القرآن عن السجع بسبب استخدامه للقافية الموحدة، مما يعني أن نظام القافية يتوافق مع عدد قليل من القوافي بدلًا من اختيار العديد من القوافي. وفقًا لأحد التحليلات، ينتهي ما يزيد قليلًا عن 50% من القرآن بأكمله بالحرف نفسه. هذا الاستخدام الخاص للقافية، في نص بحجم القرآن، لم يتكرر في أي نص عربي. يقول ديفين ستيوارت:

“السجع القرآني يميل إلى القافية الموحدة أكثر بكثير من السجع الآخر. عدد قليل من القوافي …. سائدة في القرآن بينما القافية في السجع الآخر تظهر تباينًا أكبر”.

ب. قافية غير دقيقة: الوصف العام للسجع هو أن له قافية نهائية. ومع ذلك، فإن القرآن ككل لا يتوافق مع قافية ثابتة أو متسقة، هذا معكوس في عمل الرمانى الذي ينص على أن استخدام القرآن للغة موجه لغويًا ولا يتوافق مع أسلوب معين. وينعكس هذا أيضًا في تحليل ديفين ستيوارت فيقول: “القرآن يسمح بالقوافي غير الدقيقة التي لم توجد في السجع العادي”.

ج. مجموعة أكبر من عبارات السجع: يطلق على أقسام السجع مصطلح السجوع (سجع مُرصَّع، سجع مُتوازي، سجع مُطرَّف، سجع طويل، سجع قصير، سجع متوسط …). يختلف القرآن عن السجع العادي لأنه يحتوي على نطاق أكبر من السجوع القصيرة والطويلة. يقول ديفين ستيوارت: “نرى في كل من القرآن والسجع الآخر أن السجع القصير أكثر شيوعًا، لكن نطاق السجع في القرآن أكبر”.

د. تواتر أعلى للخصائص البلاغية: القرآن هو “بحر البلاغة”. يُظهر القرآن تواترًا لا مثيل له في الملامح البلاغية، متجاوزًا أي نص عربي آخر، كلاسيكي أو حديث. يتميز أسلوب استخدام البلاغة في القرآن عن أي نوع من الخطابات الأخرى.

يمكن لتحليل القرآن عن قرب أن يسلط الضوء على نطاق واسع وتواتر من السمات البلاغية. هذا موضوع شامل يتطلب مزيدًا من التحليل، ولكن لإبراز تفرد القرآن، تم توفير القائمة التالية لإظهار أن القرآن يستخدم ميزات بلاغية أكثر من أي نثر مقفى آخر؛ في الماضي أو الحاضر.

  • التشبيه (على سبيل المثال انظر القرآن 88 :15-16 و93: 9-10).
  • المجانسة الاستهلالية (على سبيل المثال انظر القرآن 33:71 و77:20).
  • المغايرة (انظر على سبيل المثال القرآن 44:49).
  • الطباق (على سبيل المثال انظر القرآن 35: 7 و9:82).
  • الفصل (على سبيل المثال انظر القرآن 13: 2).
  • السجع (على سبيل المثال انظر القرآن 88: 25-26 و88: 14-15).

الإيقاع هذا موجود في القرآن كله، وهو سمة بلاغية رئيسية وهي سمة لا تُضاهى في القرآن. يستخدم الخطاب القرآني السجع لإيصال جميع السمات البلاغية مع استخدام العديد من الميزات الصوتية مثل التأنف (إنتاج أصوات الكلام عن طريق انبعاث الهواء من خلال تجويف الأنف)، وتغيير الصوت ليصبح أكثر تشابهًا مع الأصوات الأخرى المجاورة، وما إلى ذلك. لم يقم أي نص آخر بهذا من قبل، خاصة بمثل هذا التواتر.

  • المقابلة العكسية (انظر على سبيل المثال القرآن 3:27).
  • التكرار التوكيدي (انظر على سبيل المثال القرآن 94: 5-6).
  • الجناس التام (انظر على سبيل المثال القرآن 24:43).
  • المشترك اللفظي (انظر على سبيل المثال القرآن 2: 14-15 و 3:54).
  • المبالغة (انظر على سبيل المثال القرآن 7:40، 33:10 و39: 71-72).
  • الترصيع (انظر على سبيل المثال 65: 7-10).
  • الاستعارة (انظر على سبيل المثال 19: 4 و21:18).
  • الكناية (انظر على سبيل المثال 54:13 و6: 127).
  • الاعتراض (انظر على سبيل المثال القرآن 7:42 و4:73).
  • جناس الاشتقاق (انظر على سبيل المثال القرآن 80: 25-26).
  • الاستفهامات البلاغية (انظر على سبيل المثال القرآن 55:60 و37: 91-92).
  • التركيز على مقطع لفظي معين من الكلمة (انظر على سبيل المثال القرآن 29:62 و 3:92).
  • المجاز المرسل (انظر على سبيل المثال س: 90: 12-13).

تميّز السجع القرآني باستخدام مكثّف للخصائص البلاغية، نظرًا لنطاق وتكرار هذه الميزات في القرآن، فهو يختلف تمامًا عن السجع العادي.

ي. الاختلافات الأسلوبية المرتبطة بالقرآن

  • ماذا تعني الاختلافات الأسلوبية؟

علم الأساليب هو فرع من فروع علم اللغة الذي يدرس ميزات أنواع مختلفة من اللغة ضمن موقف وسياق ومعنى معين. يحاول علم الأساليب أيضًا تطوير مبادئ لشرح الاختيارات الخاصة التي قام بها المؤلف.

الاختلاف الأسلوبي هو استخدام سمات مختلفة للغة بطرق لا تعد ولا تحصى. لتوضيح ذلك، خذ الآيتين القرآنيتين التاليتين متطابقتين من الناحية الهيكلية ولكنهما متميزتان من حيث الأسلوب:

  • “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا” [53].
  • “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا” [54].

الفعل الأول “تَقْرَبُوهَا” في الآية الأولى هو في سياق التحريم الخطير “… وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا”.

الفعل الثاني في الآية الثانية “تَعْتَدُوها” فيه بعض المرونة التي تدل عليها أدوات العطف في العبارات السابقة “إما” و”أو” [56]،

“الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ …. تلك حدود الله فلا تعتدوها..”.

في سياق الاختلاف الأسلوبي، يمكن للمثال أعلاه تقديم دليل تجريبي للرأي القائل بأن القرآن يستخدم كلمات وعبارات على وجه التحديد لتوفير معنى دقيق ومقصود.

  • كيف يتفرد القرآن بهذه الاختلافات الأسلوبية؟

يحقق القرآن شكله الأدبي الفريد من خلال تجاوز استخدام اللغة الشائعة في السجع سامية جراح في مقالتها “سحر القراءة: الصوت والمعنى والتعبير في سورة العاديات”، التي تناقش كيف يحقق القرآن تفرده بسبب الاختلافات الأسلوبية:

“العربية القرآنية تخلق مجموعة رائعة من معنى الكلمة والصوت تتحدى أعراف كل من السجع العربي والقواعد الأدبية للأدب العربي الكلاسيكي”.

في مقالتها توضح بالتفصيل استخدام القرآن الفريد للأسلوب والبنية والصوت في سياق أدبي جديد. لكن الاختلافات الأسلوبية في القرآن لا تقتصر على العناصر التي تصفها. هناك العديد من العناصر الأسلوبية المستخدمة في القرآن والمسؤولة عن تفرده. هناك عدد لا يحصى من الطرق التي يستخدم بها القرآن لغة غير معروفة في أي خطاب عربي، ومن هذه الطرق،

  • السجع والقافية ذات التوجه الدلالي.
  • التحولات النحوية (الالتفاتات).
  • العلاقة المتبادلة بين الصوت والبنية والمعنى.
  • نوع لغوي فريد.
  • ترتيب الكلمات.

تقدم الأمثلة التالية أدلة لغوية وأدبية على تمييز القرآن في الأسلوب:

– المثال الأول: ترتيب الكلمات والصوت والمعنى.

الجملة التالية هي مثال على كيف يجمع القرآن بين الكلمات والأصوات والمعنى والنظام لتحقيق هدفه في التواصل؛ والنتيجة هي بلاغة سامية، وبلاغة لا تُضاهى، وشكل أدبي فريد: (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ).

ترتيب بديل ممكن: (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَالْفُرْقَانَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ).

هذا الترتيب البديل به بعض العيوب. أولًا، الترتيب الثاني يفتقر إلى الإيقاع، مقارنة بالبنية القرآنية، وهو أقل شأنًا من الناحية الصوتية. ثانيًا، أدى هذا الترتيب إلى اضطراب في المعنى. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الكلمة الرئيسية “أنزل” قد تم حذفها وأن الكلمة الأخيرة “الفرقان”، التي يكون لموقعها قيمة دلالية حاسمة، قد وُضعت في منتصف الجملة.

يعد تكرار كلمة “أنزل” وموضع كلمة “الفرقان” من الوسائل الأساسية المستخدمة لتعزيز التأثير الاتصالي والنفسي اللغوي والبلاغي. إن تكرار كلمة “أنزل” هو لتأكيد وحي الفرقان وأنه بالفعل كتاب إلهي، بينما وضع كلمة “الفرقان” في نهاية الجملة هو تأكيد أن الفرقان هو الكتاب الأخير والنهائي.

يشير عبد القادر عطا إلى أمثلة مثل هذه على أنها “التركيب الكيميائي للقرآن” والتي تشير إلى الاختلاف الأسلوبي الدقيق والمتوازن في القرآن.

– المثال الثاني: التحولات النحوية (الالتفاتات).

لفت البروفيسور عبد الحليم الانتباه في مقالته “التحول النحوي للأغراض البلاغية: الالتفاتات والميزات ذات الصلة في القرآن”، إلى أن هناك ميزة أخرى لا تُضاهى في القرآن، وهي الاستخدام المكثف للتحولات النحوية. هذه الميزة هي أداة بلاغية فعالة تعزز التعبير الأدبي للنصوص وتحقق الهدف التواصلي؛ وهي جزء مقبول ومدروس جيدًا من البلاغة العربية. يمكن العثور على مراجع في كتب البلاغة للأثير والسيوطي والزركشي.

تشمل هذه التحولات النحوية التغييرات في الضمائر، والتغيير في العدد، والتغيير في المرسل إليه، والتغيير في الزمن، والتغيير في الحالة، واستخدام اسم بدلًا من الضمير والعديد من التغييرات الأخرى. يتم عرض مثال على هذه الميزة البلاغية المعقدة في الآية التالية: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).

فبدلًا من أن يقول “سوف يعطيه …” يتحدث الله في هذا المثال بصيغة الجمع بلفظ الجلالة ليعطي ضمانه الشخصي لمكافأة أولئك الذين يقومون بالأعمال الإيجابية المذكورة في الآية السابقة.

يتم عرض مثال آخر لهذا التغيير المفاجئ في الضمائر والعدد في الآية التالية: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

يشرح نيل روبنسون في كتابه “اكتشاف القرآن: مقاربة معاصرة للنص” هذه الآية في سياق خطابها: “هناك 3 التفاتات في الآية، التحول من جمع المخاطب إلى جمع الغائب وهو مناسب لإدراك هؤلاء مدى سخافة ونفاق سلوكهم، والتحول مرة أخرى إلى جمع المخاطب وهو ما يشير لتحول الله لتوبيخهم، وتحول المتكلم من صيغة المفرد الغائب إلى صيغة المفرد المتكلم ليعبر عن جلاله وقوته، وهو أمر مناسب في ضوء الإشارة إلى القيامة والدينونة”.

تساهم هذه التحولات في الأسلوب الديناميكي للقرآن. إنها سمة أسلوبية واضحة وممارسة بلاغية مقبولة. يستخدم القرآن هذه الميزة بطريقة تتوافق مع موضوع النص (مدفوعًا بدلالاته) مع تعزيز تأثير الرسالة التي ينقلها. ليس من المستغرب أن يستنتج نيل روبنسون أن التحولات النحوية المستخدمة في القرآن أنها “أداة بلاغية فعالة للغاية”.

القرآن هو الشكل الوحيد للنثر العربي الذي استخدم هذه الأداة البلاغية بطريقة شاملة ومعقدة. يقول عبد الحليم: “… هناك توظف لهذه الميزة على نطاق أوسع وبتنوعات أكثر بكثير من الشعر العربي … لا يبدو أن أحدًا يقتبس مراجع للنثر بخلاف القرآن”.

القرآن مميز من حيث الأسلوب عن أي شكل معروف من أشكال الخطاب العربي. تستخدم الوسائل اللغوية والأدبية بطريقة لم يتم استخدامها من قبل.

خاتمة

هل الشكل الأدبي مبني على معايير شخصية؟ غالبًا ما يزعم بعض نقاد القرآن أن التحدي القرآني هو أمر شخصي ويقوم على معايير ذوقية. هذا اتهام كاذب. يمكن وصف القرآن بأنه نثر أو شعر أو فريد من نوعه. لا تستند الأشكال الأدبية إلى معايير ذوقية شخصية؛ فهي تستند إلى السمات الهيكلية للنص. يمكن أن نرى بوضوح أعلاه أن الأشكال الأدبية محددة ويمكن تمييزها عن بعضها البعض.

– القرآن فريد: القرآن شكل فريد من أشكال الكلام العربي. لا يمكن وصف شكل لغته بالنثر أو الشعر. يحقق هذا الشكل الأدبي الفريد من خلال:

  • دمج الشعر والنثر معًا.
  • تجاوز السمات المميزة للسجع.
  • استخدام أدوات أدبية ولغوية تجعله متميز من حيث الأسلوب.

لكل فصل طابع خاص له شكله الفريد واستخدامه الفريد للأدوات الأدبية. هذه السمات للقرآن هي جزء من سبب عدم القدرة على تقليده حتى يومنا هذا.

يقول البروفيسور وعالم اللغة العربية المشهور هاميلتون جيب: “……. لا يزال المكيون يطالبونه بمعجزة، وبجرأة ملحوظة وثقة بالنفس، استند محمد كتأكيد أسمى لرسالته إلى القرآن نفسه. مثل كل العرب كانوا خبراء في اللغة والبلاغة. حسنًا، إذا كان القرآن من تأليفه الخاص، يمكن لرجال آخرين أن ينافسوه. دعهم ينتجوا عشر آيات مثل آياته. إذا لم يستطيعوا (ومن الواضح أنهم لم يستطيعوا)، فليقبلوا القرآن باعتباره معجزة إثبات بارزة”.

يشهد العديد من الأكاديميين المسلمين وغير المسلمين على أن القرآن فريد بالفعل ولا يُضاهى. تحليل مثير للاهتمام ومفيد لعائشة عبد الرحمن بعنوان “التفسير البياني للقرآن الكريم”، والذي بني على أعمال العديد من علماء الإسلام على مدار العقود، يدعم الاستنتاج الذي أعرب عنه طه حسين بأن “يجب تقسيم التأليف العربي إلى ثلاث فئات، النثر والأبيات الشعرية والقرآن”.

نتيجة للبحث في الدراسات الغربية والإسلامية يمكن أن نستنتج أن القرآن شكل أدبي فريد. مزيد من البحث في المراجع أدناه سيعزز النقاط التي أثيرت في هذه المقالة وسيوفر الفهم الصحيح لكيفية عدم تمكن أي شخص من إنتاج أي شيء مثل الخطاب القرآني. يؤكد البروفيسور بروس لورانس بشكل صحيح:

الآيات القرآنية، كعلامات ملموسة، تعبر عن حقيقة لا تنضب، فهي تدل على المعنى متعدد الطبقات، نور على نور، معجزة بعد معجزة.

388

الكاتب

وائل وسام

طالب في كلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية في مصر، مهتم بالثقافة الإسلامية.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.