فيلم “صاحب المقام” يشبه عنوان كتاب شهير للأستاذ “محمود شاكر” اسمه “أباطيل وأسمار”، بل يكاد هذا العنوان ينطبق على محتوى الفيلم تمام الانطباق. فهو مجموع أباطيل مُكرَّرة تُساق بين أسمار ليست ذات متعة. مؤلف الفيلم هو صحفيّ مصريّ يُسمَّى “إبراهيم عيسى”، قال عن الفيلم قبل عرضه إنَّه أوَّل فيلم صوفيّ في تاريخ السينما العربيَّة، وقد يكون الأخير. فهيَّا معًا لنكتشف هل هو فيلم صوفيّ كما ادَّعى الصحفيّ؟ وهل هو أصلاً فيلم يُفتخَر به كما افتخر الصحفيّ؟

أحداث فيلم صاحب المقام

يتناول الفيلم قصَّة رجل أعمال يُدعى “يحيى” ينوي بناء منتج سياحيّ في منطقة بها مقام يُدعى “مقام سيدي هلال”. وكي يستطيع بناء هذا المنتجع لا بُدَّ له أنْ يهدم المقام، ومن هنا يبدأ مع شريكَيْه التوأمَيْن تداول القضيَّة وكيف يحتالون في سبيل هدم هذا المقام الذي يأتي به الناس من بعيد ليتبرَّكوا به ويطلبوا منه الغفران والسماح وقضاء الحوائج.

وبعدما يستقرّ الرأي على هدم المقام تبدأ حوادث غريبة في حياة يحيى وعمله؛ فتنهار أسُهُمُه في البورصة، ثم يُحرق له بيت كبير بمحتوياته، ويصيب الضرر أرضًا له. وفي ظلّ شكّ بدأ ينبعث في نفس يحيى أنَّ السبب هو تجرُّؤُه على هدم المقام تسقط زوجته مَغشيًّا عليها، وتنقل إلى المشفى لتوصف حالتها بأنَّها نزيف في المخ لا مبرِّر له، ثمَّ تستمرّ في غيبوبتها رغم كلّ ما فعله الطبيب، ولا يعلم أحد ما بها.

وفي المشفى يجد يحيى شخصيَّة جديدة هي “رُوح” التي تخبره أنَّ عليه الذهاب وطلب السماح من الذين أغضبهم، فيعرف يحيى أنَّ المقصود هو إغضابه للأولياء الموتى في قبورهم، ويستنتج من كلامها أنَّ عليه طلب السماح من بقيَّة الموتى الأولياء الذين غضبوا على هدم مقام صاحبهم “هلال”. فيبدأ رجل الأعمال رحلة لمساجد الأولياء وصولاً لمقام “الإمام الشافعيّ” والذي يجد عنده أحد معارفه القدامى ويطَّلع فيه على الرسائل التي يتركها الناس في مقام الإمام طالبين منه المعونة والغوث. فيقرِّر أن يساعدهم كيْ ينقذ زوجته المريضة.

قضية سرقة الفيلم من آخر صهيونيّ

صاحب المقام مراجعة فيلم صاحب المقام.. فضح الغرض وكشف الدلالة 1

وقبل تناول أفكار الفيلم نقف وقفةً مع بناء الفيلم نفسه. وأوَّل ما يسترعينا هو القضيَّة التي أُثيرت من سرقة مؤلِّف هذا الفيلم من فيلم صهيونيّ اسمه “مكتوب” بدليل أخذه فكرة الرسائل -المتروكة في الفيلم الآخر على “حائط المَبْكَى” في الأراضي الفلسطينيَّة-، وتحقيق بطلَيْ الفيلم لأمنيات أصحابها.

وبعد رؤية الفيلم تبيَّن لي أنَّ الفيلمَيْن يتلاقيان عند كثير من القضايا وليس عند مسألة الرسائل فقط؛ فكلاهما يعتمد على شرار بدء واحدة وهي نذير الشُّؤم -وهذا في دراما العملَيْنِ هو المُبرِّر الأوَّل أو باعث الحدث ومُحرِّكه-، وكلاهما فعل الأبطال فيهما شرًّا سيؤدي فيما بعد إلى تحويلهما إلى طريق الخير، وكلاهما يعتمد في بنائه اعتمادًا رئيسًا على الصدفة والاتفاق التلقائيّ كمُبرِّر لبقيَّة أحداث الفيلم، وكلاهما مَعيب بضعف التبرير، وكلاهما يعتمد على الكوميديا أو الإضحاك كتصنيف ثانٍ للفيلم بعد تصنيفَيْ مُغامرة، دراما. لكنْ بقي أن أقول إنَّ الفيلم الصهيونيّ أكثر تماسُكًا، وأنجح في صناعة الإضحاك من “صاحب المقام”.

ضعف تركيب الفيلم دراميًّا

وفي غير مسألة السرقة من الفيلم الآخر إذا نظرنا إلى فيلم “صاحب المقام” سنجد أنَّه فيلم ضعيف التكوين في دراما العمل وبنائه الداخليّ. ولنْ أطيل في هذا الجانب -فليس هذا غرض هذه السطور- سأكتفي بتهاوي البناء الكُلِّيّ للعمل حيث اعتمد على الضعف الشديد في المُبرِّر الدراميّ، ومثالاً على ذلك شخصيَّة “رُوح”.

وهي شخصيَّة رئيسيَّة ومحوريَّة حيث هي التي نقلتْ يقين رجل الأعمال بأنَّ هدمه للمقام هو سبب البلاء الذي أصابه وهو ما يُسمَّى في الدراما “الحلّ”. وقد تمثَّل هذا الحلُّ في ذهابه إلى الأولياء وإرضائهم، وهو التحوُّل الدراميّ الأعظم في الفيلم، ليس هذا وحسب بل قامت كذلك بمُباشرة الخطّ الدراميّ العامّ للأحداث بالحلول الجزئيَّة؛ حيث تقترح على يحيى كلّ الحلول وتعطيه كلّ المفاتيح التي يكمل بها رحلته، وتُوجِّهه إلى حيث تريد. فضلاً عن أنَّها صاحبة الخدعة التي نكتشفها جميعًا في نهاية الفيلم. وهذا كلُّه يدلُّ على قيمة هذه الشخصيَّة في الفيلم.

الإشكال في هذه الشخصيَّة أنَّها تشبه الفيلم كلَّه لا أحد يعرف لها أصلاً! فشخصيَّة “رُوح” بها الكثير من العجب؛ تظهر وتختفي فجأةً بلا مُبرِّر في أوَّل مشهد لها فيظنُّ المُشاهِد أنَّها شخصيَّة رُوحيَّة لا حقيقيَّة، ثمَّ يُعاملها المؤلف معاملة أخرى لتظهر أمامنا بأنَّها شخصيَّة حقيقيَّة تقابل الناس في المشفى ويعرفونها وتعرفهم -وهنا نسأل لماذا إذنْ اختفتْ في المشهد الأوَّل على أنَّها طيف أو خيال؟!- ثمَّ تترك لباس المُمرضة لتلبس لباس رجل أمن في المشفى ظاهرةً أمام ممرضة أخرى دون أيّ مُبرِّر للأمر! وكأنَّه شيء عاديّ لا يستحقّ التبرير. وتتحدث الممرضة الأخرى عن “رُوح” قائلةً: إنَّها كانت موجودة في المشفى من قديم وبعض الناس يقولون إنَّها وُلدتْ هنا. وهذا في الدراما يُسمَّى “صنع تاريخ للشخصيَّة” مِمَّا يؤدي إلى تعميق الشخصيَّة.

ثم تظهر وتختفي فجأةً في مواضع شتَّى في قصص الناس الذين سيُساعدهم يحيى. وهنا نسأل -ويسأل أيُّ عقل سليم- هل المؤلف يقدم “رُوح” على أنَّها شخصيَّة حقيقيَّة أمْ خياليَّة؟! .. وننتظر لآخر الفيلم لنرى فيلمًا آخر يُسمَّى “الهروب الكبير” حيث تقول “رُوح”: “ليس المُهم مَن أنا، المهم لماذا أنا؟”. ويقف المشاهد متعجبًا أمام هذه المحاولة السخيفة في الهروب من التبرير من قِبَل المؤلف.

ليس أمر هذه الشخصيَّة التي تقدح في البناء الكُلِّيّ للعمل وحسب، بل فلننظر إلى القصص الجزئيَّة وتهاوي بعضها مثل قصَّة “وجدي الدقاق” الذي كان يحتجز ابنة امرأته التي ماتت وسُخفها، وطُرُق الحلّ في الفيلم بسذاجتها البالغة مثل جمع شخصيَّات كثيرة للاستعانة بهم على “وجدي” هذا. غير سذاجات أخرى مثل طريقة تنفيذ مشهد اكتشافه علاج زوجته حيث نرى العجائز المرضى المُتهالكين يقفون تحيَّةً وتصفيقًا وتصفيرًا!! ومشاهد أخرى كثيرة وبناءات جزئيَّة أخرى كثيرة. أيْ أنَّ ما تقدَّم كلُّه هو نموذج وحسب على ضعف البناء الفيلميّ وتشتُّته بين كثير من المذاهب والمُعالَجَات؛ مِمَّا يدلُّ على ضعف المؤلف وأنَّه ليس مؤلِّفًا سينمائيًّا أصلاً. بل يكاد لا يعرف مفردات هذا النوع من التأليف.

ضعف الفيلم فكريًّا

صاحب المقام مراجعة فيلم صاحب المقام.. فضح الغرض وكشف الدلالة 3

أمَّا عن الضعف الفكريّ فيه فكثير أيضًا لا يُحصى، سأكتفي فقط بذكر ثلاثة مواضع: أوَّلهما أنَّ الحلّ الدراميّ في الفيلم تمثَّل في الذهاب إلى مواطن أولياء الصوفيَّة ومحاولة طلب المغفرة منهم على جريمة هدم الضريح. وهنا تقف أمامنا مشكلة أنَّ “الإمام الشافعيّ” لمْ يكنْ وليًّا، بل لمْ يكُن من الصوفيَّة أصلاً.

فلِمَ ذهب الفيلم إلى هذا الإمام بالذات وأكمل معه الفيلم؟! والأصل ألا يذهب البطل إليه، بل إلى الأولياء المعدودين من الصوفيَّة وهم كُثُر حيث أهمل الفيلم: الرفاعيّ، الدسوقيّ، العدويّ، والشعرانيّ، وغيرهم كثير، بل إنَّ كلَّ مُحافظة في مصر بها الكثير. فلِمَ ترك الفيلم كلَّ مَظَانِّ الصوفيَّة والأولياء هذه ليذهب إلى “الإمام الشافعيّ”؟! وهُم أشهر بلا شكّ، وهُم أولى بلا شكّ، بل هُم مَدار الزيارة لكلّ مَن يفكِّر في زيارة الأولياء. والسبب سنُبيِّنه فيما بعد.

الموضع الثاني هو تهافت الفيلم في ناحية “مبدأ السببيَّة” حيث اعتمد الفيلم على المذهب القائل بأنَّ الأولياء أصحاب قُدرة على الصُّنع أو الخلق -وهو مذهب ضالٍ لبعض الناس-؛ عندما أرانا كيف نال “سيدي هلال” من يحيى وتلك الخسائر الفادحة التي كبَّدها إيَّاه، والتي قال الفيلم إنَّه فاعلها.

إذًا فالفيلم على مذهب القائلين بقُدرة الأولياء في الخلق وتسيير أمر العباد في الكون. وإذا بالفيلم يميل بنا إلى أحد العلماء “الإمام الشافعيّ” ليُعامله معاملة الوليّ، ويُرينا بعض الأولياء الآخرين، والناس يقفون يطلبون منهم ويسألونهم الغوث. والغريب أنَّ الفيلم بعدها يلجأ في إحداث التغيير في حياة النماذج التي التقى بها يحيى إلى “مبدأ السببيَّة”؛ حيث اعتمد على مُجهودات يحيى ومعارفه وعلاقاته ونفوذه وأمواله في إصلاح أحوال هؤلاء الذين يطلبون من الأولياء.

فهل الأولياء يفعلون أم لا يفعلون؟! وهل فعلهم بسبب أو بدونه؟! وإذا كان لوليّ محدود القدرة والشهرة هذا الكمّ من الفعل المُباشر دون سبب ألا يكون لغيره من الأولياء الآخرين القدرة نفسها على حياة مُتَّبعِيهِم؟! ولماذا احتاجوا إذن إلى السبب وهم ذوو قدرة على الخلق المباشر والتسيير بلا سبب؟!

فضلاً عن أنَّ الفيلم قد غذَّى بشدة هذا الرأي القائل بنفي السببيَّة، عن طريق إهمال التسبيب وعدم التفكير فيه. فنرى شخصيَّة “رُوح” -التي أوكل لها الفيلم مهمة بثّ آراء المُؤلف- وهي تقول في تبرير ما يحدث للبطل: “ليس المُهم أنْ تفهم، المهم أنْ تحسّ”. وبالقطع مثل هذه الآراء وإدخال التأثير الدراميّ عليها يؤدي إلى كثير من الاضطراب الفكريّ العامّ بين المشاهدين الذين لنْ يكونوا عالمين بشيء يُسمَّى السببيَّة أو غيرها، بل سيتداولون أقوال الفيلم وتبريراته في حياتهم، ليقعوا في مزيد من الاضطراب.

الموضع الثالث يتبيَّن لنا في إرادة الصحفيّ المُطلقة في التسفيه من فكر العرب. فنرى الطبيب يقول ليحيى عن حالة امرأته: أتريدني أن أحدَّثك بالطريقة المصريَّة التي تقول كلّ شيء تمام و”زيّ الفُلّ” أم الإنجليزيَّة التي تقول المرض وأعراضه؟” .. فاختار البطل الطريقة الإنجليزيَّة فإذا بالطبيب يُردِّد نفس المعنى الذي عابه على التفكير المصريّ قائلاً: “كلّ ما أمامي يقول إنَّها بخير، لكنَّ شيئًا غريبًا يمنع استرداد وعييها”. ولعلَّ القول الذي عابه من قبل رجع إليه الآن لكنْ تحت مِظلَّة “التفكير الإنجليزيّ” الذي يحتقر هوِّيَّة القوم!

فهذا بعض من كثير يبين تهافت الفيلم وأنَّ صاحبه لا يدرك من أمر شيء شيئًا بدليل فعله. فقد اختار أنْ يعبِّر عمَّا يريد دون أنْ يعرف حدودًا لهذا أو ثمنًا له. ودون أنْ يعرف أنَّ لكلّ فعل في العمل الفنِّيّ مُقابلاً يجب الالتزام به. وكلُّ ما فعله هو تغفيل مَن أمامه وإيهامهم بما يريد توجيه النظر إليه وحسب. لكنْ هنا نأتي لما أراد المؤلِّف بثَّه في نفوس المُشاهدين؟

أغراض الفيلم

صاحب المقام

قد يبدو أمام المُشاهد في البدء أنَّ الصحفيّ أراد من فيلمه إحياء فكرة زيارة قبور مَن يُسمُّون أولياء الله، أو طلب العون منهم مِمَّا يُعبِّر عن روح دينيَّة -في نظر البعض-. وإذا وقفنا عند هذه الفكرة وتبرير البعض للفيلم بأنَّه خطوة للإيمان والرُّوحانيَّة في زمن الماديَّة فالأمر منقوض ومهدوم بالقطع. ولسنا في حاجة إلى أنَّ هذا ترويج للخرافة وليس للتديُّن. لكنْ يجب التنويه على أنَّ كلَّ ممارسات المَوَالِد والتعبُّدات للمقامات هي من موروث الديانة المسيحيَّة التي تأثَّر به الصوفيَّة المُبتدعة في أزمان متطاولة -هذا ليس رأيًا بالقطع بل هي حقيقية-.

والغريب أنَّ هذا الغرض لا هو يُرضي المُسلمين، ولا هو يُرضي طائفة العَلمانيِّين -التي ينتمي إليها الصحفيّ المؤلِّف-. فهؤلاء يرون هذا شركًا صريحًا واضحًا لا مراء فيه، وأولئك يرون هذا انتكاسًا عن كلِّ معنى للتقدُّم ويخلو من أيّ مفهوم صحيح. وبالرغم من هذا وجدنا ترحيبًا من كثير من أبناء هذه الطائفة لهذا الفيلم؟ فهل صار العلمانيّ يؤيد ما يسمِّيه خرافة؟! وما السرّ في تأييد العلمانيِّين له؟!

السرّ هو الهدف الخفيّ من الفيلم فليس هذا الفيلم يدعو إلى إحياء الصوفيَّة الخُرافيَّة في قلوب الشعب، وليس يدعو إلى مجرد الخُرافة وحسب. بل إنَّ الفيلم يأتي على الصوفيَّة ويختار أكثر نماذجها سوءًا وأشدّها شذوذًا؛ ألا وهو “وحدة الأديان” فهذا هو الغرض الرئيس للفيلم لا صوفيَّة الأولياء كما ظنّ غالب الناس. وكَيْ نفهم هذا يجب أنْ نعلم أنَّ “الصوفيَّة” بها اتجاهان رئيسان: صوفيَّة السُّنَّة وهو اتجاه تعبُّديّ لعلماء كثيرين مثل الإمام أبي حامد الغزَّاليّ والسَّهروَرْدِيّ. والصوفيَّة الأخرى تُسمَّى صوفيَّة الابتداع أو التصوُّف الفلسفيّ. وهي أفكار متباينة وكثيرة وليست مذهبًا مُوحَّدًا، وقد اشتهر فيها أسماء عدة مثل: الحلَّاج، البسطاميّ، السَّهروَرْدِيّ المقتول، وابن عربيّ الفيلسوف الكبير.

ومذهب “وحدة الأديان” هو من أكثر نماذج تلك الصوفيَّة شذوذًا على الإطلاق. وهو مذهب يقلِّل من قيمة الإسلام ويعتبر أنَّ النضوج الدينيّ هو ترك فكرة الالتزام بدين محدود إلى الإيمان بالمُطلَق من غير الالتزام بدين. وكأنَّه يرى كلَّ الأديان دينه، ولا يرى مغايرة أو فرقًا بين إسلام ومسيحيَّة وبهائيَّة و… ومثالاً على هذا قال “ابن عربيّ” في أبيات شهيرة:

لقدْ صارَ قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ

فمَرْعًى لغِزْلاَنٍ وديرٌ لرُهْبانِ

وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ

وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ

رَكائِبُهُ فالحُبُّ دِينِيْ وإيمانِيْ

هذا هو المذهب الذي ظهر في الفيلم ولو أنَّ المؤلف حاول صياغته بشيء من التستُّر وكثير من محاولة صُنع الكوميديا ليُقلِّل من وطأة الأمر ويمرُّ به سريعًا دون تثبيت النظر فيه. وتمثَّل هذا في مشهدَيْن ذهب فيهما يحيى إلى الكنيسة!! ذهب إلى الكنيسة مع أنَّ المُتفق عليه أنْ يذهب إلى “أولياء الله” فهل الكنيسة من أولياء الله؟! .. نعم هي في هذا المذهب كذلك، فإنَّه لا يُفرِّق بين دين وآخر كما سلف (وهذا ما يجعل بعض السُّفهاء من المسلمين يذهبون إلى الكنائس طالبين الاستدواء).

بل أوغل المؤلف في هذا فاقترح عليه صاحبه المسيحيّ الذي اقتاده إلى الكنيسة أنْ يقف أمام مذبح النصارى ليشعل شمعة ثمَّ يقرأ الفاتحة!! .. لعلَّ القارئ ستصيبه الغُربة من وقع هذه الكلمات لكنَّه لو اطلع على نصوص وأفكار هذا المذهب لعلِم أنَّه لا يفرِّق بين دين وآخر بل يرى كلّ الأديان على صلاح. وهنا ننوِّه أنَّ هذا المذهب ليس من المسلمين، بل يؤمن به الكثير من أتباع ديانات مختلفة ولهم من هذه الطقوس الكثير.

لماذا اختار الإمام الشافعي

صاحب المقام

وهنا نأتي للسؤال الذي تركناه سابقًا: لماذا الشافعيّ؟! لماذا اختار الصحفيّ “الإمام الشافعيّ” خاصَّةً ليُكمل به طريق الفيلم؟! نعم قد يُجيب مُجيب بأنَّه قبر تُوضع فيه الرسائل لكنَّ هذا منقوض بأنَّ ظاهرة رسائل القبور تُوضع في كلّ المقابر المفتوحة، حتى ذُكِر في الفيلم أنَّهم وجدوا رسائل في قبر “هلال” الذي هُدِم.

فلماذا لمْ يذهب الصحفيّ لأيّ من مقابر الأولياء ليُكمل طريقه؟ -ونكرِّر هنا أنَّ الحلّ هو إرضاء الأولياء وليس الشافعيّ منهم أصلاً- ولماذا أوهم الكثير من مُشاهدِيْهِ غير العالِمِين بأنَّه منهم؟ .. نقرن هذا بمعلومة هي أنَّ الصحفيّ يتهجَّم على الإمام الشافعيّ ويرى فيه تأخيرًا للمسلمين. هذه الأقوال التي يقولها من على منبر الاحتلال الأمريكيّ في إحدى القنوات المدعومة من “الكونجرس الأمريكيّ“. فهل الآن قد بدا له مقام الإمام فعمِلَ على إعلائه؟!

وتتبدَّى لنا الإجابة صريحةً هي أنَّ “الإمام الشافعيّ” هو واحد من أكبر لبِنَات البناء العقليّ في الإسلام كلِّه. فهو من المشهود لهم من القاصي والداني بالذكاء والألمعيَّة في العلوم ومضمارها، وإليه يُنسَب أهمّ عِلم إسلاميّ على الإطلاق “علم أصول الفقه” في كتابه “الرِّسالة”. لهذا السبب خاصةً اختار الصحفيّ “الشافعيَّ” محلاً لضلالاته وإفكه.

ولا يختلف هذا الفعل عنْ فعل كثير من المُستشرقين المُعادِين للإسلام حينما كانوا يأتون على نقاط التماع العرب والمُسلمين ليُدنِّسُوها ويتهموها بأنَّها نقيصة وعيب. فما بالُنا بهذا العالِم الذي أنار طريق الباحثين في الإسلام والمُشاهد البسيط يسمع أنَّه ترك مصائر الناس أمانةً في رقبة يحيى؟! وما بالنا وقد تحوَّل من رمز للعلم والفهم إلى مَكمَن من مكامِن الخُرافة والزيف والبُطلان؟!

واجبنا ورسالة أخيرة

صاحب المقام مراجعة فيلم صاحب المقام.. فضح الغرض وكشف الدلالة 7

وبعدُ، فهذا شيء بسيط من بُطلان هذا الفيلم وبيان تهافُت صاحبه الصحفيّ الذي لا هو يُجيد فنّ الكتابة السينمائيَّة، ولا هو يجيد الأفكار بل يجيد دسَّ السُّمّ في تلك الأسمار التي أراد لها أنْ تشيع. لهذا وجب علينا جميعًا واجِبان: الأول لمَنْ لمْ يُشاهد واجبه هو الإهمال لهذا العمل فإحياء الحقّ يكون بذِكره وهدم الباطل يكون بتَركِه، وعلى مَنْ شاهده واجب عليه أن يُشهر الردَّ عليه وأنْ يُساعد على تنبيه مَن شاهده على مواطن الإفك التي دخلت إلى عقله وهو لا يدري، واستقرَّتْ مُنتظرةً أن تتحوَّل إلى أفكار أخرى متطوِّرة يطبقها في واقعه أو يعتنقها اعتناقًا.

وإلى الصحفيّ الذي قد حلا الإمام الشافعيّ في نظره فجأةً، وجعله مِرسال شرّ للبشر. ننقل بعض كلمات “الشافعيّ” في كتابه “الرسالة” الذي نعرف أنَّ الصحفيّ لمْ يقرأه بدليل هجومه على الإمام، وبدليل ما أتى في فيلمه من أفكار.

يقول “الشافعيّ” في وجوب التوسُّل لكنْ ليس إلى الأولياء بنصِّه: فأبانَ اللهُ أنْ قد فَرَضَ على نبيِّه اتِّباع أمرِهِ، وشهِدَ له بالبلاغ عنه، وشهِد به لنفسه، ونحن نشهد له به، تقرُّبًا إلى الله بالإيمان به، وتوسُّلاً إليه بتصديق كلماتِه”. وإلى الصحفيّ الذي يُنكر اتباع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول له “حبيبُه” الشافعيّ:

فجَمَعَ لهُم أنْ أعلَمَهُم أنَّ الفرض عليهم اتِّباع أمره وأمر رسوله، وأنَّ طاعةَ رسوله طاعتُهُ، ثمَّ أعلمهم أنَّه فَرَضَ على رسوله اتِّباع أمرِهِ جلَّ ثناؤُهُ.

فليتَ الصحفيَّ والناس جميعًا يعلمون، وعلى الله قصد السبيل.

248

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.