
تلبية وفد الله
تكمن خلف أفعال وأقوال العبادات والمناسك في الإسلام معانٍ تمثل الروح من الجسد، وإن معاني العبادات هي الحياة التي تحيا بها قلوب العابدين، وهي المادة التي تحرك وجدانهم، فالفرق إذن كبير جدًا، بل لا تكاد توجد نسبة بين العبادة المتضمنة لمعانيها في عالم أفكار المسلم وما تنتجه من حركة وتفاعل صحيح في هذا الكون، وبين العبادة المفرغة من حقائقها ومعانيها، وإن معاني عبادات المسلمين هي التي توجه المسلمين إلى رشاد الحياة في هذه الدنيا.
ومن الشعائر التي تتضمن معاني جليلة في الإسلام شعيرة الحج والعمرة، وما تكتنفه به وفد الله الذي شد الرحال لتلبية النداء. وفي الحج تبرز التلبية التي يرددها المُحرمون الذين يفدون للبيت العتيق ولمعالم التوحيد، ويتنقلون بين مشاعر الله والمناسك العظيمة.
وبما أن التلبية تلازم هتاف الحجيج والمعتمرين في مراحل رئيسية من رحلتهم، يختلط خلالها نداء التلبية بمشاعرهم الجياشة ورجاء قلوبهم في أثناء سيرهم في رضا محبوبهم جل وعلا، كان لمعرفة المعاني الكامنة وراء التلبية أهمية قصوى، حتى يتحقق مراد الله، وحتى يتفاعل المحرم تفاعلًا يليق بذلك المراد الرباني.
التلبية استجابة تامة لله وحده

يدخل المسلم إلى المشاعر الحرام في التوقيت النسك الذي هو وقت حرام، فيستجيب لذلك بلباس الإحرام، ليصبح جزءًا من الوفد العظيم في النسك العظيم وشعائره العظيمة، فيستجيب بمجرد إحرامه بالبدء في التلبية، فتستجيب في تلك اللحظات المشاعر، وتفيض شوقًا للشعائر، وتتوجه الأفئدة لله الواحد، إعلان استجابة متجردة لله، متجردة من كل ما سواه، متجردة من حول كل ذي حول سوى الله، وقوة كل ذي قوة غير الله:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
التلبية إعلان لموقف المسلم من التوحيد الحنيف
إن كل ما في الحج يذكّر بمعنى التوحيد، ويهتف بالتذكير لكل الحجاج والمعتمرين بقصة التوحيد؛ قصة إفراد الله سبحانه بالتوجه له وحده، فمعالم مكة والكعبة الشريفة تحيي خطى إبراهيم عليه السلام، الذي دعا ربه بأن تهوي القلوب وتحج إلى مكة حين قال:
{فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37].
وهو نفسه الذي أعلن التوحيد في وجه الطغاة والمتجبرين:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258].
فأخزى الله الطاغية ونصر إبراهيم، وسيدنا إبراهيم نفسه الذي سمانا بالمسلمين:
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} [الحج: 78].
وهو الذي اختاره لبناء بيته الكريم:
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127].
وها هو وفد الله يبدأ التلبية مع الإحرام في الميقات متوجهًا إلى معالم التوحيد، مقتديًا بهادم الأصنام إبراهيم عليه السلام، الذي ملأ الله سبحانه قلبه عزمًا على الكيد والتدبير لمحو خرافة الأصنام في الواقع وفي قلوب قومه:
{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء: 57].
وإنك أينما وليت بصرك خلال شعائر الحج والعمرة ستجد المشهد يهتف بقصة إسقاط الوهم والخرافة ومن يحميها من المجرمين:
{فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ} [الصافات: 91-92].
{فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58].
فإذا أطلق الحاج أو المعتمر صوته بالتلبية، وكررها مرارًا ومرارًا، امتلأ وجدانه وقلبه وفكره بالتوحيد، والتهبت مشاعره بالحنيفية الحقيقية الموروثة عن هادم أصنام الجاهلية القديمة:
{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161].
التلبية إعلان لموقف المسلم من القضية الكونية الكبرى

تعود بنا التلبية إلى أصل الخلق وغايته، إلى أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، فقد خلق الله آدم وذريته لغاية محددة وقضية بعينها، وهي الاستخلاف في الأرض:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30].
أما الاستخلاف فهو معركة وتحدٍّ بين آدم ومن سيتبعه وبين عدوه إبليس ومن سيتبعه، لذلك كانت قصة الإغواء التي حدثت في الجنة نموذجًا عن التحدي الذي سيواجهه آدم وذريته مع عدو الله وعدوهم في الأرض:
{وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 35-36].
إن المعركة معركة عداء بين طرفين: آدم وذريته من الذين ابتغوا رضوان الله وأقاموا أمره في الأرض، وإبليس ومن تبعه من الإنس والجن، وقد كان عهد إبليس واضحًا لغايته في هذه المعركة:
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 12-13].
فلما استيقن الشيطان أنه مطرود من رحمة الله كان طلبه:
{قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} [الأعراف: 12-13].
لقد طلب أن يبقيه الله إلى يوم القيامة، فما كانت خطته تجاه آدم وبنيه إلى ذلك اليوم الموعود؟
{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 16-18].
نعم، هذه هي القضية الكونية الكبرى، والصراع الأزلي بين فريقين، فما هو أثر التلبية خلال الحج أو العمرة في هذا الصراع؟
لقد أعلن الشيطان أن عمله في معركته ضد بني آدم هو أن يغويهم عن الصراط المستقيم، وأن يزين لهم طريق الباطل، وأن يصرفهم عن شكر الله وحمده:
{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16-17] .
فإذا بالتلبية تبدأ بإعلان الاستجابة لله وحده، ثم تعلن الحمد المطلق لله:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
ولذلك كان لارتفاع الصوت بالتلبية من حناجر وفد الله في ذلك الموكب المهيب يوم عرفة منتهى الغيظ للشيطان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما رُئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم بدر».
فقيل: وما رأى يوم بدر؟
قال: «أما إنه قد رأى جبريل عليه السلام وهو يزع الملائكة».
التلبية إعلان لموقف المسلم من قضايا الإسلام في كل مكان
إذا كانت التلبية إعلان استجابة لله وحده، وإذا كانت إعلانًا للحنيفية والتوحيد النقي الخالص، وإذا كانت إعلانًا لموقف المسلم من القضية الكونية الكبرى بالاستجابة لله المقتضية عدم الاستجابة لشياطين الجن، فإن الاستجابة لله وحده في التلبية تعني فيما تعنيه أنها إعلان لعدم الاستجابة لشياطين الإنس أولياء الشيطان، إنها إعلان براءة من أعداء الله كلهم، والمحاربين لدينه كلهم، والمحاربين لأوليائه كلهم، إنها شعار انتماء لقضية هذا الإسلام العظيم في كل مكان وفي كل زمان.
إن التلبية لله وحده تزرع في قلب المسلم الحرية مما سواه:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك».
وإن التلبية في حقيقتها عهد على المسلم بينه وبين ربه، عهد خضوع لله وحده، وعهد استجابة للحق وأهله، وعهد براءة من الباطل وأهله، وعهد حمل لقضية الإسلام وأهله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].



