أنزل الله نبيه آدم إلى الأرض وجعله خليفة فيها، ثم تكاثرت الخليقة وانتشر الخلق فأرسل الله فيهم رسلًا مبشرين ومنذرين، وجعل فيهم الأنبياء والمصلحين. وما يكاد يخْلَقُ إيمان قوم وتنتكس فطرتهم حتى يبعث الله فيهم من يذكّرهم بربهم وسبب خلقهم ووظيفتهم في الحياة. ثم أرسل الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بعد أن عمّ الضلال في الأرض وظهر الفساد في البرّ والبحر فدعى إلى الله وما مات حتى بشّر بآية عظيمة:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)

وحيث أن رسالة الإسلام هي ختام الرسالات ونبيّها خاتم الأنبياء؛ جعل الله من العلماء ورثة للأنبياء، والمفتي قائمًا في الأمة مقام النبي -صلى الله عليه وسلّم-.

ثم إن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بشّر أمته أن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها. وذكر بعض الدارسين عددًا من الأسماء التي اعتبروها مجددة خلال القرون الماضية؛ فاعتبروا عمر بن عبد العزيز مجددًا للقرن الثاني الهجري، واعتبروا الشافعي مجددًا للقرن الثالث.. إلخ حتى في العصر الحديث هنالك من العلماء من ساهم في تجديد بعض النواحي العلمية الإسلامية فبعض العلماء ساهم في تجديد بعض أمور الفقه وبعضهم الآخر ساهم في تجديد أصول الفقه وإبراز الأحاديث الصحيحة وتمييزها عن الضعيفة من أمثال الزهاوي في العراق والبيطار في سورية ومحمد رشيد رضا في مصر وعلاّل الفاسي في المغرب وابن باديس في الجزائر وابن عاشور في تونس … الخ.

إذًا فالتجديد والاجتهاد معنى أصيل في ثقافتنا ونحن مطالبون به، لكن ليس كل من طرح التجديد أراد به هذه المعاني، فلنتوقف عند معناه وأنواعه ومآلاته.

التجديد في الخطاب الديني

التجديد في اللغة من أصل الفعل تجدّد أي صار جديدًا وكلّ ما لم تأت عليه الأيام سمّي جديدًا فالتجديد يورد إلى الذهن ثلاثة معان هي:

  • أن المُجدّد شيء موجود يعلمه الناس.
  • أن هذا الجديد خلِق وأصابه البِلى.
  • أن الجديد بعدما خلِق أعيد إلى سابق حاله.

أما الخطاب فالمقصود به ليس مقتصرًا على الخطابة وإنما يُقال لكلّ ما وصلنا من تصورات وأفكار مسموعة أو مكتوبة خطابًا. والدّين هو مجموعة القيم والمفاهيم التي يؤمن بها الأفراد أو الجماعات. أما في الاصطلاح فقد أخذ ثلاثة مناحٍ:

  • من يرفض التجديد بدعوى الأصالة واكتمال الدين.
  • من أراد به تغيير الخطاب بجملته شكلًا ومضمونًا نصًا واجتهادًا.
  • من طالب بتجديد فهم الكتاب والسنة مع تثبيت كليهما وأن علماء السلف رجالُ ونحن رجال يسعنا الاجتهاد كما يسعهم، ولسنا ملزمين بمخرجاتهم وفهمهم للنصوص.

ولقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن التجديد، فأقيمت له المؤتمرات والندوات، وتحدثت به شخصيات علمائية وسياسية، ولكن السؤال هنا، لماذا هذه الدعاوي بهذا الانتشار في هذا الوقت بالضبط.

سبب الدعوة إلى التجديد في الخطاب الديني

اختلفت آراء العلماء والفقهاء في تلك الدعوة بين مؤيد ومعارض غير أنهم اتفقوا أن تيار التجديد طالبت به جهات دولية بعد أن حمّلوا الإسلام نتائج هجمات الحادي عشر من سبتمبر وأن الهجمات الإرهابية التي تتعرض لها الدول هي نتيجة لمناهج التعليم في المدارس ومعاهد التعليم الشرعي.

فاجتهدت الحكومات بتغيير المناهج والكتابات الصحفية والبرامج الإعلامية وإصدار القرارات والدعوة إلى التجديد نائية بنفسها عن ذلك المسمى الخطير “الإرهاب الإسلامي” وأُلبس هذا المصطلح لباسه الشرعي. واعتمد دعاة التجديد على مجموعة من المبادئ نذكر منها:

  • اعتماد القرآن الكريم مصدرًا للحكم الشرعي بعيدًا عن تراث الفقهاء وأن هذا المبدأ وحده كفيل بإنهاء حكم الردة (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) والرجم وغير ذلك.
  • إسناد الحكم إلى ضمير الفرد استنادًا لقول الله (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) وقوله -صلى الله عليه وسلم- (استفت قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك).
  • النظر للدين من خلال قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).
  • رفض الظلم بجميع أشكاله.
  • تقرير مبدأ أن الله وحده هو صاحب الحق في محاسبة المخطئ.
  • النظر للدين عبر السنن الكونية والمبادئ العامة ومقاصد الشريعة والقواعد الكبرى.

ويرى دعاة التجديد أنهم بتطبيقهم لتلك المبادئ سيحققون ما يلي:

  • الخطاب الديني التقليدي ساهم في فهم مغلوط للنصوص الشرعية نتج عنه فكر متشدد وجماعات إرهابية، وبتطبيق مبادئ التجديد نحصل على مجتمع واع بعيد عن التطرف والغلو.
  • الخطاب التقليدي أجحف في حق المرأة وخاصة المرأة العربية، وبتجديد الخطاب الديني تتحرر المرأة من تلك القيود لتنطلق إلى الفاعلية في مجتمعها.
  • تنوير العقل العربي ودفع الأمة العربية والإسلامية إلى مضان النهضة.

ويرى دعاة التجديد أن الغرب وصل إلى نهضته اليوم بسبب تجديدهم لخطابهم الديني، وهم بدورهم سيسلكون مسلكهم ليصلوا إلى النهضة ذاتها مبتعدين عن التأخر والرجعية.

التجديد في الخطاب الديني الغربي

لم يكف دعاة تجديد الخطاب الإسلامي ما أودعه الله في شريعته من تجديد فما زالوا يرفعون عقيرتهم بالدعوة إليه؛ والسبب في ذلك أنهم يريدون تجديدًا كالذي أحدثته الحضارة الغربية في الدين المسيحي، ولقد مرّت الحضارة الغربية بظروف خاصة ليس من الضروري أن تتواءم مع حضارتنا الإسلامية.

فلم تشهد حضارتنا تضاربًا بين العلم والدين كالذي حدث بين الكنيسة ورجال العلم حتى ثاروا عليها واعتبروا مقدساتها مدنسة ومدنساتها مقدسة. فالتجديد الديني الذي عرفته أوروبا في عصر الأنوار جاء نتيجة سيطرة الكنيسة على الدين والثقافة والسياسة والفكر، وأدى ذلك الى أزمات وجودية هزت المجتمع الأوروبي، فكان لا بد من إبعاد السيطرة الكنسية عن الدين والثقافة والفكر والسياسة، وكان لا بد من إطلاق العقل والثقافة من أجل مواجهة أوهام وخرافات الكنيسة، ولا بد من إنشاء المجتمع المدني من أجل مواجهة المجتمع الكنسي، ولا بد من بناء علوم دنيوية في مواجهة العلوم الدينية، فالتاريخ الإسلامي لم يعرف كنيسة ولم يعرف سيطرة كنسية.

ارتبط مصطلح التجديد بتبني مخرجات الغرب وإعادة صياغة تراث استمر لأكثر من ألف وأربعمئة سنة، فإما أن الأمة عاشت متخلفة بعيدة عن قيم الحضارة طوال هذه القرون أو أن سلطة ثقافة الحضارة الغربية الغالبة تسرّبت إلى عقول الدعاة والعلماء، علاوة على الحكام والسياسيين وفي هؤلاء يشير شاعر الإسلام محمد إقبال: “إنَّ جديدهم هو قديم أوروبا” وفي نفس السياق يقول:

إنَّ الكعبة لا تُجدَّد، ولا تُجلَب لها حجارةٌ من الغرب.

هل نحتاج حقًا لتجديد في الخطاب الديني؟

ارتفعت الأصوات مطالبة بالتجديد سواءً من الهيئات والجهات المختصة بالشأن الديني أو الجهات غير المختصة ومن سياسيين وشرعيين وحتى إعلاميين وكأنما وجدوا فيها كلمة السر التي صاحوا من خلالها بأن الدين الإسلامي يحتاج لثورة في المفاهيم والتراث.

وبعيدًا عن ضغط الثقافة الغربية الغالبة يمكننا القول بحزم أن تاريخ أمتنا لم يعلم جمودًا وشريعتنا صالحة لكل زمان ومكان، وإن التجديد أصيل في شريعتنا من خلال حق الاجتهاد للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء. وما الآلات العلمية التي ابتكرها علماء السلف إلا تأكيد على هذا التجديد فمن آلة أصول الفقه إلى آلة الجرح والتعديل إلى غيرها من الآلات والعلوم.

وكما أنّ شريعتنا حفظت هذا الحق منذ وجودها فهي تحفظه إلى قيام الساعة. ومما دعت إليه قبل أحداث سبتمبر بل منذ أزيد من أربعة عشر قرنًا عدم الغلو وعدم أكل حقوق الناس وعدم الظلم والإسفاف بحق المرأة ولم يعرف تاريخنا تعارضًا بين العقل والنقل.

نعم.. نحنُ مطالبون بالتجديد ولكن ليس التجديد الهدّام بل الأصيل في تاريخنا، نحتاج للتجديد في مصطلح التجديد ذاته، وفي فقه السمع والطاعة لولاة أمرنا الذين يملون علينا مخرجات الغرب، وفي ذلك يقول الدكتور القرضاوي:

التجديد الحقيقي مشروع، بل مطلوب في كل شيء، في الماديات والمعنويات، في الدنيا والدين، حتى إن الإيمان ليحتاج إلى تجديد، والدين يحتاج إلى تجديد.

فالتجديد هنا في مواجهة أمور عدة وهي:

  • أن تُطمس معالمه فيحتاج إلى تبيين.
  • أن يُنتقص منه فيحتاج إلى إحياء.
  • أن يُزاد فيه ويُضاف إليه فيُحتاج إلى تنقية.

كما يُطلب التجديد فيما يلي:

  • تنقية الدين مما علق به من فلسفات غربية وخرافات وبدع أدت إلى ضياع بعض معالمه.
  • معالجة الخلل في فهم أولويات الدين.
  • تنزيل الفقه الشرعي على فقه الواقع وتعميق الفهم في إنزال الحكم الشرعي على الواقع الحركي.
  • تنقية مخرجات الغرب بغربال ثقافتنا.

ولكن ذلك التجديد لا بد أن يكون ضمن الضوابط التالية:

  • المجددّ لا بد أن يكون من أهل الاختصاص فلا يتجرّأ عليه غير المؤهلين.
  • الفهم السليم والتصور الصحيح لمبادئ وأصول الإسلام.
  • لا يمكن أن يشتمل التجديد على أصول الإسلام وثوابته.
  • معرفة محدودية العقل البشري وأنه لا يمكن له أن يحلّ محل الوحي، وما يصل إليه من نتائج لا بد أن تكون ضمن الأطر العامة للشرع فيما لم يرد عليه دليل.
  • الاستفادة من آلات السلف وعدم إهمال التراث الحضاري والصرح الثقافي الذي بنته الأمة عبر قرون.

625

المصادر
الكاتب

أحمد الحسين

مهتمٌ بالأدب والفكر، وطالبٌ للعلم الشرعي والكوني.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.