اختيارات المحرر

الدين والشخصية الدينية في الإعلام التونسي

يدّعي صانعو الدراما والإنتاج المرئي السمعي كثيرًا أن أعمالهم هي مجرد وصف للواقع ومعالجة لقضاياه، وبهذه المغالطة يقع تبرير مختلف الأطروحات الإعلامية التي تثير تحفظ جزء كبير من أفراد هذا الواقع، فهل حقًا تكمن وظيفة إعلامنا في حدود وصف الواقع؟

نحن  نعيش في عالم تتحكم فيه السلطة بوسائل الخطاب والتأثير على الجماهير وتستأثر لنفسها بذلك، خاصة في نموذج الدولة القومية المعاصرة، والإعلام الذي أصبح أداةً لتمرير خطاب السلطة للجماهير يعتبر أبرز وسائل الضبط والسيطرة المستخدمة، “لأنه يضع أمر الجماهير بين يدي «نخبة ممتازة»، هي فقط التي تستطيع بناء رأي عام، مما يحوّل المجتمع إلى أكثرية مطيعة، تردد ما تسمع، وتعتبر ما سمعت حقيقة لا شوائب فيها. وهذه السياسة أعجبت السياسيين؛ لأنها تسحب من العقل وظيفته، وتعيده صفحة بيضاء، يستطيع «أبطال الإعلام» أن يسطروا فوقها ما يريدون.”1

برزت من خلال هذه الحقائق آلية لتحول المحتوى التلفزي والسينمائي إلى نشاطات وظيفية، إذ “إن الإعلام لما كانت مهمته الأساسية مواجهة الجماهير وإخضاعها لكل أنواع السلطة بكل الوسائل الممكنة؛ ارتبط بالإعلام أهم مؤسسات الدولة، وهي مؤسسة المخابرات، والتي كان من أهم ملفاتها التحكم والسيطرة الكاملة على كل ما يُقرأ ويُسمع ويُشاهد من قبل المجتمع.”2

ومن هنا يمكننا إدراك أن وظيفة الإعلام أو رسالته لم تكن يومًا نقلًا للواقع أو رفعه بطريقة مجردة، بقدر ما كانت صناعة لواقع مفترض وتوجيهًا للمجتمع بأفكار وأطروحات مسبقة، لا تخدم في الغالب أفراد هذا المجتمع بقدر ما تخدم حاكميه، “ومن تحكم الإعلام في كل ما يسمع أو يشاهد: أصبح الواقع في خطر، وأصبحت الحقيقة تهددها وسائل الإعلام، التي تقوم بعمل العين والأذن لأفراد المجتمع! نعم، فالواقع في الحقيقة كلمة لا تتحمل غير ما يُعاينه الإنسان بنفسه، أما غير ذلك، فإنه يسمى «صناعة الواقع».”3

لقد أصبح للإعلام دوره الخطير في توجيه الجماهير في المجتمعات المعاصرة، دور يختفي وراء الحبكة الدرامية ووراء الكوميديا الشعبية ووراء نجوم الشاشة وسيناريوهات المخرجين، “نعم، إن هذه هي حقيقة هذا الجهاز المسمى بالتلفاز، إنه يقوم ببرمجة عقولنا، إنه يقوم بقصف العقل بمجموعة هائلة من الصور بدون تسلسل منطقي لها، وجداول من المسلسلات ونشرات الأخبار وبرامج وأمور أخرى لا علاقة بينها على الإطلاق؛” لذلك يرى «ريجيس دوبريه» أن هذا يقوم ببرمجة مسبقة للمتلقين لها، ويرى «إدغار موران» في «نهاية الحداثة» أن هذه الصورة من العروض تقوم بفعل غسيل المخ.”4

وتبرز الشخصية الدينية كأحد المواضيع التي حوّلها الإعلام التونسي -تماهيًا مع التوجهات السياسية سواء الداخلية أو المملاة من الخارج- إلى موضوع له قراءته الخاصة بما تحمل تلك القراءة من تحيزات مسبقة تترجم في سيناريوهات الأعمال السمعية البصرية، ليتبلور من خلالها صناعة لرأي عام، ثم صناعة لواقع يراد لنا أن نتوهم أنه حقيقة.

ملامح علاقة المؤسسة الإعلامية التونسية بالدين والشخصية الدينية

لقد كانت ظروف تأسيس المؤسسة الإعلامية في تونس في نفس سياق ظروف الاحتلال الفرنسي ثم الاستقلال الصوري مع بقاء الاحتلال بصيغته المحلية، ورثت بالتالي المؤسسة الإعلامية التونسية ميراث عقلية المحتل ونظرته للقضايا وطريقة معالجتها لكن بخطاب محدد من سلطة ما بعد الاحتلال المباشر، الوارثة لتركة الاحتلال المباشر.

بهذا المعنى يمكننا تفسير الفكرة المضمرة في الخطاب الإعلامي التونسي، وهي العلمنة، خاصة بوجود نظام الرجل الواحد والرأي الواحد والخط الواحد الذي أسسه بورقيبة، والذي صدَّر للمجتمع التونسي دعاية مضادة للهوية باعتبارها عند بورقيبة رجعية، وتهكمية في تناول الشخصية الدينية باعتبار الصراع البورقيبي مع مؤسسة الزيتونة بغية تأميمها للدولة، وقد نجح بورقيبة فيما فشلت فيه فرنسا، بإلغاء الدور الحضاري لجامع الزيتونة، ثم إلغاء مركزية الدين كحاكم للحياة في تونس البورقيبية الفرنكفونية.

وبمقارنة بسيطة بين الوضع الديني في تونس وفي مصر من خلال المفاهيم التي رسخها الاستعمار أثناء مكوثه بين ظهراني الشعب التونسي والمصري، سنجد أن علمانية الاحتلال الإنجليزي في مصر كانت معادية للدين في المجال العام فقط، لذلك لم تحارب مؤسسة الأزهر -رغم تحولها فيما بعد- بقدر ما حاربت العلمانية الفرنسية الدين في المجال العام والخاص في تونس، وورثت البورقيبية هذا النفس من العلمانية المتطرفة تجاه الدين، لذا تأسس الإعلام في تونس على حمل خطاب نقدي وتشويهي واستئصالي بدرجة أعلى من الإعلام في مصر مع وجود هذه الظواهر بأشكال متشابهة في النموذجين.

ثم انتقلت البلاد إلى مرحلة الدكتاتورية الأمنية في عهد بن علي، وواصل الإعلام تأدية نفس الدور مع فوارق منها: التوجه لتنفير فئة الشباب بالأساس من الدين والتدين، ومحاولة قمع فكرة الحرية المنطلقة من هوية الشعب، خاصة مع السياسات المدعومة من الخارج ومن أمريكا بالأساس.

ثم جاءت الثورة الشبابية التونسية التي زعزعت أركان منظومة الاحتلال المحلي، لكن النخب التي تصدرت للحراك الثوري كانت أصغر من الحدث، وخنعت للإعلام الفاسد، ولم تستجب للدعاوى الشعبية لتطهير الإعلام، الأمر الذي أتاح لرموز الفساد الإعلامي -على رأسهم سامي الفهري مثلًا- بالعودة بقوة لبث الفساد والانقلاب على ثورة الحرية.

الثورة التونسية

وإن كنا في هذا المقال نتناول تعامل الإعلام التونسي مع الشخصية الدينية، إلا أن التعامل مع الدين في الإعلام التونسي لا يغيب عنه المحاولة الدائمة لخرق كل التابوهات والمحظورات والانحلال من كل القيم خاصة التي تتعلق بالدين -والدين هنا نقصد به الإسلام لا بقية الأديان عمومًا التي وللمفارقة يتعامل معها الإعلام بتبجيل كبير- مع تصويرها كنوع من الإبداع والتحرر، وبلغ التطرف في تناول المسألة الدينية مؤخرًا إلى درجة تمثيل الذات الإلهية ونبي الله آدم وأمنا حواء في فيلم دبوس الغول، الأمر الذي مثّل صدمة في المجتمع التونسي على اختلاف شرائحه.

سنحاول فيما يلي قراءة الشخصية الدينية في بعض الإنتاج الإعلامي التونسي عبر ثلاث شخصيات من صندوق العرائس المتحركة، على اختلاف الفترات الزمنية والتحولات السياسية والثقافية في المجتمع التونسي، مع التعمق في الدلالات التي تخفيها الحبكة الدرامية وتأثيراتها على صناعة صورة نمطية عن الشخصية الدينية التي يراد لها أن تترسخ في عالم أفكار المتابعين وتُعمق في مخيلتهم لتنتج في الأخير تفاعلا محددا مع الواقع.

شخصية “الحاج” في مسلسل الحاج كلوف

انتهجت المؤسسة الإعلامية التونسية في البداية خطابًا يركز على ترذيل الشخصية الدينية السائدة في عصرها تماشيًا مع الخط البورقيبي، وقد كان الزواتنة -خريجو ومشائخ جامع الزيتونة بالنظام الأصلي- هم المرجع الحضاري والتربوي لدى المجتمع التونسي، ويعبرون حينها عن الذات الحضارية بما يمثلو من قدوات حية لها شرعية علمية ودور في توجيه المجتمع والحفاظ على منظومته القيمية، وبما أن السلطة استهلت معركتها في علمنة البلاد بالحرب مع مؤسسة جامع الزيتونة (وهنا وجب التنبيه على أن الحديث حول جامع الزيتونة وتعليمه الأصلي لا جامعة الزيتونة التي أسسها بورقيبة لإفراغ الجامع من دوره الحضاري)، الامتداد الحضاري العميق في التاريخ لتونس وشمال إفريقيا، بما يمثله الجامع حينها من مؤسسة علمية عالمية، وبما كان لرموزه وطلبته ومشائخه من مكانة ودور في تعطيل ودحر ومدافعة المشاريع التغريبية والاستعمارية، والتحريض على مقاومة المحتل، لهذا كان العمل الإعلامي مركزًا في تلك المرحلة على إسقاط الاحترام الذي يكنه الشعب لمشائخ الزيتونة، ما يسهل إلغاء دورهم في المجتمع، ثم إلغاء دور الزيتونة كمؤسسة.

وفي سنة 1970 عرضت التلفزة التونسية لأول مرة مسلسل الحاج كلوف، وقد كان للسلسلة نسختين، نسخة مرئية ونسخة سمعية بثت على الإذاعة.

مسلسل الحاج كلوف

جاءت شخصية الحاج كلوف في هذا الإطار، شيخ كبير تعتلي جبهته علامة السجود، يرتدي العمة الزيتونية والجبة العتيقة، ويتصف بأنه حاج، أي أنه مؤدٍّ لفريضة الحج، لكنهم قرنوا صفة “الكلوف” بوصفه بالحاج، إذ كانت عبارة “الحاج كلوف” أكثر كلمة تكررت في هذا المسلسل وترسخت بمفعول التكرار في لاوعي المتلقي، والكلوف هي كلمة عامية لها جذور في اللغة الفصحى من “تكلَّفَ يتكلَّف، تكلُّفا، فهو متكلِّف، والمفعول متكلَّف، تكلَّف: تعرَّض لما لا يعنيه”5، وقد جسدت الشخصية في المسلسل هذه الصفة، فكان الحاج كلوف متدخلًا فيما يعنيه وما لا يعنيه، ويدعي المعرفة في كل شيء، وكثيرًا ما يعبر أفراد المجتمع الذين يتعامل معهم عن تضايقهم من هذه الصفة، صفة الكلوف.

لقد أدت شخصية الحاج كلوف دورها بامتياز، خاصة مع قرب عهد التونسيين من “الاستقلال”، تلك اللحظة التي تفتحت فيها الطاقات نحو استقبال الخطابات والمنتجات “الوطنية” الجديدة، ما سهل هضم هذه الشخصية خاصة باتصافها بطابع هزلي واستعمالها للخطاب العامي، أدت الشخصية دورها في صناعة الصورة النمطية في المخيال الشعبي وبضرب الشخصية الدينية لذلك العهد -وهم الزواتنة- وبضرب وظيفتهم الأساسية في المجتمع وهي التربية، القائمة على الأمر والتوجيه لكل معروف والنهي والتحذير من كل المنكر، ليتحول كل ذلك إلى “كلوف”.. كلوف وتدخل غير مبرر في حياة الناس، يقابل بالعبارة العامية: “يزينا بلا كلوف”، أي توقف عن التدخل والتطفل فيما لا يعنيك!

شخصية “الشيخ تحيفة” في مسلسل الخطاب عالباب

مع بداية العهد الجديد للدكتاتور الجديد لتونس زين العابدين بن علي، بثت التلفزة التونسية لأول مرة في رمضان 1996-1997م مسلسل الخطاب عالباب، الذي تدور أغلب أحداثه داخل المدينة العتيقة في العاصمة، أو ما يسمى في تونس بالمدينة العربي، وهي الأحياء التي أحاطت تاريخيًا بجامع الزيتونة، وكونت مجمل النشاط الاجتماعي الذي أحدثته مركزية الجامع في حياة الناس.

تبرز شخصية “الشيخ تحيفة” كأحد الشخصيات ذات التأثير التي بقيت شاخصة عند متابعي المسلسل، لما لهذه الشخصية الهزلية من تصرفات وعبارات متكررة تتخلل أغلب حواراتها مع بقية الشخصيات، أبرزها عبارة (يكرمك الله)، وكما اقترن وصف الحاج بصفة الكلوف في مسلسل الحاج كلوف، اقترن وصف الشيخ بصفة “تحيفة” في الخطاب عالباب.

و”تحيفة” هي تصغير من كلمة تحفة ويقصد بها القطعة النادرة، لكن بالتعبير العامي تعني معنى التصغير والتحقير، وقرن الشيخ بـ”تحيفة” له دلالة ساخرة عن طبيعة هذه الشخصية، فإذا كان الشيخ تحيفة يلتزم لبس الشاشية والرداء الذي غلب على أهل العلم والمعلمين وبعض الملتزمين في تلك الفترة، إلا أن صفاته جسدت وصف تحيفة الذي عرف به، فالشيخ تحيفة رغم وقار مظهره إلا أنه نهم ومقزز في تناول الأكل، يؤمن بالخرافة ويمارس الشعوذة، ويراود خادمة المنزل قصد الإيقاع بها، أوصاف تصنع الاشمئزاز والنفور من “الشيخ”، فيكره أي متابع بالتالي الاقتداء به.

بهتة و”دين المقابر” في فيلم Making of 2006

أصبحت الوجهة الأمريكية إثر الأحداث التي جدت في مطلع الألفية الثالثة مركزة على حرب المارد الإسلامي الذي أوشك على الاستفاقة، وكانت الحرب فكرية أكثر من كونها عسكرية فقط، حرب تعتمد على القوى الناعمة بالأساس، وفي جوهرها الإعلام أبرز مجال وأقوى سلاح في هذه الحرب.

سنة 2006 كتب النوري بوزيد سيناريو فيلم “Making of بهتة” وقام بإخراجه، وعبر من خلاله عما يعتقده من أفكار عن طريق شخصية بهتة، بهتة الاسم يدل على حالة من الغفلة، صاحبها هو الممثل لطفي العبدلي في دور شاب يعيش حياة الفقر والبطالة والتهميش، يملأ أوقاته باللهو ويحب غناء الراب ويهوى رقص الشوارع، يحلم بالهجرة غير الشرعية لإيطاليا “الحرقة”، ويكره الأمن والبوليس، وفي أحد ملاحقات الشرطة يدخل إلى القصة شابان ملتحيان ويقنعانه بالتخفي عند الشيخ عبد الله… الذي يستقبله في بيته ويحاول تجنيده، اختار النوري بوزيد عمل “الرخايمي”  لشخصية عبد الله … والرخايمي هو الذي يصنع ويصقل رخام القبور التي ينقش عليها أسماء الموتى، يحاول عبد الله… إقناع بهتة بأن يتوب، وطريق توبته هو أن يفجر نفسه، يتحول بهتة في آخر الفيلم إلى عنصر مروع لكل المجتمع مشوش الأفكار ومهدد لكل من حوله، وتفطن الشرطة له وتلاحقه داخل مستودع لحاويات التخزين، ينتهي الفيلم بتفجير بهتة نفسه خلف حاوية للسلع كتب عليها “CAPITAL” في محاولة من النوري بوزيد للتنويه على أن حالة بهتة هي من صنع le capitalisme، يريد إبلاغ رسالة أن الرأسمالية هي التي تحرك الأمور.

بهتة ودين المقابر في فيلم Making of 2006

نجح النوري بوزيد بتصوير الدين من خلال قصة بهتة على أنه خطر لا يجب على الشباب الاقتراب منه أو التأثر بالملتزمين به، قولب بوزيد الشخصية الدينية في نسق الموت والقبور والطريق المؤدية إليهما، فالتوبة تؤدي إلى كره التائب لمحيطه وتمنعه من التعايش معه، وصانع رخام القبور هو نموذج عند النوري على ملتزم الدين وعلى دعاته وحملة رسالته، ورسالة المتدين لا يمكن أن تتجاوز الحدود الضيقة أو أن تتدخل في إصلاح هذه الحياة، وإن تدخلت فهي تؤدي بالضرورة إلى تشويش عالم أفكار المتعرضين إليها ليصبح كبهتة.

نال عمل النوري بوزيد رضا وإعجاب هيئات السينما الأمريكية6 ، وقدمت له الجوائز في احتفالات نيويورك وفي مهرجانات محلية، كيف لا وقد رسم الفيلم بدقة رؤية أمريكا في معركة العقول والقلوب التي تخوضها في بلادنا وضد دين أهلها.

إبراهيم في مسلسل فلوجة

سامي الفهري الإعلامي البارز في عهد المخلوع بن علي، والذي خرج ليلة هروب المخلوع في برنامج لتبييض جرائمه ودم التونسيين لم يجف بعد من رصاص القناصة، بعد الثورة تحول الفهري إلى أخطبوط إعلامي له أجندة واضحة يريد بلوغها، وفي فرض نمط حياة متفلت وتقديمه لشرائح الشباب على أنه الطبيعي والتحرري، ولا يخفي الفهري هذا، بل تحمل أغلب أعماله شعار: فكرة سامي الفهري، في دلالة على أنه يحمل فكرة مسبقة يريد من خلالها صناعة واقع جديد، لا نقل أو معالجة الواقع، فهو ينطلق من مفردات واقع ليصنع واقعا جديدا يمثل فكره.

سامي الفهري الإعلامي البارز في عهد المخلوع بن علي
الإعلامي سامي الفهري

تركز الماكينة الإعلامية في تونس كغيرها من الإعلام العربي على موسم رمضان، فتنطلق الشاشات بلا أصفاد في استنزاف وعي ووقت ودين المتابعين.

وقد قدّم الفهري في هذا المضمار الشيء الكثير، من برامج للقمار وبرامج النجوم والمسلسلات، وكل متابع يمكنه رصد أثر ما يقدمه الإعلام التونسي عموما، والفهري خاصة، من آثار على شريحة الشباب في تونس، فمن أولاد مفيدة إلى فلوجة، أموال طائلة وجهد كبير لترسيخ نمط الحياة (way of life) الذي يريد الإعلام صناعتها ونشرها بين الشباب.

إلا أن مسلسل الفلوجة، مع محافظته على فكرة الفهري في صناعة نمط حياة لشباب تلامذة يعيشون تفاعلات داخل معهدهم، يقدم المشاهد المضحكة لترذيل الأساتذة والإطار التربوي، ويطبع بالتالي مع فكرة هدم الجانب المصان بين المربي والتلميذ، مقابل تجييش لمشاعر الندية والجرأة لدى التلاميذ، يضع المسلسل التلاميذ في موجة صراع مع القيم الحاكمة لعلاقتهم بالمربين وبأوليائهم، مقابل تصوير المربين بشخصيات مهتزة وضعيفة.

في خضم كل هذا تبرز علاقة بين إحدى التلميذات وشخصية “متدينة”، إبراهيم الذي يؤدي دوره نضال السعدي، يبدأ الأمر بتعارف ثم تواعد ثم حوارات تدور بين الشخصيتين، يحاول السعدي التأثير على التلميذة وتحاول التلميذة بدورها التأثير عليه، يقدم السيناريو شخصية المتدين هذه المرة لا في نمط مشيطن ومكروه كما سرت العادة -ولهذا أسباب سنعود لها بعد قليل- بل بشخصية قريبة من الشباب، قد تحمل نقاط تشابه مع الشاب التونسي المتدين في الواقع، كاللحية والقميص والهدوء في الخطاب ومحاولة غض البصر ونوع من الالتزام.

وبهذه الصفات أراد الفهري عبر الخط الدرامي إعادة تشكيل العامل النفسي للشاب المتدين، إذ يتدرج به من شخص يحمل مبادئ راسخة، رويدًا رويدًا عبر قطرات التأثر، إلى شخصية عندها قابلية للتنازل عن القيم، شخصية خضعت للإغواء الطويل المسلط عليها ولم تصمد، فقد أذعن إبراهيم في الأخير لسطوة التأثير عليه، وقبل الذي كان يرفضه في الظاهر، ويرفض تعلمه من التلميذة، دلالة على أنه خسر معركته مع نفسه.

لكن لماذا وقع تصوير المسألة على هذه الصورة؟

يدرك صناع الإعلام في تونس أن في الجيل الصاعد بذورا خيرية كبيرة، وإن كانت غير ظاهرة لأسباب عدة، منها أن الإعلام لا يعمل على إظهارهام بحجمهم الحقيقي، بل يعمل على صناعة واقع آخر هم فيه الحلقة الغائبة.

ويدرك الكثير من القائمين على الإعلام أن الشباب اليوم يعيش في عالم أفكار مفتوح، فليس من السهل التأثير عليه بطريقة التلقين والقولبة فقط، كما كان في الأعمال التي تناولت الشخصية الدينية في السابق.

لذا جاء الدور في فلوجة، كمحاكمة نفسية يمكنها أن تؤثر بطريقة غير مباشرة على أمثلة في الواقع، وعبر صناعة أسلوب حياة للمتدين قابلة للأخذ والرد حتى في الخطوط الكبرى، بالتالي صناعة قابلية التنازل، وتمييع الثوابت، والوصول لهذه الدرجة يرضي العلمانية، لأنها تستطيع من ورائها تمييع الثوابت وصناعة عقول سهلة الاستدراج.

الخاتمة

إن الإعلام العلماني في تونس يخوض بشراسة حرب العقول والأفكار، وتدرك المنظومة العلمانية أثر تحرر الشباب من شباك تأثير الشاشة، والماسكين بخيوط العرائس المتحركة التي تدخل قصصها إلى عاطفة وتصورات المتابعين لتعيد تعريف الواقع عندهم تعريفًا مختلفًا، إن الشاشة في تونس تربي متابعيها ليصبحوا قوالب جاهزة للملء، إنه سحر ينفق عليه من الأموال الطائلة، سحر يمارسه نجوم الشاشة وعرائسها المتحركة؛ حتى يبقى الجسد الشبابي متخدرًا بحبال الوهم، خاصة وقد عاشت المنظومة بالفعل لحظة تاريخية تحرر فيها فجأة الشباب من خدر حبال الوهم فأحدث ثورة الكرامة، لكن عاد الإعلام من جديد بأصفاده لتحارب خفافيشه مع موجات النور، والمعركة في أشدها.

المصادر

  1. كتاب: صناعة الواقع الإعلام وضبط المجتمع أفكار حول السلطة والجمهور والوعي والواقع، محمد علي فرح ص97. ↩︎
  2. المصدر السابق ص96. ↩︎
  3. المصدر السابق ص99. ↩︎
  4. المصدر السابق ص270. ↩︎
  5. تعريف ومعنى الكلوف في معجم المعاني الجامع. ↩︎
  6. جائزتان لفيلم تونسي عن الإرهاب بمهرجان أميركي ↩︎

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى