“ليس من الجيد لنا أن نعبد فردًا”؛ هكذا استهلَّ الكاتب والمؤرخ “راماتشاندرا جوها” مقاله المهم في العدد الأخير من دورية “فورين بولسي”، بعنوان “عبادة مودي .. كيف قام رئيس وزراء الهند بتفكيك أكبر تجربة ديمقراطية في العالم؟!”.

يقول: “منذ 2014 كان كلٌ من حزب بهاراتيا جاناتا والحكومة في خضوع تام لرغبات ونزوات فرد واحد. لقد تم بناء نمط من العبادة الشخصية حول مودي، ومظاهر هذه العبادة مرئية في كل مكان؛ في الصحافة، وفي تملق القيادات السياسية، وكبار مشاهير الأعمال والفن والرياضة في الهند. فبعد قرن من صعود ستالين وهتلر وموسوليني؛ يشهد العالم مرةً أخرى صعود الزعماء الاستبداديين في بلدان ذات تاريخ ديمقراطي من نوع ما. يسعى هؤلاء إلى تقديم أنفسهم مُخلِّصين لأمتهم، وقد أحاطوا أنفسهم بهالة من القداسة وصلت لحد العبادة .. مودي أحد هؤلاء!”.

ويقول: “مودي هو الهند، والهند هي مودي”. هذا هو الاعتقاد السائد للجميع في حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند؛ سواء كان وزيرًا أو عضوًا في البرلمان أو عاملًا متواضعًا في الحزب. الصحف في نيودلهي مليئة بالمقالات التي كتبها وزراء الحكومة، وتضج بالتملق لرئيس الوزراء.

يضيف الكاتب: “قال وزير الشئون الخارجية الهندي خلال لقاء في واشنطن إن حقيقة أن رأي الهند مهم، وأن وجهة نظرها مقدرة، وأن لدينا التأثير البالغ في القضايا الكبرى في هذا العالم؛ كلُّ هذا بسبب مودي! .. فبدلًا من أن تُنسب إنجازات الهند للدولة، نُسبت إلى رجل واحد فقط؛ وهو مودي!

في فبراير 2021 انضم مودي إلى صفوف ستالين وهتلر والقذافي في تسمية ملعب رياضي باسمه، وهو ما يزال على قيد الحياة (وفي منصبه)؛ ملعب الكريكيت في مدينة أحمد أباد، الذي سُمِّي سابقًا باسم الهندي القومي العظيم “فالاباي باتيل”، أصبح الآن يُسمى ملعب ناريندرا مودي!

وعندما تلقى المواطنون الهنود أول لقاحات COVID-19؛ تم منحهم شهادات تطعيم عليها صورة مودي! .. ومع تقديم جرعات ثانية ومعززة من اللقاح للمواطنين؛ كانت الشهادات تحمل أيضًا صورة رئيس الوزراء! .. إن أي شخص ديمقراطي سوف يشعر بالفزع بسبب عروض مودي غير العادية للنرجسية وعبادة الذات.

مع تنامي القومية الهندوسية المتطرفة في السياسة والمجتمع الهندي؛ يُنظر إلى مودي باعتباره “المُخلِّص العظيم للهندوس والهندوسية“. وكثيرًا ما يسخر مودي من حكام الهند السابقين؛ سواء كانوا مسلمين أو بريطانيين، وأنه قد خلَّص البلاد من “آلاف السنين من العبودية”.

يقول المؤرخ: “يمتلك مودي تحت قيادته آلة ضخمة مؤيدة لعبادته، مدعومة بالموارد المالية لحزبه وحكومته. وبالتالي، فهو قادر على استخدام الموارد العامة لتلميع عبادة شخصيته على نطاق أوسع، وبفعالية أكبر بكثير من المستبدين في أماكن أخرى، حتى بوتين لم يحصل على مثل هذا.

أدَّت عبادة مودي إلى إضعاف -إنْ لم يكن نزع- خمس مؤسسات كبرى في الهند؛ مُهمتُها بالأساس محاسبةُ السلطة الجامحة، ومنعُ شخصنة السلطة السياسية ونمو الاستبداد. أول هذه المؤسسات هو الحزب السياسي؛ فمنذ عام 2014 أسس مودي سلطته الكاملة والمطلقة على حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند.

وسواء كان ذلك بدافع الخوف منه أو الحب له؛ فإن جميع قادة حزب بهاراتيا جاناتا قد أذعنوا له بالطاعة المطلقة، حتى من هم أكبر من مودي وأقدم منه، فلا توجد هناك حتى همسة واحدة من المعارضة داخل أكبر حزب في العالم، في أكبر ديمقراطية في العالم، نهائيًا، وعلى الإطلاق.

مودي

المؤسسة الثانية التي سجدت أمام مودي هي مجلس الوزراء؛ فلا يتشاور مودي مع وزراء الحكومة حول القرارات المهمة، وتُدار الحكومة بالكامل من مكتب رئيس الوزراء. هذا المكتب يعمل فيه مسئولون غير منتخبين، لكنهم من الموالين شخصيًا لمودي، والعديد منهم من ولاية جوجارات مسقط رأسه.

ويقول الكاتب: على عكس رؤساء الوزراء السابقين -من كافة التوجهات- في الهند اليوم لا يوجد أي تشاور داخل مجلس الوزراء الاتحادي، فما يقوله مودي يُقرّ! .. داخل البرلمان أيضًا هناك القليل من النقاش، ويتم تمرير مشاريع القوانين التي تؤثر على حياة ملايين الهنود دون إحالتها للتقييم.

أما السلطة الثالثة التي سيطر عليها مودي فهي الصحافة؛ فقد تراجعت بسرعة منذ توليه الحكم، وأصبحت غير مستقلة، وانصاعت طواعيةً لخدمة عبادة مودي. ولأكثر من ثماني سنوات كرئيس للوزراء، لم يعقد مودي مؤتمرًا صحفيًا واحدًا يتضمن أسئلة من وسائل الإعلام، بل مقابلات مع صحفيين مؤيدين له.

ولأن معظم وكالات الأخبار والقنوات التلفزيونية الرائدة في البلاد مملوكة لرجال أعمال لديهم مصالح تجارية أخرى؛ فقد سارعوا بالانضمام لخط مودي، خشية منعهم من الحصول على مشروعات جديدة لأعمالهم. وتثني القنوات الإخبارية في أوقات الذروة بحماس على رئيس الوزراء، وتهاجم المعارضة بلا هوادة.

في الإعلام الهندي الآن يوجد مصطلح جديد يسمى “جودي ميديا”، ويقصد به “وسائل الإعلام التي تأخذ تعليماتها من خط حكومة مودي وتنفذه”! وقد سُجن العديد من الصحفيين ذوي التفكير المستقل بتُهم زائفة تتعلق بعملهم، والبعض الآخر فرضت عليه السلطات ضرائب مجحفة.

المؤسسة الرئيسية الرابعة التي أصبحت أقل استقلاليةً منذ حكم مودي؛ هي النظام البيروقراطي أو الحكم المحلي التي أصبحت مُسيَّسةً بشكل مطرد، وأي استقلال وحكم ذاتي متبقي قد تم تمزيقه. في اختيار المسئولين يركز مودي بشكل أكبر على الولاء أكثر من التركيز على الكفاءة.

وإذا ما تقاعد موظف حكومي في أي مرفق من مرافق أية وزارة؛ فهناك شخص من منظمة RSS الهندوسية المتطرفة الخاضعة لمودي يكون بديلًا له. علاوةً على ذلك، قد تم إطلاق العنان لأجهزة الدولة لتخويف وترويض المعارضة السياسية؛ مما اضطر عددًا كبيرًا منهم للانضمام إلى حزب بهاراتيا جاناتا.

أما السلطة القضائية، وهي السلطة الخامسة التي استبد بها مودي؛ ففي السنوات الأخيرة، كانت المحاكم نشطة للغاية في تأييد إجراءات الدولة التي تنتهك حقوق وحريات المواطنين، وهناك استسلام كامل من المحكمة العليا لحكم مودي، وقد أخرت النظر في القضايا الحاسمة، وعملت كمشجع لأجندة حكومة مودي.

وخلال فترة حكم مودي لم تفشل المحكمة العليا في أداء دورها الدستوري كضابط للتجاوزات الحكومية فحسب، بل تخلَّت عن وظيفتها المفترضة باعتبارها درعًا للمدنيين ضد فوضى الدولة، وعملت كذلك سيفًا قويًا يمكن استخدامه بناءً على طلب من السلطة التنفيذية وأجندتها الأيديولوجية الهندوسية.

ويقول المؤرخ الهندي: لم يكن هناك عصر ذهبي للديمقراطية في الهند، ومع ذلك؛ فمنذ عام 2014، فقدت هذه المؤسسات الكثير جدًا من حريتها واستقلاليتها. وهي الآن خاضعة بالمطلق لمودي وحكومته. وإن الاستيلاء على هذه المؤسسات الخمس كان حاسمًا في تعزيز عبادة شخصية مودي.

من عام 2016 إلى عام 2021، قاد أكبر وأقدم وأغنى الديمقراطيات في العالم شعبويُّون ذوو ميول استبدادية. لقد رحل بوريس جونسون وترامب لكن مودي لا يزال موجودًا! وحتى عندما كانا في منصبيهما، كان مودي أكثر خطورةً على بلاده من جونسون وترامب على مصالح بلديهما.

ويقول الكاتب الهندي: مودي نرجسي وأيديولوجيّ؛ فهو يعيش ويجسد الأغلبية الهندوسية بطريقة أكثر شمولًا مما يعيش ترامب تفوُّقَ البيض. فيمتلك مودي أداة منظمة RSS التي تتجاوز قوتها التنظيمية وقدرتها على تعبئة الموارد أية منظمة يمينية في بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية.

ويختم المؤرخ والكاتب الهندي مقاله المهم، ويقول: إن عبادة مودي السوبرمان، عبادة البطل الأعمى، تهدد الديمقراطية الهندية، وإن تقديم الحزب الحاكم لمودي على أنه “المسيح الهندوسي” و”ملاك الانتقام” يمهد -بلا شك- طريقًا أكيدًا إلى الانحطاط والديكتاتورية في نهاية المطاف.

302

الكاتب

حسن قطامش

مستقل الفكر | منحاز للحق | أُبـقِـي الوعـي حـيـًا

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.