Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

في الجزء الأول تناولنا سياق نشأة التيار المدخلي وصراعه مع التيار الصحوي، وكيف استفاد حكام السعودية من ظهور التيار وفتاواه بإباحة الاستعانة بالمشركين وإدخالهم لجزيرة العرب، كما تعرفنا على أبرز رموزه، وما يقوم عليه التيار المدخلي من مرتكزات فكرية، وتمركزهم الجغرافي كذا نشاطهم الإعلامي. لنكمل هنا فصلًا جديدًا من قصة المداخلة.

مآلات توظيف السلفية المدخلية ومدى خطورتها

يُنذِر التمدد المتصاعد للفكر السلفي المدخلي في المشهد السياسي والأمني والاجتماعي في الدول الإسلامية والعربية بحالة من الاحتراب الداخلي، في تخطٍ واضح لدور التيار في المجال الديني إلى ما هو دونه من الأدوار الأمنية والمخابراتية وحمل السلاح وقتال بل واغتيال قادة العمل الإسلامي. وإذا ما أضفنا إلى هذا المشهد المضطرب ارتباطات التيار الإقليمية واصطفافه الدائم في معسكر الأنظمة وفي مواجهة الشعوب؛ فإننا بصدد التعامل مع حالة عداءٍ عسكري لا محالة. ما يُنذِر بخلخلة المشهد الإسلامي، واجتذاب الصراع بين الحركات الإسلامية والأنظمة، إلى صراعٍ داخلي بين الحركات يُشارك فيه عموم الشعب بوعي أو بغير وعي.

1. إباحة دم المسلمين والاغتيالات

التيار المدخلي في ليبيا تحت رعاية حفتر

ولإن كان هذا الذي يحدث من السجالات الفكرية في المشهد الإسلامي يُعطّل مسير الحركات تجاه أهدافها وسعيها للتحرر إذانًا بعودة الدور الريادي للأمة الإسلامية، فإن الأدوار التي أُوكِلت إلى التيار المدخلي في الساحة الليبية تأذن بتعطل كامل المسير في حرب إبادة لأي هوية إسلامية سوى التي يمثلها المداخلة.

حيث بدأ التيار المدخلي عمله داخل الساحة الليبية برسالة وجهها ربيع المدخلي إلى أتباعه أثناء الربيع العربي، جاء فيها: «إن الإسلام، لِكمال هديه وكمال حِكمته، يمنع الخروج على الحكام وما يؤدي إلى الخروج، ويأمر بالنصيحة والموعظة الحسنة النافعة بالطرق الحكيمة البعيدة عن الإفساد والمفاسد»[1] وبهذا ابتدأ التيار في ليبيا رحلته للاصطفاف في معسكرات النظام، وفي مواجهة الشعب، فمنذ انطلاق عملية الكرامة كان التيار المدخلي في الخدمة يدعم ويقدم الولاءات.

ففي مدينة بنغازي ظهرت كتيبة التوحيد السلفية، بقيادة عز الدين الترهوني، والكتيبة السلفية بقيادة أشرف الميار، كما حصل محمود الورفلي المطلوب من محكمة الجنايات الدولية والمتورط في تصفية مئات الأشخاص على موقع قيادي في العملية المذكورة. ولم تكن بنغازي هي نهاية المطاف، بل كانت هي البداية فحسب. ففي الجنوب: كانت كتيبة سبل السلام على الموعد، ولم تتأخر في التماهي مع القوات الحفترية وتنفيذ الخطط التي أعدّها ولي الأمر الشرعي-حسب زعمهم-“خليفة حفتر”.[2]

وكان هذا نتيجة الفتوى التي أصدرها ربيع المدخلي بوجوب القتال إلى جانب قوات الكرامة في بنغازي، والتي أكد فيها أن «على السلفيين في ليبيا النصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين وغيرهم. فالإخوان المسلمون أخطر الفرق على الإسلام، وهم من أكذب الفرق بعد الروافض… وإذا هجم الإخوان على بنغازي، فعلى السلفيين أن يلتفوا لصد عدوانهم ولا يمكنوا الإخوان من بنغازي… الإخوان يلبسون لباس الإسلام وهم أشد على السلفيين من اليهود والنصارى».[3]

وبهذا أسدى المداخلة جَميلًا لقوات حفتر إذْ وفروا لهم الغطاء الديني والتبرير الشرعي؛ ما زاد من ثِقل الحِمل في مواجهة هذه القوات، حيث أصبحت مواجهتهم تتطلب إقناع الناس أولًا أنّ هذا ليس هجومًا على الإسلام، وما هو بخروج على ولي أمر شرعي لا يجوز الخروج عليه، وجاء هذا إثر فتوى المداخلة بأن حفتر ولى أمر تجب طاعته، واعتبروا حربه مقدسة موافقة للكتاب والسنة وأن من يقاتله هو خارجى مارق.

ففي نفس السياق تشير الأدلة بعد اعتراف المُنفِّذين بضلوع المداخلة في خطف واعتقال وتصفية عدد من المحسوبين على تيار المفتي الصادق الغرياني، بينهم الشيخ نادر العمراني، عضو مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء الليبية، والذي أثارت حادثة تصفية الرأي العام، ما اضطر المداخلة لنفي التهمة عنهم، رغم اعتراف المُنفِّذين بكامل تفاصيل العملية.

ولم تكن حادثة اغتيال العمراني وأصحابه استثناءً فلقد أعلن وكيل وزارة داخلية حكومة الوفاق عن مسئولية الشيخ قجة الفاخري الذي قاتل في صفوف قوات حفتر على إثر دعوة ربيع المدخلي أتباعَه للقتال في جانب قوات الكرامة، عن تنفيذ مذبحة الأبيار في بنغازي، والتي قتل فيها 38 مدنيًا.[4]

أما محمود الورفلي ذو السجل الحافل بجرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان، والذي كان لا يتورع في نشره إجرامه وما يقوم به تصفيات على صفحات التواصل الاجتماعي، كانت مرجعيته نصوص استمدها من أدبيات المداخلة وكبار مُنظِّريها، والتي كانت تصاحب دائمًا الفيديوهات التي كان ينشر فيها ما يُنفذه من تصفيات.[5]

ولم تتوقف جرائم المداخلة على مخالفيهم من الجماعات الإسلامية، فلقد امتدت يدهم إلى العوام، ففي الكفْرة قاموا بقتل رجل والاعتداء على زوجته.

أما في مصر

شهد اعتصامي رابعة والنهضة خروج التيار المدخلي عن صمته الذي التزمه تزامنًا مع تولي الإخوان حكومة مصر، وعلى غير عادة التنظيم في الولاء للحاكم بوصفه ولي أمر أو حتى حاكم متغلب لم يكن الإخوان ولاة أمر شرعيين لدى التنظيم. ولكن ما إن حانت الفرصة للتيار المدخلي وظهرت بوادر ضعف حكومة الإخوان أمام الجيش الذي استولى على السلطة قدَّم المداخلة أوراق اعتمادهم لدى الحكومة الجديدة.

حيث حرَّض محمد سعيد رسلان جنود السيسي على المتظاهرين كرداسة، ولم يأتِ على ذكر ما تعرَّضت له أهل كرادسة من تضييقات وصل حدّ الحصار. ناهيك عن تصريحاته بأن السيسي ولي أمر لا تجوز منافسته ولا يجوز الخروج عليه.

2. الوشاية بالعلماء عند الحكام

سعوا إلى الوشاية على الدعاة ورفع التقارير فيهم للحكام، فقد سئل عبد العزيز العسكر عن حكم العمل مع المباحث–في شريط مسجل بصوته-فقال: «وماذا يضيرك لو عملت في المباحث وقمت بحماية الدولة من المفسدين والخارجين»

ومنهم من كتب رسالة بعنوان «التّنظيم السرِّي العالمي بين التّخطيط والتطبيق في المملكة العربيّة السعوديّة حقائق ووثائق»[6] قدَّموها إلى وزير الداخليّة السعودية آنذاك-نايف بن عبد العزيز-جاء فيها التحذير من تنظيم ينشط في الساحة السعودية جاء في وصفه أنه ما ينشط إلا بغية الوصول إلى الحكم لإقامة الدّولة الإسلاميّة التي ينشدونها.

وتابعوا تقريرهم، بدعوة الأمير نايف، لاعتقال كل داعية لا يرضخ لآل سعود، أو يعترض عليهم، ومعاملة كل معارض للسلطة بذات الحزم الذي اتخذه نايف ضد سلمان العودة وسفر الحوالي مع غيرهما ممن يسيرون على منهجهما، بدعوى أنّ في ذلك خيرًا كثيرًا.

ثم دعا التقرير ولاة الأمر السعوديين لإغداق الأموال على أنصار ورموز التيار المدخلي، وتذليل كل ما يعترضهم من معوّقات، وإطلاق يدهم في مواجهة كل معترض على ما أسموهم “ولاة الأمر الشرعيين”. بدعوى أن ذلك يُساهم في الحفاظ على جيل الناشئ من أفكار الصحويين الخارجين على الحكام.

وينتهي التقرير بمدح الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية للحد من انتشار الأفكار التي تتصادم مع رؤية الدولة، وذلك بمنع النّشاطات الإسلاميّة، ودراسة الكتب المطروحة في الأسواق المصريّة، وإصدار منع لكلِّ كتاب فيه محاولة لتشويه صورة الإسلام-حسب رؤيتهم-. ودعوة الحكومة السعودية لحذو هذا النحو.

3. إسقاط رموز العمل الإسلامي

ولإن كان المنهج المدخلي وبخاصة في الجرح والتعديل الذي لم يقصره المداخلة على رجال الإسناد، وأطلقوه في الحكم على الأشخاص في المجال العقدي والفقهي بل وحتى الفكري، دون اعتبار لمسائل الخلاف السائغ وغير السائغ، لا يشكل في حقيقته خطرًا داخل الوسط الديني وطلبة العلم والعلماء، لما تملكه تلك الفئة من أدوات للنقد والحُكم على الأقوال. إلا إن خطـرهم يكمن في التشويش على العامة وصغار طلاب العلم، وعلى المسلمين الجدد.

فعامة الناس تثق في مَن سمتهم الالتزام بهدي النبي في مظهره، فيأمنوهم على الرأي والفُتيا، فيستغل المداخلة هذه الثقة من العوام لنشر أفكارهم وأقوالهم التي انتقدها أهل العلم كما بيَّنا، فينشأ الناس على تكفير وتبديع وتفسيق العلماء وطلبة العلم والمجاهدين والدعاة، وعلى تقديس الحكام، والولاء المطلق لكل مُتغلِّب. كذلك يتساهل الناس في الحكم على العلماء، بل في إطلاق أوصافٍ يترتب عليها أحكامًا شرعية، تُحلّ الدماء والأموال.

وحتى وإن لم يقتنع الناس بأحاديث المداخلة وتجريحهم، إلا إن ثقتهم في العلماء تتهاوى، وتسقط هيبة العلماء من أعين الناس، من كثرة ما سمعوا عنهم من المداخلة، أو نتيجة لفحش أقوال المداخلة في مخالفيهم، يظن الناس بوجود صراع داخل الوسط الإسلامي أو وسط “الملتزمين” كما يُطلق عليهم، صراع يُبيح الطعن واللعن والفاحش البذيء من القول!

4. إظهار المنهج الإسلامي كعدو للثورات

سُئل الشيخ ربيع المدخلي عن حكم الخروج في المظاهرات والقيام بالثورات وتربية الشباب عليها. فأجاب أنّها من منهج ماركس ولينين وأمثالهم، وليست من مناهج الإسلام.

الثورية وسفك الدماء والفتن والمشاكل مذهب ماركس ولينين والإخوان المسلمون ضموه إلى مذهب الخوارج وقالوا: إسلام، وأن الإسلام برئ من هذا، فالله تعالى يقول: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).[7] فهو يرى أنّ هذه الأحداث تؤدي إلى مزيد من القتل وسفك الدماء، فضلا عن خراب الديار والبلاد

وعلى هذه الردود وغيرها الكثير من المواقف الصريحة في العداء للثورات تربَّى المداخلة، وأشاعوا هذه الأفكار في الناس، وزعموا “أنّ هذا هو منهج السلف، بينما تلك الثورات هي من أعمال الاشتراكيين أمثال ماركس ولينن”!

وللأسف فكثير من الناس يخلط بين آراء هؤلاء المداخلة وبين المنهج السلفي الإسلامي وما كان عليه السلف من التابعين والصحابة، فيقتنع الناس أن الإسلام منهج يُقرّ الطغاة على طغيانهم، ويحكم ببقاء الناس تحت وطأة الظلم والطغيان، ولا يجوز لهم تغيير هذا المنكر بزعم أنّ هذا الطاغية أو ذاك، ولي أمر شرعي لا يجوز الخروج عليه! وكأنه ما جاء في القواعد الفقهية أنّ «التصرف على الرعية منوط بالمصلحة» وكأن الصدِّيق ما قال: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت ورسوله فلا طاعة لي عليكم»

5. خطورتهم في أوروبا وعلى المسلمين الجدد

ولإن كان الإنسان حديث عهد بفكرة غير مُلِّم بعد بأبعادها ومبادئها وأصول الخلاف داخلها؛ فكثير ما تنازعه نفسه إلى ما كانت عليه وما ألفته، فكيف إذا ظهر له الخصومة والتفسيق والتبديع بل والتكفير والتحريض بين معتنقي الفكر الذي ذهب إليه؟ لذا فإن ما يقوم به المداخلة من إظهار أنّ الإسلام لا يسع المخالف في فروعه، بل في الاجتهادات التي لم ينصّ على قطعية الحكم فيها نصٌ شرعي؛ لهو من أول ما يُنفِّر كل حديث عهد بالإسلام يطَّلع على هذا الفكر الضيق في التعامل مع الشريعة، رغم أنها ذات الشريعة التي اختلف كبار أئمتها في بعض اجتهاداتهم ولم يُبدِّع أحدهم الآخر!

يقول الشيخ نبيل العوضي مُستحضرًا خطورة هذا الفكر: “خطورتهم في أوربا، يتصيدون المسلمين الجدد، حيث أرتدّ مسلم بريطاني حديث الإسلام بعدما سمع منهم هجومهم على العلماء والدعاة”.[8]

ويقول الشيخ الحويني: لدرجة أنهم ذهبوا لكندا ليس للدعوة إلى الله، أو نشر الإسلام وهداية الناس، بل ذهبوا ليحذروا الناس من الدعاة والعلماء الذين لهم جهد مشكور على الساحة.

الإسلام في كندا غريب، والناس بعيدين كل البعد عن الإسلام، هناك عدد كبير من المسلمين ولدوا في كندا ليس له من الإسلام إلا الاسم. فعند توجه البعض من هؤلاء المسلمين للإسلام نتيجة جهد سنين من الدعاة يخربه هؤلاء الجامية في أيام.[9]

مراكز الأبحاث الغربية وأقولها في الاستفادة من المداخلة

تحت عنوان “سرقة دفتر خطط القاعدة” نشر مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية-وست بوينت-واحدةً من أخطر دراستها على الإطلاق فيما يتعلق بمواجهة الجهاديين وطريق القضاء عليهم. جاء فيها العديد من التوصيات باستخدام التيار المدخلي لضرب التيارات الجهادية، حيث يُعدّ هذا التيار هو الأنسب للإدارة الأمريكية لتقديم الدعم له من أجل القضاء على الجهاديين والذين أطلقت عليهم الدراسة جميعًا لفظ “القاعدة”. حيث جاء فيها:

«يمكن للولايات المتحدة أن تمول بتحفظ بعض الشخصيات السلفية الرائجة كالمدخلي، فتلك الشخصيات تُعتبر أكثر فعالية في امتصاص دعم الجهاديين والذين لا يدعون إلى العنف… ربما أفضل استراتيجية على المدى القريب هي الضغط على حكومات الشرق الأوسط لإتاحة المزيد من المشاركة والرؤية السياسية للمجموعات المهددة من قِبَل الجهاديين… من الضروري بمكان ألا يظهر تورط الولايات المتحدة في هذه العملية.»[10]

ونقل التقرير عن نشأة التيار ودوره قديمًا في السعودية، ما أهَّله لهذه المهمة الجديدة:

«في تسعينات القرن الماضي، كان للمدخلي تأثيراً كبيراً في المملكة العربية السعودية، جزءٌ كبير من هذا التأثير استَمَدَّهُ من دعم الحكومة السعودية له، فأثناء حرب الخليج الأولى وبعدها، واجهت الحكومة السعودية انتقاداتٍ حادة من قادة الصحوة (ناشطين سياسيين وهابيين) لأنها سمحت للقوات الأمريكية التمركز في أراضي المملكة، وكان هناك الكثير من مناصري أولئك القادة، خاصةً في أوساط الشباب، ولكبح جماحهم، وفي خطوةً نحو مهادنة سياسية اعتقلت الحكومة السعودية قادة هذه الحركة، ودعمت المدخلي الذي أيّد النظام الحاكم بقوة، والأهم من ذلك، كانت خطوةً فعالة في جذب المُجندين المحتملين في حركة الصحوة، ولا سيما بين الشباب»[11]

كما ذكر دكتور جيمس إم. دورسي الزميل في مدرسة راجاراتنام للدراسات الدولية، والمدير المشارك لمعهد فورتسبورغ للثقافة، في سياق حديثه حول أزمة الخليج بين السعودية والإمارات وقطر، وبحث تداعياتها على الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، دور المداخلة في تلك المعركة، اعتمادًا على تاريخهم في الدول العربية بشكل عام، والمملكة السعودية بشكل خاص:

«يسعى المدخليون بقيادة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي إلى تهميش المزيد من السلفيين السياسيين الذين ينتقدون المملكة العربية السعودية، من خلال إبراز أنفسهم كدُعاة للسلفية الحقيقية، في عالم يعمه الانحلال الأخلاقي. وهم يدعون إلى الطاعة المطلقة للحكام، واعتزال السياسة، ولهذا تسامح معهم معمر القذافي خلال حكمه. غالبا ما يكون المدخليون قوة مثيرة للانقسام في المجتمعات الإسلامية. وكثيرًا ما يسعون إلى عزل أو قمع أولئك الذين يُتَّهمون من قِبَلهم بالانحراف عن الإيمان الحقيقي.»[12]

كيف يجتذبون الناس لدعوتهم

يوضح ستيفن لاكورا في كتابه زمن الصحوة، الطريقة التي اتبعها المداخلة لإيجاد موطأ قدم لهم في الساحة الإسلامية ونشر دعوتهم بين أوساط الإسلاميين وداخل المجتمع السعودي-حيث كانت نشأتهم:

«حيث وُضعت تحت تصرفهم أموالًا ونفوذًا إداريًا بمساعدة وزير الداخلية بن نايف، ما ساعد التيار على اجتذاب المُهمَّشين.»

وبهذا سار التيار المدخلي هو سلم الوصول إلى الفضاءين الاجتماعي والديني. حيث سمح النفوذ الإداري الذي تمتع به التيار ورموزه من إيجاد واسطة لالتحاق المقيمين من غير السعوديين بالجامعة الإسلامية التي تولى عمادة كلية الحديث بها الشيخ الجامي نفسه، وكان تلاميذه أبرز مدرسيها، في حين كانت السعودية تمنع غير السعوديين من الالتحاق بالجامعات. ومن أبرز المنضمين للتيار عن طريق هذه التسهيلات هو أسامة عطايا الفلسطيني أو كما أطلق على نفسه “أبو عمر العتيبي”، والذي ألَّف فيما بعد «صد عدوان الصهاينة المعتدين على آل سعود أسرة الجهاد والمجاهدين».[13]

ولم يكن التيار المدخلي موطن الجذب للمقيمين من غير السعوديين فقط، بل لكافة الطوائف المُهمّشة اجتماعيًا في المملكة، كالمنضمين من الأطراف المُهمّشة اجتماعيًا كمنطقة جازان المتاخمة لليمن، بل وحتى أؤلئك الذين لم يحظوا بفرصة للارتقاء والظهور داخل المجال الديني، وجدوا تلك الفرصة في التيار الجامي وما فُتح له من أفق الانتشار والتأثير.[14]

وبعيدًا عن دعم الحكومة السعودية للمدخلي والجامي وتيارهما الناشئ، فلقد زاد من شعبية التيار بين فئات الشباب: استخدم أشرطة كاسيت لنشر أفكاره. بالإضافة إلى عمله الدؤوب على تشويه سمعة خصومه. فكانت إحدى تكتيكاته المفضلة إطلاق لقب «القُطبيين» على الجهاديين بدلًا من السلفيين، وذلك لوجود توافق بينهم وبين المذاهب السياسية لسيّد قُطُب المُفَكِّر الجهادي الرائد الذي أُعدِم من قِبَل الحكومة المصرية في الستينيات. وبهذا جَرَّدَهَم من شرعية إطلاق اسم السلفية عليهم، مستبدلاً بذلك فكرة أنهم مجرد أعضاء في طائفة منحرفة.[15]

بالإضافة إلى ذلك استغل المداخلة مكتبات المساجد والأنشطة الشبابيّة من مراكز صيفيّة ومعسكرات وفرق الكشافة والجوالات والـدّخول في هيئات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، للتقرب من الشباب وكسبيل لاجتذاب بعضهم ونشر أفكار مذهبهم فيهم.

خاتمة

ولإن كنا طالعنا خطر المداخلة كأداة بيد السلط في تخطٍ واضح لدور التيار في المجال الديني إلى ما هو دونه من الأدوار الأمنية والمخابراتية وحمل السلاح وقتال بل واغتيال قادة العمل الإسلامي، إلا إن هذا الخطر لا يقل عما يشكله التيار من تهديد في الساحة الدينية إذْ يُصدرون الفتاوى التي تطوع الناس لكل ظالم متجبر، لذا فحديثنا في الجزء الثالث والأخير سيُخصص لبسط أقوال أهل العلم في التيار المدخلي وثوابته كذا للرد على ما يثيرونه من شبهات وفتاوى.

 

1199

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
المصادر
الكاتب

مي محمد

طالبة علم، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

التعليقات

  • K SHATWAN منذ 7 شهور

    بارك الله فيك

    رد
  • محمد حمدان منذ 5 شهور

    ? الرد على اهل البدع والمخذلين للأمة الذين يطالبوننا بمحاسبة الناس بما في صدورهم وترك ظاهر اعمالهم.

    بسم الله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين..
    نبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله النبي العربي الأمي الكريم.

    وبعد:

    كلما ارتكب المجرمون كفرا او فاحشة قال الصوفية والجامية ومن تربى على يدهم ذلك القول “أشققت عن قلبه”

    وهذا ليس دين الاسلام بل الأدلة القادمة هي ما ندين لله به:

    ? ?? ? ??

    ? ﻗ‍‍ﺎ‍ﻝ‍ ‍ﺭ‍ﺳ‍‍ﻮ‍ﻝ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻠ‍‍ﻪ‍ ‍ﺻ‍‍ﻠ‍‍ﻰ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻠ‍‍ﻪ‍ ‍ﻋ‍‍ﻠ‍‍ﻴ‍‍ﻪ‍ ‍ﻭ‍ﺳ‍‍ﻠ‍‍ﻢ‍:
    «‍ﺇ‍ﻧ‍‍ﻲ‍ ‍ﻟ‍‍ﻢ‍ ‍ﺃ‍ﻭ‍ﻣ‍‍ﺮ ‍ﺃ‍ﻥ‍ ‍ﺃ‍ﻧ‍‍ﻘ‍‍ﺐ‍ ‍ﻋ‍‍ﻦ‍ ‍ﻗ‍‍ﻠ‍‍ﻮ‍ﺏ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻨ‍‍ﺎ‍ﺱ‍ ‍ﻭ‍ﻟ‍‍ﺎ ‍ﺃ‍ﺷ‍‍ﻖ‍ ‍ﺑ‍‍ﻄ‍‍ﻮ‍ﻧ‍‍ﻬ‍‍ﻢ‍» 
    صحيح البخاري الجزء 5 صفحة 163 حديث رقم. 5351.

    وكان هذا هو اعتقاد الصحابة رضي الله عنهم والتابعين.

    ? عن عبد الله بن عتبة قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة.

    صحيح البخاري الجزء 3 صفحة 169 حديث رقم 2641.

    واما من اظهر كفرا او ناقضا للاسلام كفرناه ولا دخل لنا بباطنه لاننا لسنا آلهة ولا أنبياء ولا يوحى لنا ولا تكلمنا الملائكة ولا دخل لنا بنفوس الناس.

    ?ولم يحاسب النبي عليه الصلاة والسلام المنافقين بباطنهم في المدينة مع كل ما نزل فيهم في كتاب الله من آيات.

    واما من يحتج بقصة أسامة بن يزيد رضي الله عنهما لما قتل رجلاً شهد أن لا إله إلا الله وعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “أشققت عن قلبه”

    فنقول له:

    ▪️أولا: حسب فهمكم للنص فالصحابي قتل رجلا مسلما وكان يجب اقامة الحد عليه وهو مالم يحدث..

    ولنعرف لماذا لم يحدث فلنقرأ ثانيا..

    ▪️ثانيا : أيد الله أسامة باجتهاده بقتل الرجل الذي حاول الافلات من القتل بالشهادتين كذبا ولم تقبله الأرض بعد موته وكلما دفنوه لفظته الأرض حتى مع حرس ورقابة على قبره من الصحابة لفظته الأرض ولم تقبله وهو ما يعد تأييدا لاجتهاد الصحابي بقتله وإنما كان يعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام تعظيم كلمة التوحيد في نفوسنا.

    وقد ورد في صحيح بن ماجة بسند حسّنه الألباني:

    قال: يا رسول الله لو شققت بطنه لكنت أعلم ما في قلبه , قال : فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه قال: فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات..
    فدفنّاه فأصبح على ظهر الأرض…
    فقالوا لعل عدوا نبشه…
    فدفنّاه, ثم أمرنا غلماننا يحرسونه…
    فأصبح على ظهر الأرض…
    فقلنا لعل الغلمان نعسوا..’
    فدفنّاه…
    ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض…
    فألقيناه في بعض تلك الشعاب.

    (بل ووصفه النبي عليه الصلاة والسلام بالشرير لما علم ان الأرض لفظته بأمر ربها:)

    ﻓ‍‍ﺄ‍ﺧ‍‍ﺒ‍‍ﺮ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻨ‍‍ﺒ‍‍ﻲ‍ ‍ﺻ‍‍ﻠ‍‍ﻰ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻠ‍‍ﻪ‍ ‍ﻋ‍‍ﻠ‍‍ﻴ‍‍ﻪ‍ ‍ﻭ‍ﺳ‍‍ﻠ‍‍ﻢ‍ ‍ﻭ‍ﻗ‍‍ﺎ‍ﻝ‍ ‍ﺇ‍ﻥ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﺄ‍ﺭ‍ﺽ‍ ‍ﻟ‍‍ﺘ‍‍ﻘ‍‍ﺒ‍‍ﻞ‍ ‍ﻣ‍‍ﻦ‍ ‍ﻫ‍‍ﻮ ‍ﺷ‍‍ﺮ ‍ﻣ‍‍ﻨ‍‍ﻪ‍ ‍ﻭ‍ﻟ‍‍ﻜ‍‍ﻦ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻠ‍‍ﻪ‍ ‍ﺃ‍ﺣ‍‍ﺐ‍ ‍ﺃ‍ﻥ‍ ‍ﻳ‍‍ﺮ‍ﻳ‍‍ﻜ‍‍ﻢ‍ ‍ﺗ‍‍ﻌ‍‍ﻈ‍‍ﻴ‍‍ﻢ‍ ‍ﺣ‍‍ﺮ‍ﻣ‍‍ﺔ ‍ﻟ‍‍ﺎ ‍ﺇ‍ﻟ‍‍ﻪ‍ ‍ﺇ‍ﻟ‍‍ﺎ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻠ‍‍ﻪ‍.

    حسنه الألباني صحيح وضعيف ابن ماجة الجزء 8 صفحة 430 حديث رقم 3930

    ▪️ثالثا : لو قلنا أن الصحابي رضي الله عنه اجتهد بقتل الرجل وعوتب لذلك الفعل فهذا لأن الرجل أعلن إسلامه ولم يرتكب كفرا بعدها يعني أصبح مسلما ولم يرتكب مايوجب قتله او تكفيره بعدها.

    ? ولا علاقة لهذه الواقعة بمرتكبي الكفر والفواحش في زماننا المعاصر أو غيره وإنما هو مجرد حائط يبحث كهنة ودهاقنة الاحتلال عنه ليستندوا عليه في نصرتهم للمجرمين ومحاولة قلب وجه الاستدلال والترقيع لليهود والصليبيين واوليائهم في بلادنا بهدف هدم الدين من الداخل.

    كتبه : محمد حمدان
    الجمعة 8 ربيع ثاني 1438 هجرية
    الموافق 6 يناير 2017 افرنجي
    #احاديث_صحيحة
    #شبهات_وردود
    #الجامية_سلفية_ابليس
    #يهود_القبلة
    #الصوفية

    رد
  • Ahmed Mahrous منذ 4 شهور

    جزاكم الله خيرا

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.