كتبه: البروفيسور بيتر فوجيل من المعهد الدُّولي لتطوير الإدارة في سويسرا

بلا شكّ، فإنَّ الإنسانيَّة اليوم تخوض أكبر أزماتها عبر التَّاريخ الإنسانيّ القريب. صحيحٌ أن معدلات الوفيات من جائحة كورونا، لم تبلغ لحدِّ الآن ذلك المستوى الكبير الذي حدث في الجائحات الأخرى التي واجهتها الإنسانيَّة، لكن العالم وصل إلى حالة أقرب ما تكون للعجز، بحيث تُغْلِقِ الدُّول الواحدة تلو الأخرى ويُطْلَبُ من شعوبها البقاء داخل بيوتها، وتَوقُّف الطَّلب والعرض في الأسواق بآن واحد، وتراجعت أسواق الأسهم تراجعًا غير مسبوق مع حدوث أكبر خسارة لمؤشِّر “داو جونز” في يوم واحد.

إنَّ متانة الأنظمة الصِّحيَّة للدُّول وإمكانياتها تخوضان اختبارًا قاسيًا، حيث يشعر موظفو الصِّحة العامَّة بأنّهم تُركوا وحدهم يقاسون وضعًا في غاية التَّدهور عاجزين. كان الرَّد الصِّينيّ من النّوع الحاسم والسّريع حيث أغلقت مناطق بأكملها وأنشأت مستشفياتٍ جديدةً في بضعه أيام؛ وهو ما أبرز بشدة ظاهرة المناطقيَّة في الصّين. بينما كانت الرُّدود الأخرى وعبر الدُّول الأوروبيَّة تحديدًا والولايات المتَّحدة أقلَّ حسمًا.

بالطَّبع فقبل بضعة أسابيع، كان العالم الغربيُّ يشاهد من مسافةٍ آمنةٍ عندما كان إغلاق ولاية خوبي يبدو لهم كإجراءٍ متطرِّفٍ، فلم يكن الغربيُّون وقتها ليسعدوا بأن تأمرهم الحكومات بالبقاء في منازلهم أو تضع بوجههم الجدران. ويمكن تفهُّم ذلك؛ فلعله من تأثيرات السِّياق التَّاريخي وبالتَّحديد جدار برلين.

والنَّتيجة، ليست تفشي الفيروس بسرعةٍ عاليةٍ في البلاد فحسب؛ بل بداية انهيار الأنظمة الصِّحية في الدُّول. وكانت إيطاليا ونظامها الصِّحيّ أكثر دولة تأثَّرت ليومنا هذا، ولكن يبدو أنَّ الأنظمة الصِّحيَّة لبقية الدَّول ستلحقها. 

إنَّ التَّفشي الجنوني لفيروس كورونا أبقى الجميع مشغولين على أساسٍ يوميٍّ، وتتيح لنا وسائل الإعلام أو الإنترنت بمصادر المعلومات الأكثر من كافية عن التَّفشّي (وإحداها طبعًا جامعة جونز هوبكنز).

الصُّعود الصَّامت للقوميَّة

صحيحٌ أنَّ تفشِّي الفيروس شكَّل تحدِّيًا هائلًا لبلداننا وشركاتنا وشعوبنا، ولكن الجدران سواءً الماديَّة وغير الماديَّة التي تبرز هنا وهناك أكثر إقلاقًا. فدولٌ بأكملها وأفراد بدأوا يتصرَّفون على نحوٍّ مفرطٍ في الأنانية.

بدأ هذا الأمر من العنصريَّة تجاه الآسيويّ في كلِّ مكانٍ في العالم في يناير وفبراير، لتمتدَّ شاملةً أبناء الدُّول الأخرى حتى أواخر فبراير، منهم الإيرانيّين والإيطاليّين.

بعد أيّامٍ قلائل، وصلت الأزمة إلى مستوىً آخر بعد أن مُنعت شاحنةٌ مملوءةٌ بالإمدادات الطبية من العبور عبر الحدود الألمانيَّة السّويسريَّة، بعد أن أمرت المستشارة أنجيلا ميركل حظر تصدير المواد الطبيَّة الوقائيَّة، وهو ما أدَّى إلى اندلاع خلافٍ سياسيٍّ بين ألمانيا والنَّمسا وسويسرا.

وإنَّ هاتان الدَّولتان الصَّغيرتان نسبيًا من حيث المساحة والسُّكان تفتقدان إلى أي إنتاجٍ محليٍّ معتبر للأدوات الطِّبيَّة. فلذلك تعتمد أنظمتهما الصَّحيَّة تمامًا على الواردات من الدُّول الأخرى.

ونشبت المزيد من النِّزاعات بين الدُّول بعد محاولة الرَّئيس الأمريكيّ ترامب إقناع شركة “كيورفاك” للانتقال من ألمانيا إلى أمريكا، وهي إحدى الشَّركات الرَّائدة في تطوير لقاحٍ مضادٍ لفيروس كورونا، وهو ما أدَّى إلى تصاعد المخاوف في الحكومة الألمانيَّة من محاولة أمريكا احتكار العلاج المحتمل.

من ثمَّ شهدنا حظر رحلات الطَّيران ابتداءً من الصِّين، ولكن سرعان ما تمَّ إضافة دولٍ أخرى الى اللائحة، بما فيها الحظر على رحلات من منطقة شنغن إلى أمريكا الأسبوع الفائت. والتَّصعيد التَّالي في تقييد حركة النَّاس كان زيادة التَّحكم في العبور لتقييد حركة النَّاس عبر الحدود ضمن منطقة شنغن.

وما بدأ كتوصياتٍ وطلبٍ من النَّاس (في البقاء في بيوتهم) انتهى بإغلاق الحدود بين الدُّول المتجاورة. وهذا أدَّى إلى وضعٍ متناقضٍ، فأنا جالسٌ في سويسرا لا أستطيع زيارة عائلتي فيما لو حدث لهم أمر، وهم على بعد 70 كيلومترًا منِّي في ألمانيا. وهذا الشعور غير المريح – بأنَّهم كالسَّهل الممتنع – لم نعتد عليه أغلبنا.

وبلغت آخر تلك التَّطوُّرات في الكثير من الدُّول حول العالم إلى إعلان حالة الطَّوارئ الوطنيِّة، ما أدَّى لظهور خطاباتٍ سياسيَّة لم تظهر منذ الحرب العالميَّة الثَّانية.

حتى أنَّ وزير الدَّاخلية الألمانيّ هورست زيهوفر صرَّح يوم الأحد بأنَّ كورونا لم تعد مجرد مسألة أزمة صحيَّة، بل مسألة أمن قوميّ، وأضاف قائلًا بأنه ليس على الحكومة ضمان أمن حدودها وإمداد غذائها فحسب، ولكن عليها ضمان منتجاتها الطِّبية وأدويتها. حتَّى أنَّ الرئيس الفرنسي وصل به الأمر بأن يُصَرِّح بأنَّنا في حالة حرب ضدَّ الفيروس.

ونحن اليوم لا نشهد انقسامًا بين الدُّول فحسب، بل انقسامًا بين الطَّبقات حتَّى. ويُطلب منَّا اليوم جميعًا التَّعقُّل وتطبيق مفهوم التَّباعد الاجتماعيّ. وفي حين أنَّ هذا يناسب فئةً من النَّاس فإنّه من المستحيل تطبيقه لآخرين.

فالعزلة الاجتماعيَّة ميزةٌ لمن لديهم وظائف أفضل، ورواتب أعلى، ومنازل أو شقق أوسع مع غرفةٍ منفصلةٍ للعمل، ومن لديه مربية تعتني بأطفاله أثناء عمله، سيجدون الوضع أقل سوءًا ممَّن ليس لديهم كلُّ هذا.

في هذا الوقت علينا ألَّا ننسى بأنَّنا كلّنا من البشر وكلّنا سواسية، ففي حين نستطيع أنَّ نرى بأنَّ التَّطوُّرات الحالية كلّها خطوات منطقيَّة ومعقولة من أجل إبطاء تفشِّي الجائحة، فسيكون من الصَّعب أنَّ نرسم الخطَّ والذي يحدِّد النُّقطة التي لا ينبغي تجاوزها، وفي حال تجاوزها لن يعود الأمر متعلِّقًا بالفيروس ولكن في بناء الجدران لحماية شعبنا ضدَّ آخرين.

فإذا كانت وحدات العناية المركَّزة تعمل بأقصى طاقاتها والأطبَّاء يواجهون حالات يتخيَّرون فيها من يعالجون، كما حدث في حالاتٍ معزولةٍ في إيطاليا يرفضون فيها علاج المرضى المسنين جدًا، فهل سنشهد حالاتٍ من التفريق في العلاج بين المواطنين والأجانب؟

الأسبوع الماضي، أرسلت الصِّين أطباء وإمداداتٍ طبيَّة تحتاجها إيطاليا حاجةً مستعجلة، بغرض مساعدتها في السَّيطرة على الأزمة. وما كان من المعتاد أن يكون دور أمريكا فيما بعد الحرب العالميَّة الثَّانية، بدأت الصِّين القيام به تدريجيًّا (ولكن على نحوٍ أكيد) في أوقات الأزمات.

ويا ترى هل هو عمل إنسانيٌّ بحت؟ قد يكون كذلك وقد لا يكون. فقد يكون من وراء ذلك مصالح استراتيجيَّة أكبر من مجرد هذه الأعمال. مع ذلك تبقى أعمال تضامن نحتاج إليها الآن وعلى مستوى العالم.

وإن كان هناك درسٌ يجب أنَّ نتعلَّمه من التَّاريخ فإنَّ القوميَّة المتطرِّفة ليست الحلَّ المناسب للإنسانيَّة. بل في هذه الأوقات حول العالم، علينا ان نقترب أكثر لا أن نتباعد، فعلينا أن نعتنق المعنى الحقيقيّ لمحبَّة الإنسانيَّة.

 

313

الكاتب

أحمد سالم

مترجم وصيدلاني

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.