يقولون إن أعذب الشعر أكذبه، ويتناسون أن أبلغ الشعر أصدقه؛ فالكلمة التي تصاغ من حرارة التجربة، ومن نبع المعاناة، تولد مسكونة بالحقيقة، وهذا جوهر الفنّ، وغاية الآداب، وصميم الرسالة التي يُبعث من أجلها الأفذاذ والموهوبون.

وقد كان الشاعر المصري المغدور هاشم الرفاعي، من الذين مزجوا كلماتهم بمرارة الصدق، فلمّا غادرته القصائد سكنت في قلوب الناس جيلًا بعد جيل. لقد حمل الصدق أشعاره إلى كلّ أذن ولسان عربي، فصار أيقونة ورمزًا للشاعر حامل المصباح، الذي يضيء لغيره السبيل، ولو احترق بنار المعرفة وحده.

النشأة والتربية

مع شاعر مثل هاشم الرفاعي لا يمكن أن يغفل دور التربية والنشأة في صناعة طبعه الأنف، وروحه الحرّة التي أوردته المهالك شابًا يانعًا، لم يذق من الدنيا إلا مقدار ما ذاقت زهرة ياسمين بين يدي طفل عابث. فالرجل الذي ولد عام 1935 ميلادية، وقُتل عام 1959 حظي بتربية خاصة على يد والده؛ الشيخ جامع بن هاشم أحد الزهاد العاملين في قرية إنشاص من أعمال محافظة الشرقية بمصر. وقد كان لوالده أتباع يغشى بهم الأسواق، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ثم إذا جنّ الليل اجتمع مع تلاميذه فيدارسهم صحيح البخاري وكتب الرقائق والمواعظ.

في هذا الجو المشحون بالعلم الشرعي من ناحية، وبمقتضيات هذا العلم من مقاومة للفساد، وردع للمجرمين الخارجين عن أحكام الدين من ناحية أخرى، نشأ سيِّد الذي لقبه أبوه هاشمًا تيمنًا بجدّه الأكبر، بعد ما لاحظه من بشائر النجابة على الطفل الصغير.

وقد ظهرت آثار هذه التنشئة سريعًا، فكانت أول ثورات الطفل هاشم على والده؛ الذي رفض أن يلحقه بالتعليم الأزهري طمعًا أن يرث مكانته، وأن يتولى قيادة أتباعه من بعده. إلّا أنّ النفس المتمردة أبت، فصمدت أمام محاولات الإلهاء باللين تارة، وبالقسوة تارة، حتى رضخ الأب، وألحق ابنه بالمعهد الديني الأزهري.

العوامل المكوّنة لشخصية هاشم الرفاعي

الشاعر هاشم الرفاعي

كان للبيئة العلمية، التي وجد فيها هاشم الرفاعي، حظ في تشذيب مشاعره، وصقل موهبته. فكيف لا يستقيم لسانه بالعربية وقد حفظ القرآن الكريم صغيرًا؟ ولم لا تثرى ملكاته اللغوية وبين يديه مئات المؤلفات التراثية، ودواوين الشعر عتيقها وحديثها؟ وكما هو الحال مع منسوبي الأدب، كان الرفاعي نهمًا لكلّ فنون الكتابة، فأقبل على النثر ينهل منه كما الشعر، فيحكي شقيقه «كان يحفظ كثيرًا من شعر القدامى، ويحفظ المعلقات السبع، وشعر المتنبي والبحتري، وأعجب أيضًا بشعر شوقي (…) وكان يطالع لعدد من الكتاب والأدباء أمثال العقاد وطه حسين والرافعي وغيرهم».(1)

كما قامت البيئة الزراعية لقريته بدورها في نحت مشاعره وتوجيه أفكاره؛ فمظاهر الطبيعة الخلّابة من خضرة، وماء، وولع بالتراث المحليّ، وسير الأبطال الشعبيين، سكبت في روح هذا الصغير كراهية الزيف، والجور، والاستقواء على الضعيف، فنجده يميل إلى حياة القرية بتفاصيلها اليومية الخاصة في كثير من قصائده.

أتذكر سحر أيّام الطفولة … ولهوك تحت أفنان الخميلة
غداة تعب من صفو متاح …  وبشر قلّ أن تلقى مثيله
وحولك صبية غرّ لدات … يشاطر بعضكم بعضًا ميوله (2)

وإذا كانت هذه العوامل قد أثرت في شخصية هاشم الرفاعي تأثيرًا ملحوظًا، فإن الظرف السياسي وحياته بين عهدي الملكية والجمهورية قد كان له الأثر الأعمق في شخصيته وتجربته الشعرية.

فقد تفتح وعي الشاعر في مرحلة انهيار الملكية واحتضارها، ثم عايش حركة الضباط في يوليو 1952 بعنفوانها، ووعود الحرية والكرامة والرفاه التي تحولت سريعًا إلى ظلال كئيبة من الطغيان والاستبداد والقهر، مزّقت عاطفته بين تأييد الحركة، وبين الهجوم على رموزها!

مغناطيس الشعر

رغم ندرة المصادر التي تؤرخ لحياة هاشم الرفاعي، نظرًا لظروف سياسية يصعب معها توثيق سير غير الموالين للأنظمة الحاكمة في موطنه؛ فإن كلّ من كتبوا عنه يجمعون أنّه استجاب لنداء الكلمة مبكرًا. وقد بدأ بتقليد الشعراء المعروفين وبخاصة أحمد شوقي، والمتنبي في عمر الثالثة عشر، حتى أنه ترك في هذه الفترة من عمره دواوين عدّة بخط يده. منها «نسيم السحر»، و«المختار من أشعاري»، و«آهات شريدة»، وأوراق أخرى لم يعنونها.

وضرب -في هذه الفترة المبكرة من حياته- بسهم في أبواب كثيرة من أبواب الشعر، فكتب شعرًا هزليًا يسخر فيه من هزيمة فريق معهده الأزهري في مسابقة رياضية، ونظم قصائد هجاء يذم فيها شيخ المعهد وأكبر معلميه لمحاربته الأنشطة الحديثة، وألف في مدح النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، ورثاء والده، وغير ذلك.

في دار العلوم

خطا هاشم الرفاعي لاحقًا خطوة كبيرة في حياته الشعرية والفكرية؛ بانتقاله إلى كلية دار العلوم، معقل اللغة العربية، ومصنع الشعراء والنقاد الأفذاذ. «فدرس الأدب العربي والنقد على يَدِ صفوة ممَّن أسَّسوا لهذه العلوم في مصر؛ ومنهم: د. محمد غنيمي هلال، ود. أحمد الحوفي، ود. علي الجندي، ود. كمال بشر»(3)، وقد أسهمت هذه الدراسة في تطوير أسلوبه الفني بعد تزايد الاهتمام بتيار الواقعيَّة في الأدب، «وهنا تخلَّى شاعرنا عن كثير من إغراقه في الأشكال التراثيَّة، ليتَّجه إلى أشكال جديدة معبِّرة عن واقعه حسبما يراه»(4).

وكانت هذه المرحلة هي التي شهدت تخلّي الرفاعي عن الأغراض الكلاسيكية في قصائده؛ محاولًا الاقتراب أكثر من نبض الجماهير على امتداد العالم العربي، فكتب لثورة الجزائر، وحراك السودان، وغيرهما.

ورغم أن القدر لم يمهل هاشم الرفاعي لكي يتخرج في كليّة دار العلوم، فإنّه يظلّ أحد رموزها الشعرية الأبرز.

الحسّ الوطني

لم يكن هاشم الرفاعي شاعرًا محترفًا يكتب من وحي المناسبة، فيهيم في كلّ وادٍ حسب التعبير القرآني الفريد؛ وإنما كان شاعرًا صادقًا تستفزه العاطفة، وتصنع قصائده المواقف التي يمرّ بها؛ ففيما يخص القضايا الوطنية كان ثائرًا بطبعه، ساعيًا إلى استقلال بلاده إبّان الاحتلال البريطاني لمصر، مدركًا لفساد الملكية الحاكمة، وتغولها على حقوق المصريين. لذلك، نجده في ميادين التظاهرات قبل أن نسمع شعره، ونرى دماءه النازفة على وجهه قبل أن نقرأها في أبياته.

لقد شهد معاصروه في المعهد الأزهري الثانوي بمدينة الزقازيق أن الرفاعي كان قائدًا من قادة المظاهرات ضد الاحتلال الإنجليزي، وأنه لقي في سبيل ذلك عنتًا كبيرًا حتى أنّه فصل من الدراسة، وأطلق عليه الرصاص، فأصيب رأسه.

وهكذا جاءت قصائده ساخنة، تفوح منها رائحة البارود والموت، تسمع بين طيّاتها خفقان قلبه الثائر، وروحه الوثاب، فيقول مهاجمًا الملك فاروق حاكم مصر وقتها:

يا فتية النيل الممجد إننا … نأبى ونرفض أن نساق قطيعا
هذا “ابن نازلي” للهلاك يقودنا … جهرًا ويَلقى في البلاد مطيعا
فإلى متى هذا الخنوع وإنه … جرم أضاع حقوق مصر جميعا

وعندما نجحت حركة ضباط الجيش في إزاحة الملك، وتولى المصريون السلطة للمرة الأولى بعد قرون عدّة؛ تحمس هاشم الرفاعي مثل الملايين من أبناء الشعب. لا سيّما وأن الضباط قدّموا أنفسهم كمبشرين بالحرية والعدالة الاجتماعية. فأسهم قلمه في تأييد حركتهم، وألقى قصائده أمام المسؤولين فيهم، حتى وصل إلى إلقاء إحداها أمام جمال عبد الناصر نفسه، في مهرجان الوحدة الذي أقيم في ميدان الجمهورية في الثاني والعشرين من شهر فبراير من عام 1952 ميلادية بتكليف من وزير التعليم آنذاك، وقد خاطب فيها عبد الناصر قائلًا:

جموع أنت باعثها … وشعب حولك التفا
سعت للخلد في وادٍ … كروض بالمُنى رفّا
رأيتهمو وقد وقفوا …وراءك كلّهم صفا
شباب إن تصافحه … يصافح للعلا كفّا

ومع ذلك، فقد انتبه هاشم الرفاعي إلى خديعة ضباط الجيش للشعب، واستئثارهم بالسلطة مع فرض ظروف تعسفية أشد وطأة من أيام الملكية؛ فعاد ليتبوأ مقعده في صفوف المعارضين، فنظّم نحو عشر قصائد ينتقد فيها مآلات ثورة يوليو، «سمّاها جراح مصر، ومن تلك القصائد قصيدة “مصر بين احتلالين” التي نظمها في أكتوبر/تشرين الأول 1954م، وهو يرى فيها أنه لا فائدة من رحيل الاستعمار البريطاني مع بقاء الظلم الواقع من رجال الثورة».(5) ولأنّه هاشم الرفاعي الذي لا يشبه سوى نفسه، تجرأ فهاجم عبد الناصر، رأس النظام والزعيم الذي تخضع له رؤوس الملايين بقصيدة أسماها «جلاد مصر»، ربما كانت سببًا في قتله لاحقًا، يقول فيها:

جـلادَ مـصــرَ ويا كـبـيـر بـغـاتـهـا…  مـهـلًا فــأيــامُ الـخـلاصِ دوانــي
من أيِّ غـاب قـد أتـيـتَ بِـِشِـْرعـة … ما إنْ يُسـاس بهـا سـوى الحيوان
وبأي قانون حـكـمـت فـلـم تـدع … شيئا لطاغية مـدى الأزمان
أبرأيكم؟ والله يشهـد أنــه … فيـه الهوى والغيُّ يلتقيان
أم ذاك رأيُ الشعب وهو مـكبـَّلٌ … فحيـاته والموت يـسـتويان

وهكذا، ظلّ الرفاعي يهاجم نجوم حركة الضباط والبارزين فيها دون خوف، مؤكدًا ما ذكره في بعض قصائده؛ من كونه يجد لذته في معارك الحق وإن كان الثمن روحه.

وعشت بدفع الضيم والذل مغرمًا … وأبذل فيه الروح لو وجب البذل

النزعة الإسلامية

محطة مثيرة للجدل في حياة الشاعر الراحل، تنازع فيها فريقان، اعتمد كل منهما على إرث الرجل، ففريق يرى أنّ هاشم الرفاعي كان أحد أبناء الحركة الإسلامية التي لقيت عداءً وتنكيلًا من السلطة في مصر في خمسينات القرن الماضي، وصل إلى إعدام كبار مفكريها أو قتلهم غدرًا، ويستند هذا الفريق إلى قصائد مثبتة في دواوينه، ومعترف بها من قبل أشقائه والباحثين في سيرته.

وفريق ثانٍ يزعم أن الرفاعي كان قوميًا اشتراكيًا قحًا، وأنّه هجا الفرق الإسلامية في ذلك الوقت منتصرًا لجذوره الصوفيّة، ويستند هذا الفريق على قصائد مثبتة ومعترف بها أيضًا. فما حقيقة موقف هاشم الرفاعي من الإسلام وقضاياه في شعره؟

المدقق في حياة هاشم الرفاعي يدرك أنّه كان صاحب عاطفة جيّاشة، وشباب لم يتح له استكمال تكوين نظريته عن الحياة والناس والأفكار، فكان يتخذ من المواقف ما تمليه عليه القريحة دون مرجعية فكريّة أو عقلانية.

أمّا موقفه من الإسلام فهو الدفاع عنه وعن رجاله دون مواربة، من غير أن يعني ذلك أنّه ينتمي إلى أيديولوجية بعينها أو مدرسة فكرية دون غيرها. لقد انحازت فطرته السليمة، وتربيته الدينية إلى الذود عن العقيدة الإسلامية وقيمها الحاكمة، فكان لسانًا مبينًا يفخر بمجد الإسلام، كما يرفع شكاية وآلام أهله.

ملكنا هذه الدنيا قرونا … وأخضعها جدود خالدونا
وسطرنا صحائف من ضياء … فما نسى الزمان ولا نسينا

وهذا ما ذهب إليه متخصصون في دراستهم لشعر الرفاعي؛ مثل الأستاذ زهير جمجوم في كتابه “هاشم الرفاعي أسطورة الشعر والشهادة”، حينما يقول «لقد لمسنا من خلال اطلاعنا على أغراضه الشعرية في الفصل الأول، أنّه كان يقترب أحيانًا من المنهج الإسلامي في التفكير والتعبير، وأحيانًا يبتعد عنه، مما يشير إلى ميوله الدينية الحرّة، إن جاز التعبير».

رسالة في ليلة التنفيذ

رغم تنوع إنتاج الشاعر الراحل هاشم الرفاعي، تبقى قصيدة رسالة في ليلة التنفيذ علامة فارقة في مشروعه الشعري، فقد حازت القصيدة من الشهرة ما أوهم البعض أنه كتبها في ليلة إعدامه، وهذا غير صحيح، فالرفاعي لم يسجن قطّ، ومن ثمّ لم يمر بهذه التجربة فعليًا، وإنما هي علامة على نبوغه الشعري، وأصالة موهبته التي جعلت من يقرأ القصيدة يظنّ أنها لمحكوم بالإعدام.

أبتاه ماذا قد يخطُّ بناني والحبلُ والجلادُ ينتظراني
هذا الكتابُ إليكَ مِنْ زَنْزانَةٍ مَقْرورَةٍ صَخْرِيَّةِ الجُدْرانِ
لَمْ تَبْقَ إلاَّ ليلةٌ أحْيا بِها وأُحِسُّ أنَّ ظلامَها أكفاني
سَتَمُرُّ يا أبتاهُ لستُ أشكُّ في هذا وتَحمِلُ بعدَها جُثماني

أفول النجم

هاشم الرفاعي

ما كان لمثل هاشم الرفاعي أن يموت كما يموت غيره من البشر، لقد عاش متفردًا، فاستحق ميتة استثنائية تلقي بظلال الغموض والدهشة، وتطرح الأسئلة، وتبقي جميع الأجوبة على المحك.

فبعد أن وصل الرفاعي إلى مستوى من الشهرة في عقده الثاني، كثر حسّاده، وازدادت حرارة معاركه مع رجال السلطة من ناحية، ومع أتباعهم من تيارات شيوعية وماركسية من ناحية أخرى. فأثيرت المشكلات في النادي الثقافي للقرية الذي اتخذه الشاعر الراحل مقرًا له، وفي حين ظنّ الجميع أنها ليست سوى مناوشات بين الشبان، استدرج هاشم الرفاعي إلى معركة مصطنعة في فناء النادي ليطعن حتى الموت.

 ورغم أنّه لا توجد رواية موثقة حول مصرعه، فإن بعض الدارسين لسيرته -مثل الأستاذ محمد حسن بريغش- يلمح أن السلطة الحاكمة في مصر وقتها، ربما رغبت في إطفاء نجم هذا الجبل، الذي أصبحت كلماته على كل لسان منددة بالظلم والكبت والجور. يقول بريغش: «وظل سؤال يدور على الألسنة: هل كان قتل الشاعر نتيجة لهذا الحسد والخلاف بينه وبين هؤلاء؟ أم لقصائده التي ذاعت، وحملها الشباب، وأنشدها المظلومون وشباب المسلمين في السجون والشوارع؟».(6)

111

المصادر
الكاتب

محمد السنوسي

كاتب ومدون مصري

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.