اختيارات المحرر

التعليم في غزة  بعد الحرب: وجهة نظر صهيونية 

لم تعد الحرب مجرد قتال بين جيشين يسقط فيه قتلى، وينهزم فريق وينتصر آخر وتنتهي المهمة. لا، لقد تعقدت الأمور كثيرًا، وصارت الحرب حرب عقول وقلوب.

والصراع الوجودي بيننا كعرب مسلمين وبين الكيان الصهيوني لم يعد قاصرًا على الحروب المتواصلة معه، وإنما امتد منذ بدايات التطبيع المصري، مرورًا بمنظمة التحرير الفلسطينية والأردن، وصولًا للاتفاقات الإبراهيمية وما يتوقع بعدها، إلى تغيير ما في العقول والقلوب من خلال تغيير مناهج التعليم لتتواءم مع مرحلة التطبيع؛ أو إن شئنا الدقة “التتبيع”، حيث نتبع سننهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع كما حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم.

من الحروب العسكرية إلى حروب العقول

لم يعد يرى العدو الصهيوني في انتصاراته العسكرية في ميادين الحروب نصرًا مؤزرًا كما ظل يعتقد طوال سنوات الصراع، منذ وصول أول صهيوني لأرض فلسطين حتى نكبة 48 ونكسة 67 وما بعدها وإلى اليوم. فالحروب التي أجبرت الأنظمة الحاكمة على تغيير رؤيتها للعدو من صراع إلى سلام؛ أيًا كانت الأسباب، فأخذت في الإقرار بشرعيته، وصولًا لتطبيع العلاقات بل الشراكة معه أمنيًا واقتصاديًا= تلك الحروب لم تقنع غالبية شعوب قارتنا العربية بما اقتنعت به الحكومات، بل زادتها إصرارًا على عداوة هذا الكيان الفاقد لأي شرعية، والواجب مجاهدته بكل ما لدينا من قوة مادية ومعنوية لما يمثله من شر مطلق1 على الأمة والعالم أجمع.

وهو الأمر الذي تنبه له منذ عقود قادة الكيان ونفره الحضاري، ووجدوا أن الحرب الحقيقية هي في عقول وقلوب أبناء القارة العربية، وأن تلك الحرب لا يمكن النصر فيها إلا من خلال تغيير مناهج الدراسة منذ بدايات الطفولة حتى مرحلة الجامعة، من أجل إعادة تشكيل العقل العربي المسلم على الهيئة التي تجعله يتقبل الوجود الصهيوني ويتعايش بل يتشارك معه الحياة.

ومن هنا بدأت الحرب على المقررات والمناهج الدراسية لتغييرها لتتوافق مع زمن التطبيع والسلام. فالمناهج والمقررات الدراسية تعد النافذة الأهم على الثقافة والتاريخ والمعتقد، والبذرة الأساس التي ينبت منها جذر التوجهات والقيم والاعتقادات أكثر بكثير من الكتب ووسائط الإعلام، إذ تمثل صياغة شبه رسمية لما تريد الأنظمة الحاكمة للأجيال الجديدة أن تؤمن بصحته عن العالم في الماضي والحاضر، تمهيدًا لإعدادها لمستقبل محدد.

تقرير العودة إلى المدارس: الأطر التعليمية في غزة في ظل الحرب

التعليم في غزة بعد الحرب

في هذا المقال نتابع أحد جهود الكيان الصهيوني لمراقبة عقول وقلوب أبناء الأمة من خلال آخر تقرير صادر عن هذا من معهد رصد السلام والتسامح الثقافي الصهيوني IMPACT-se “امباكت”، يقًيم فيه مناهج الدراسة في قطاع غزة بعد الحرب وخطورتها على الكيان من جهة، وعلى عمليات التطبيع معه من جهة أخرى، والذي اتخذ عنوان: العودة إلى المدارس: الأطر التعليمية في غزة في ظل الحرب مارس ٢٠٢٥م Back  to   School: Gaza’sEducational Frameworks   in  the   Shadow   of  War 2March   2025.  

تناول التقرير تحليل مناهج التعليم في قطاع غزة، وهل تم تغييرها وفاءً لالتزامات السلطة الفلسطينية تجاه الاتحاد الأوروبي في يوليو 2024م، التي تعهدت فيها بإصلاح محتواها التعليمي بما يتوافق تمامًا مع معايير اليونسكو للسلام والتسامح، حتى يمكنها أن تحصل على التمويل اللازم للعملية التعليمية. 

القسم الأول من التقرير حلل المواضيع الواردة في “المنهج المختصر” الجديد، وفقًا للمحاور التالية:

  • معاداة السامية.
  • التحريض على الاستشهاد والجهاد.
  • التحريض في العلوم والرياضيات.
  • تمجيد العنف والإرهاب وتبريرهما.
  • نزع الصفة الإنسانية عن إسرائيل وتشويه صورتها.
  • عدم الاعتراف بإسرائيل ومحوها من الخرائط، وقضايا النوع الاجتماعي. 

أما القسم الثاني، فقد تناول المشهد التعليمي الأوسع في غزة، مُفصِّلًا قدرات التدريس المباشر والمبادرات الناشئة، فضلًا عن المحتوى التعليمي المُدرَّس، مؤكدًا أنه بدلًا من أن تُعزز هذه الفصول الدراسية تعليمًا يُشجع على المصالحة، فإنها لا تزال تُستخدم كمنصات للتلقين، وتُرسخ الفكر العنيف وترفض التعايش السلمي.

وضمت قائمة الكتب الدراسية المختصرة الصفوف من الأول حتى الصف العاشر، ما يلي: اللغة الإنجليزية – الرياضيات – التربية الوطنية والحياة – لغتنا الجميلة – العلوم والحياة – اللغة العربية – الفيزياء – الكيمياء – التربية المسيحية – الجغرافيا – التاريخ – التربية الإسلامية – الثقافة العلمية – التكنولوجيا – القرآن الكريم وعلومه الفقه الإسلامي – الحديث النبوي وعلومه. 

أهم نتائج التقرير

خلص التقرير إلى نتيجتين رئيسيتين: 

1- المنهج الدراسي الجديد “المختصر” للسلطة الفلسطينية في غزة، يُكرر مواد ومحتوى معادٍ للسامية، يحرض على الكراهية والعنف والإرهاب، ويمجدهم ويبررهم، ويشجع على الاستشهاد والجهاد، ونزع الصفة الإنسانية عن إسرائيل وتشويه صورتها، ومحو إسرائيل من الخرائط. مما يُناقض التزام السلطة الفلسطينية العلني بالإصلاح التعليمي، ويُخالف الشروط التي يتم بموجبها صرف تمويل الاتحاد الأوروبي للعملية التعليمية. 

التعليم في غزة

2- لا تزال المدارس التي أُعيد فتحها في غزة تستخدم كتبًا مدرسية ومواد تعليمية تُحرض على الكراهية والعنف. حيث تُؤكد الأدلة الموثقة من هذه الفصول الدراسية أن التحريض لا يزال ركنًا أساسيًا في التعليم الفلسطيني في غزة.

ويخلص التقرير إلى أن إعادة فتح مدارس غزة لم يُؤدِّ إلى عودة التعليم إلى طبيعته، بل رسّخ نظام التطرف وجعله أكثر مؤسسية. حيث ينغمس الطلاب في نظام تعليمي يمجد العنف، ويبرر الإرهاب، ويضمن استمرار تشكيل الجيل القادم على الكراهية والصراع، مما يجعل النظام التعليمي أداةً لتنشئة أجيال مستقبلية غارقة في العنف، بدلًا من أن يكون جسرًا نحو المصالحة.  

الهدف من التقرير وتغيير التعليم

التقرير والجهد المبذول فيه خلاصته يقدم صورة مبسطة لمعنى النفر الحضاري الحقيقي في أمة اليهود بالمقارنة بأمتنا العربية المسلمة، حيث يعكف منتسبي هذا المعهد على دراسة كل ما يقدم للعقول المسلمة الناشئة ودراسة تأثيره على الصراع معهم، ويحذرون من أي محتوى يضر بهم.

ويقدمون خلاصة التقرير للجهات المسئولة لديهم، وللجهات الغربية المانحة للمعونات للشعب الفلسطيني، يوقفونها على خطورة تلك المناهج على عملية السلام التي يرعونها، ويحثونها على منع تلك التمويلات حتى تتوافق المناهج مع قيم السلام الذي يريدونه.

ولا يتوقفون عند ذلك بل يتم رفع تلك التقارير لمؤسسات الأمم المتحدة وللجهات الفاعلة في الاتحاد الأوروبي وأمريكا المختلفة، لتُتخذ دليلًا على عدم صدق الفلسطينيين في دعواهم للسلام، وخطورة الوضع الذي يعيش فيه أعضاء الكيان والبيئة المعادية التي تحيط بهم.

ورسالة التقرير واضحة لصاحب أدنى عقل، التعليم لا بد أن يتوافق مع زمن التطبيع، لا مكان للقيم الإسلامية، ولا حتى لقيم الفطرة الإنسانية المتمثلة في رفض الضيم والخضوع للظلم وترك الحقوق، فكل تلك القيم من زمن ولى ولا يجب أن يعود. 

فالتعليم -من وجهة نظرهم- يجب أن يُكرّس للتسامح والسلام والتعايش، وكلها تعني شيئا واحدًا: أن تنسى الأجيال القادمة ليس فقط الماضي الأليم لمدة قرن من القتل والتهجير وتدنيس المقدسات وسرقة الأرض وما عليها، ولكن كذلك نسيان الواقع الأليم الذي يعيشونه من الموت والدمار والتهجير والتجويع والإبادة؛ ليتعلم الأطفال والشباب ويُعلِّم المعلمون -في وسط الدمار الذي لم تشهد له الإنسانية مثيلًا في بقعة صغيرة مثل غزة- قيم التسامح والحب مع من يقتلهم ليل نهار، ومن يقصفهم دون انقطاع، ومن منع عنهم أبسط حقوق البقاء على قيد الحياة: كسرة خبز وشربة ماء.

خاتمة

إذا كانوا يريدون من المعلمين والطلبة أن يحبّوا من دمر مدارسهم وجامعاتهم قبل بيوتهم، ومن دمر مساجدهم ومستشفياتهم، وإلا فإن في ذلك خيانة لتعهدات ومعاهدات، وتضييع لأموال معونات خصصت لتغيير العقول والقلوب، أو إن شئنا الدقة تغييبها تمامًا ومسخ فطرتها. فهل تعجز الحكومات العربية وأهل الأموال العرب عن توفير تلك الأموال التي تجعل السلطات الفلسطينية في حيرة من أمرها بين الرضوخ لشروط المانحين وتغيير المناهج أو رفضها وتوقف العملية التعليمية لنقص التمويل؟

عماد الدين عويس

باحث في الشؤون الدينية والسياسية، باحث دكتوراه في السياسية العامة، له مؤلفات عديدة من مقالات… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى