تعيش تركستان الشرقية إلى الآن أبشع حملة اضطهاد عرفها المسلمون في هذه المنطقة تحت الحكم الصيني الملحد الذي يعيى القلم بعد جرائمه وأساليبه الوحشية التي يستخدمها في حربه ضد المسلمين في أرض عرفت الإسلام منذ نهاية القرن الأول الهجري.

ولا شك أن لهذا الحنق الصيني جذوره التاريخية التي يجب أن نتعرف عليها لندرك حقيقة أن القضية أكبر بكثير من مجرد صراع قومي أو إقليمي؛ إنما هو صراع قديم شرس بين الإسلام والإلحاد. وما نشاهده اليوم إنما هو فصل جديد من فصوله، وهو الأخطر على الإطلاق.

ثم لم تزل العلاقة التاريخية بين المسلمين في تركستان الشرقية وبين الملاحدة في الصين علاقة “كر وفر” منذ أواسط القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إبان عهد أسرتي “مينغ وتشينغ” (349 – 658هـ) (960 – 1260م)، بين مملكة قاراخان المُسلمة ومملكة يوتيان البوذية.

وأقامت تركستان الشرقية في الكثير من الأحيان دولتها الإسلامية الخالصة، لكن الاحتلال الصيني لم يتوقف عن التربص بكل فترة ضعف تمر بها، وتمكن من احتلالها للمرة الأولى بعد حرب طاحنة في عام 1172هـ (1759م)، ثم مرة ثانية في عام 1292هـ (1876م)، ثم مرة ثالثة في عام 1353هـ (1934م)، ثم مرة رابعة في عام 1368هـ (1949م)، مما يدل على أن الثورات وحركات التحرير لتحقيق الاستقلال لم تخمد لقرون في تركستان الشرقية.

ومما يجدر الإشارة إليه أن الفترات التي استقر خلالها المسلمون في الصين بتحصيل بعض الحريات في ممارسة شعائرهم ونشاطاتهم كما شهد العهد الجمهوري لم تشمل تركستان الشرقية، حيث استمرت معاناة المسلمين من وطأة الاضطهاد الذي مارسته الحكومة الصينية تدفعه الخشية من استقلالهم عن الصين مرة أخرى، لذلك فإن معاناة المسلمين في الصين مهما بلغت من شدة لم تصل لما وصلت إليه معاناة المسلمين في تركستان الشرقية الذين تنظر إليهم الصين بعين السخط وتحرمهم أدنى الحقوق وتسعى لاغتيال الإسلام فيهم بشكل جذري.

تركستان الشرقية بلغة الجغرافية

تركستان الشرقية

تركستان الكبرى هو الاسم الجامع لجميع بلاد الترك، يتكون من مقطعين “ترك” و “ستان” ويعني أرض الترك، وتعرف أيضًا ببلاد ما وراء النهر (أي خلف نهر جيحون وسيحون) أو بمنطقة وسط آسيا. وتنقسم لتركستان الشرقية والغربية.

استولى الروس على تركستان الغربية في عام 1282هـ (1865م)، لكن بعد قيام الاتحاد السوفيتي في عام 1340هـ (1922م) تم تقسيم تركستان الغربية على أساس سياسة فرق تسد العرقية إلى خمس جمهوريات مستقلة شكليًا، وهي؛ أوزبكستان (للأوزبك)، كازخستان (للقازاق)، قرغيستان (للقرقيز)، تركمنستان (للترك) وطاجكستان (للطاجيك). وهي جمهوريات ذات غالبية مسلمة لكن حبال الهيمنة لا تزال تحيط بها.

أما تركستان الشرقية فتمثل الجزء الشرقي من تركستان الكبرى، تقع بين الصين وروسيا، يحدها شمالًا منغوليا وروسيا (سيبيريا)، وجنوبًا بلاد التبت وكشمير (باكستان والهند)، وشرقًا الصين، وغربًا كازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان، ومن ورائها أوزبكستان وتركمانستان.

وتتميز تركستان الشرقية بمساحتها الشاسعة حيث تتربع على مساحة تبلغ تقريبًا خُمس مساحة الصين الإجمالية، وتطلق عليها الصين اسم إقليم شينجيانغ لتغييب تاريخ البلاد العريق الذي التصق باسم تركستان الشرقية. وهو اسم يعني الحدود الجديدة أو المستعمرة الجديدة. ويُصنف كأكبر إقليم في الصين.

سكان تركستان الشرقية

غالبية سكان تركستان الشرقية من أصول تركية وقازاقية وقرغيزية، يتقدمهم الأصل الأويغوري بشكل لافت. وكلمة “أويغور” تعني باللغة الأويغورية “الاتحاد والتضامن”، وتحتل المرتبة الثانية بين القوميات المُسلمة من حيث عدد السُكّان من بين القوميات العشر المُسلمة في كل الصين وهي؛ “الأويغور، القازاق، الأوزبك، الطاجيك، التتار، الهوي، سالار، دونج شيانغ، باوآن، القيرغيز”.[1] ويُمثل الأويغور ما يقرُب من 70% من سُكان تركستان الشرقية، بالإضافة إلى قوميات أخرى مثل: القازاق والهِوي والقيرغيز وغيرهم من القوميات المسلمة. وجميعهم سُنَّة أحناف.

وتحدد الإحصائيات الصينية الرسمية عدد مُسلمي تركستان الشرقية بـ 11 مليون نسمة، لكن مصادر أويغورية مُعارضة من بينها “مؤتمر الأويغور العالمي” تشير إلى أن عدد المسلمين يتجاوز 25 مليون نسمة.

مع العلم أن التركيبة السُكّانية لتركستان الشرقية بدأت تتغير في السنوات الأخيرة بسبب الهِجرات الداخلية من أبناء قومية “الهان” البوذية -أكبر قوميات الصين من حيث الكثافة السكانية- بدعم من السُلطات الصينية في إطار مخطط خبيث لتغيير ديموغرافية المنطقة وإضعاف المسلمين.

الأهمية الاستراتيجية لتركستان الشرقية

تتميز تركستان الشرقية بأهمية استراتيجية بالغة بسبب موقعها بين العديد من الدول في العصر الحاضر، ولكونها شكلت محطة رئيسية في طريق الحرير القديم المشهور الذي يمر بها، وكان يربط بين الصين والدولة البيزنطية، ويعتبر أحد الأسباب التي أدّت إلى انتشار الإسلام الكبير في المنطقة.

وتسعى الحكومة الصينية حاليًا إلى الإسراع في إنجاز مشروع إحياء طريق الحرير القديم تحت مُسمّى جديد وهو مشروع “الحِزام والطريق”، ولذلك تحكم قبضتها على تركستان الشرقية بشكل صارم. ولا يتوقف الأمر على الموقع الاستراتيجي لتركستان الشرقية فحسب؛ بل أيضًا على ثروات البلاد الأخرى وميزاتها؛ فهي غنيّة بالموارد الطبيعية كالنفط حيث تعتبر ثاني أكبر إقليم مُنتِج للنفط في الصين، وهي غنية أيضًا بالغاز الطبيعي والفحم والرصاص والنحاس والزنك وخامات اليورانيوم، ومصادر الطاقة، والصناعات الأساسية. وهي عصب صناعات الصين الثقيلة والعسكرية؛ فالصواريخ الصينية النووية والصواريخ البالستية عابرة القارات تُنتج في تركستان الشرقية.[2]

مدينة كاشغر

عاصمة تركستان الشرقية حاليًا هي أورومتشي، أما عاصمتها التاريخية والثقافية فهي كاشغر؛ المدينة التاريخية الشهيرة؛ مهد مئات المساجد العريقة، والتي يحتضن التاريخ دورها الكبير في الحضارة الإسلامية وفي التجارة العالمية على حد سواء.

وسجلت كاشغر اسمها في سجل أهم المدن التاريخية في حضارة الإسلام كمركز لطلب العلم حتى أُطلق عليها اسم «بخارى الصغرى»؛ حيث كان يصلها مئات الطلبة المسلمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي لدراسة الإسلام.

وأخرجت كاشغر للأمة الإسلامية علماء كثيرين، منهم العالم الجليل أبو المعالي طغرل شاه محمد بن الحسن بن هاشم الكاشغري الواعظ.[3] ولا تزال حاضرة من حواضر الإسلام العريقة التي تنتظر التحرير.

لماذا المسلمين في تركستان الشرقية أكثر من غيرهم؟

تركستان الشرقية

أحد المساجد في مدينة كاشغر تحت الاحتلال الصيني.

 يعاني المسلمون في الصين الاضطهاد بشكل مستمر ولكن بدرجات متفاوتة؛ فالقوميات المسلمة كقومية “الهوى” وهي أكبر القوميات الإسلامية في البلاد أقل تضررًا من المسلمين في تركستان الشرقية وعلى رأسهم الأويغور؛ حيث تمتزج هذه القوميات بالطابع الصيني ولا تطالب بالاستقلال، ويتحدث أبناؤها لغة الماندرين الصينية ولا يتميزون بلغتهم الخاصة مثل الأويغور، أيضًا تندمج هذه القوميات بشكل لا يميّزها كثيرًا عن الصينيين حتى من ناحية الأسماء فهم يتسمون بأسماء صينية بخِلاف الأويغور الذين يتجنبون الأسماء الصينية ويفضلون الأسماء العربية والإسلامية ويلتزمون بشدة بالزِي الإسلامي ما يعكس درجة اعتزازهم بدينهم وتميزهم عن الصينيين.

الخلفية التاريخية الإسلامية لتركستان الشرقية

فتحت تركستان الشرقية في عصر الدولة الأموية أيام الوليد بن عبد الملك (86 – 96هـ)، حيث وصلها القائد المسلم الكبير قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي فتح أهم أقاليم وحواضر تركستان انطلاقًا من مرو عاصمة إقليم خراسان، فدان أهلها جميعًا بالإسلام.

وفتح قتيبة مدينة كاشغر المهمة في تركستان الشرقية سنة 95هـ، ووصل إلى حدود الصين التي دخلها الإسلام بشكل أكبر بمعية التجار والدعاة. ويذكر التاريخ كاشغر على أنها المحطة التي أرسل منها قتيبة مبعوثه هبيرة بن مشمرج الكلابي إلى إمبراطورية الصين فعاد مكرمًا يحمل الهدايا وما يرضي المسلمين.

وسجل اعتناق الخاقان سوتوق بوغراخان سيد القبيلة القراخانية الأويغورية[4] للإسلام سنة (322هـ/ 934م) فتحًا كبيرًا؛ حيث دخل أبناؤه وكبار رجال الدولة وعامة الناس في دين الله أفواجًا بأعداد هائلة، تُقدر بأكثر من مليون شخص من العائلات الأويغورية، اعتنقوا الإسلام جميعًا في نفس الوقت، وأقبل الناس بكثافة على الإسلام حتى في الصين والتبت، وجعل الخاقان سوتوق الإسلام هو الحاكم في مملكته التي انتشر فيها استعمال الحروف العربية في كتابة اللغات المحلية؛ كالأويغورية والقازاقية والقرغيزية، وهي لغات تركية بالأصل.

وازدادت قوة الإسلام وانتشر انتشارًا واسعًا بعد ذلك، وانعكست الحضارة الإسلامية على الطراز العمراني الراقي في تركستان الشرقية وفي مدينتها كاشغر التي أصبحت أحد حواضر العالم الإسلامي الشهيرة.

ونشطت الحركة العلمية والدعوية بشكل كبير وهو ما عرفته تركستان الكبرى برمتها.

واشتهرت حينها تركستان الشرقية كدولة إسلامية قوية بلغت ذروة قوتها ومجدها في عهد شهاب الدولة هارون بغراخان وهو حفيد سوتوق؛ حيث انتشر العلم وازدهرت المدارس الإسلامية، وتوفرت الكتب والمكتبات باللغة الأويغورية بالحروف العربية. وانتشرت الدعوة للإسلام فاستجاب لها آلاف العائلات من القرغيز الأتراك مما زاد البلاد قوة وازدهارًا.

وكانت تركستان الشرقية جزءًا لا يتجزأ من العالم الإسلامي؛ حيث كان سكانها يخطبون في مساجدهم للخليفة العباسي القادر بالله على المنابر ويضربون العملة باسمه.

وبقيت تركستان بشقيها الشرقي والغربي تحت حكم الإسلام مع توالي السنين تعيش في ازدهار وحضارة مبهرة.

وكان من آثار ذلك تأسيس سكان تركستان الكبرى الدول الإسلامية كالدولة الغزنوية ودولة السلاجقة، وفي القرن الثامن الهجري أسسوا الدولة العثمانية؛ والتي بعد سقوطها سقطت المنطقة في سياسة “فرق تسد”.

زحف المغول على تركستان الشرقية

تركستان الشرقية

كانت تركستان الشرقية أولى ضحايا الزحف المغولي بقيادة جنكيز خان سنة 602هـ (1206م)؛ حيث توسع انطلاقًا من منغوليا بشكل عنيف وسريع جدًا، وسطر خلاله المغول المذابح بحق أهالي تركستان الشرقية التي ضمها جنكيز خان لملكه، وبعد وفاة القائد المغولي الأول تنازع ورثته على السلطان فانتهى الأمر إلى تقسيم إمبراطورية التتار الواسعة إلى أجزاء، أحدها كان يضم منغوليا وتركستان الشرقية، حكمه “أرتق بوقا”؛ وهو من أسرة أوكيتاي المغولي، وشهدت هذه المرحلة اعتناق أحد الزعماء المغول للإسلام لاحتكاكه بالمسلمين في تركستان الشرقية؛ وهو “طرما تشيبرين” في سنة 722هـ (1322م)، فتبعته أعداد هائلة من المغول واعتنقت الإسلام، وبقي هذا الحدث يثير الانبهار إذ عادة ما يقهر الاحتلال العباد، ولم يحصل أن تأثر المحتل بدين المستضعف! والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ولم يكن الحدث المبهر الوحيد في تاريخ المغول مع المسلمين؛ حيث سبق أن أسلم أحد كبار قادة المغول وهو “بركة خان” وأسلمت معه قبيلته المعروفة بالقبيلة الذهبية، وكانوا يعيشون في منطقة القوقاز في وسط آسيا، فساد نتيجة ذلك تركستان الشرقية الاستقرار وتحسنت علاقة المغول بالمسلمين لما شهدوه من نبل أخلاقهم وصدق معاملاتهم. وتميزت هذه المرحلة من حكم يوان الإمبراطورية (658 – 769هـ) (1260 – 1368م) أو ما يُعرف بـ “عهد المغول” بصعود المسلمين وزيادة نفوذهم؛ حيث حكم القادة المسلمون 8 ولايات من أصل 12 ولاية تتكون منها الصين آنذاك.[5]

تركستان الشرقية في عهد أسرة مينغ الإمبراطورية (769 – 1054هـ) (1368 – 1644م)

شهدت تركستان الشرقية في هذه الحقبة اندماجًا للمسلمين في المجتمع الصيني ولكن بالحفاظ على تقاليدهم الإسلامية، وازداد عدد المعتنقين للإسلام بشكل لافت في ظل استمرار الحكام المسلمين في مناصب قيادية مما أكسب الإسلام احترامًا كبيرًا، وانعكست آثاره على الفن المعماري الصيني بغلبة الفنون الإسلامية عليه. لكن الأمر اختلف تمامًا في العهد المنشوري.

تركستان الشرقية في عهد أُسرة المانشو الإمبراطورية (1053 – 1329هـ) (1643 – 1911م)

كانت حقبة العهد المنشوري مظلمة جدًا في تاريخ المسلمين في الصين وتركستان الشرقية؛ حيث تغيّرت أوضاعهم للأسوأ تحت مطرقة الظلم وسندان الاستبداد؛ مما ولّد ثورات عديدة، قمعها الحكام الصينيون بأشرس ما يكون فقتل الآلاف من المسلمين، وخلال هذه الفترة حاولت الصين احتلال تركستان الشرقية عدة مرات فتعثرت محاولاتها إلى أن نجحت في ذلك سنة 1172هـ (1759م)، واستمر احتلال المنشوريين للمنطقة عشرات السنين، لكن المسلمين التركستانيين لم يقبلوا هذا الواقع المذل فقاوموه بتفانٍ وعزم لا يقف رغم حجم القتلى والدمار الذي خلفه الاحتلال الصيني؛ حيث استشهد مئات الآلاف من المسلمين ومع ذلك استمر جهادهم لقرن كامل دون كلل ولا ملل حتى استقل المسلمون بدولتهم في عام 1279هـ (1863م).

وأسس الأويغور حكمًا إسلاميًّا هناك لمدة 13 سنة، ولكنه استقرار لم يدم طويلًا فما لبثت أن عادت تركستان الشرقية من جديد تحت الاحتلال الصيني بمساعدة الإنجليز في سنة 1292هـ (1876م).[6] لتحولها إلى مقاطعة صينية رسميًا عام 1297هـ (1881م)، وغيّرت اسمها إلى شينجيانغ، ودخلت تركستان الشرقية بذلك مرحلة القمع والاضطهاد العسيرة.[7]

ومما يجدر ذكره أن الدعم الإنجليزي جاء للصين خشية من التوسع الروسي خلال عهد التسارست الذي كان يهدد بوقوع تركستان الشرقية تحت الاحتلال الروسي، فقدم الإنجليز لأجل مصالحهم الدعم والأموال لحكام الصين آنذاك لاحتلال تركستان الشرقية مرة ثانية.[8]

تركستان الشرقية وحرب الصين مع اليابان

مشهد من الحرب الصينية اليابانية.

بعد الحرب العالمية الأولى (1332 – 1336هـ) (1914 – 1918م) دخلت الصين في حرب شرسة مع اليابان حيث دخلت القوات اليابانية إلى بكين العاصمة في عام 1325هـ (1933م)، وفي الوقت الذي سطر فيه اليابانيون المذابح ضد الصينيين أرخوا قبضة القمع على المسلمين؛ لإحداث شيء من التوازن في المنطقة.

ولقد استغل الأويغور الفرصة ونجحوا في التحرر من سطوة الصين بحركة تحررية ناجحة، فأعلنوا دولة تركستان الشرقية المسلمة في سنة 1352هـ (1933م)، ولكن بعد عام واحد اتحدت الحكومة في الصين مع روسيا لاحتلالها فعادت إلى سلطة الصين في سنة 1353هـ (1934م)، والغريب أنه احتلال صيني تم بوجود الاحتلال الياباني في الصين.[9]

ونتيجة ذلك أعدمت الصين رئيس دولة تركستان آنذاك “خوجانياز”، ورئيس وزرائه “داملا”، إضافةً إلى عشرة آلاف مسلم آخرين.[10] وسطرت المجازر الدامية.

تركستان الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية

بعد الحرب العالمية الثانية (1358هـ/ 1939م – 1364هـ/ 1945م) خرجت اليابان بهزيمة ثقيلة أجبرتها على الانسحاب من الصين، وتزامن هذا الانسحاب مع قيام الثورة الشيوعية في الصين بقيادة “ماو تسي تونج”؛ مؤسس الجمهورية الصينية الشعبية، انسحب على إثر ذلك الجمهوريون الذين كانوا في سدة الحكم من الصين إلى تايوان بمساعدة الغرب، واستقلوا عن الشيوعيين الذي استلموا مقاليد الحكم في بكين.

في هذه الأثناء استثمرت القوى الإسلامية الظرف، وأسست من جديد جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية بدعم الروس لها، وذلك في عام 1363هـ (1944م)، وبقيت تابعة للاتحاد السوفيتي ولكنها لم تدم طويلًا أيضًا؛ لأن ماو تسي تونج أنهى وجودها سنة 1369هـ (1949م) بعد صراع عنيف بينه وبين المسلمين، وأطلق بعدها الشيوعيون أيديهم بكل شراسة لتدمير الهويَّة الإسلامية من جذورها. فانطلقت مرحلة مظلمة في تاريخ تركستان الشرقية.

جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية

قامت جمهورية تركستان الشرقية الثانية بعد القضاء على الأولى وذلك بعد اندلاع ثورة في ثلاث مقاطعات شمالية (إيلي، تارباغاتاي، ألتاي)، وسرعان ما استطاع المجاهدون السيطرة على المناطق الثلاث والاستيلاء على ينينغ، ثم بعد ذلك أعلن الباحث الإسلامي “إليهان تور” أو علي خان شاكر جان كرئيس حكومة تركستان الإسلامية، وقال في بيان الإعلان: “الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، بتوفيق الله تعالى اس

تطاع الأبطال الإطاحة بالحكومة الظالمة، ولكن حتى إن حررّنا أنفسنا، فهناك إخوانٌ لنا في الإسلام ما زالوا تحت الحكم الوحشي الدموي والسياسة السوداء للحكومة الصينية الظالمة!، الله معنا، ونحن لن نلقي سلاحنا حتى نحرر كل المسلمين من بطش الحكومة الدموية، وحتى نقتلع جذور الحكومة المُضطهِدة من أراضي تركستان الشرقية، التي ورثناها كوطننا الأصلي من آبائنا وأجدادنا.”[11]

والجدير بالذكر أن شعارات المسلمين في تركستان الشرقية إبان الثورات وحركات التحرير كانت جميعها تنادي بالإسلام وقيمه، كما نشاهد في بيان إعلان قيام الدولة على لسان رئيسها علي خان شاكر جان، بينما اليوم نشاهد ذلك التركيز الخبيث من الغرب على تصوير قضية الأويغور بإبراز العلمانيين على أنها قضية قومية بحتة ليقتل حس الإسلام فيها ثم يضرب الصين في حربه معها لأجل حفظ مصالح الغرب في النظام الدولي.

موقع الروس من الصراع

إن مساعدة الروس في انتزاع الاستقلال لتركستان الشرقية كان له الثمن الباهظ؛ فقد كان حاكم البلاد يعتمد على الاتحاد السوفيتي للحصول على الدعم العسكري والتجارة، واضطر لإبرام اتفاقيات جعلت من تركستان الشرقية وثرواتها تحت السيطرة السياسية والاقتصادية الكاملة للاتحاد السوفيتي، فكانت مرحلة النهب بامتياز.

إلا أن أطماع الروس تعثرت بعد الهزائم السوفيتية الكبرى على أيدي الألمان في الحرب العالمية الثانية؛ حيث ضعف نفوذ الروس في تركستان الشرقية بشكل تدريجي حتى تلاشى.

ومن المهم توضيح الموقف الروسي في صراع تركستان الشرقية؛ فصراع الروس مع بكين بشأن النفوذ على آسيا الوسطى لم يمنع اتفاقهما على إخماد فرص النهوض الإسلامي من جديد في المنطقة، لذلك كان استقلال تركستان عن الصين متزامنًا مع هيمنة الروس عليها برضا أهلها في تبادل للأدوار؛ لضمان بقاء الرغبة في الاستقلال محاصرة بإحكام السيطرة على تركستان الشرقية، فلا تنتقل لشقيقتها تركستان الغربية فتلهمها فكرة التخلص من ربقة الاستعمار الشيوعي.

كما أن أغلب ثورات المسلمين في تركستان الشرقية ضد الصين وأغلب الجمهوريات المستقلة التي نجحوا في تشكيلها خلال مسيرتهم الجهادية الطويلة كانت تنتهي ويقضى عليها بفضل مساعدة الروس للصين، كما حدث في ظل الحكم القيصري أو الحكم الشيوعي.[12]

فمع أن تركستان الكبرى بقيت طويلًا لأكثر من قرنين من الزمان موضع صراع ونزاع بين روسيا والصين حتى تم اقتسامها بينهما؛ فحصلت روسيا على تركستان الغربية والصين على الشرقية إلا أنهما اتفقتا على عدائهما للمسلمين، ولا تزال هذه السياسة مستمرة إلى يومنا هذا بين الصين وروسيا: التنافس على المصالح والنفوذ والاتفاق على كبت المشروع الإسلامي.

من دولة مستقلة إلى إقليم تابع محتل

وتحولت جمهورية تركستان الشرقية مرة أخرى للاحتلال الصيني سنة 1369هـ (1949م)؛ فعمد ماو تسي تونج لتغيير اسمها إلى اسم شينجيانغ، واعتبرها إقليمًا تابعًا للصين، وإن كان قد أعطى تركستان الشرقية صفة الحكم الذاتي على أساس أن لها حرية التصرف في شؤون سكانها الثقافية والدينية واللغوية إلا أنه لم يتعد سياق الحكم الصوري حيث سلطت حكومة الصين سياسة الحديد والنار على تركستان الشرقية، وصب الشيوعيون جل حقدهم وعدائهم على المسلمين فسطرت المذابح البشعة والتدمير لمقومات الأمة المسلمة في هذه البلاد؛ فتم إلغاء المؤسسات الدينية والمدارس، واتخذت المساجد أندية للجنود الصينيين وللرذيلة، وأصبح الإسلام جريمة يحاسب عليها القانون بشكل رسمي، ومنع المسلمون من السفر ومنعوا حق الملكية وصودرت ممتلكاتهم حتى حلي النساء المسلمات اللاتي أرغمن على الزواج من صينيين ملحدين.

وقسمت البلاد إلى 450 كوميونًا؛ أي معسكرًا للعمل الإجباري، ليعمل فيها العمال والفلاحون المسلمون الذين يشكلون 98% من السكان، وقد مات الكثيرون في هذه المعسكرات[13] تمامًا كما يجري الآن بمعسكرات الاعتقال التي جعلت لإجبار المسلمين على الردة عن دينهم.

ومنحت الصلاحيات الواسعة لقومية الهان ليتمكنوا من السيطرة على مفاصل البلاد الرئيسية خاصة في ميدان الاقتصاد والسياسة. وتزامنت هذه التطورات مع خطط خبيثة عملت على إلغاء اللغة الأويغورية والتضييق على المسلمين بحرمانهم من الوظائف التي كانت تذهب لأبناء الهان فتزايدت هيمنتهم بشكل كبير.

وفرضت السلطات الصينية لغة الماندرين الصينية ومنعت العربية بشكل صارم، وعمد الشيوعيون إلى منع التاريخ الإسلامي وفرضوا بدله تعاليم «ماوتسي تونج». وكان ضمن شعارات الثورة الثقافية: “ألغوا تعاليم القرآن”، وهو ما يشكل معًا ومع غيره من التفاصيل المحاربة للإسلام ما يُعرف بـ “سياسة التصيين” التي أطلقتها الصين على تركستان الشرقية.

تاريخ ثوري ينشد الحرية في تركستان الشرقية

قابل التغيير الديمغرافي المدروس وارتفاع البطالة وضيق المعيشة والاضطهاد العنيف توترات حادة وثورات في تركستان الشرقية بقيت مستمرة إلى وقت غير بعيد فيما يشكل امتدادًا لتاريخ من الثورات التي قدم لأجلها المسلمون أرواحهم بلا تردد، مثلما أشارت لذلك جريدة إبراس الأندونيسية التي تحدثت عن سقوط 75 ألف شهيد من المسلمين الأتراك في مدينة كاشغر في عام 1386هـ (1966م) في مذبحة رهيبة ارتكبها المحتل أثناء استقبال المسلمين لشهر رمضان؛ وهو العام الذي شهدت فيه كاشغر ثورة كبرى أجهضها الاحتلال.[14]

وسجل التاريخ تضامن أهل تركستان الشرقية مع الثورات التي قامت في الصين ضد الحكومة الصينية منذ عام 1172هـ (1759م)، ومن أشهر هذه الثورات؛ ثورة الأوزبك عام 1283هـ (1866م)، وثورة عام 1298هـ (1881م)، وتجددت هذه الثورات في القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي) أيضًا، ويذكر منها الثورة التي قامت بقيادة الجنرال عثمان بانو، ولكنها تعرضت لعدوان شديد من الصين فانتهت بالفشل وأعدم الجنرال في عام 1370هـ (1951م).

واستمر حال المسلمين في تركستان الشرقية في تدافع واضطراب إلى بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1409هـ (1989م) وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق في عام 1411هـ (1991م)، حيث ضاعفت الصين شدتها خشية أن تطمع تركستان في الاستقلال كما فعلت الدول التي استقلت عن الاحتلال الروسي.

ورغم ما تعرضت له الثورات من خطط إحباط وحروب لم ينثن المسلمون في تركستان الشرقية عن عزمهم في انتزاع الحرية؛ فقد استمرت ثوراتهم التي كتمت الصين كل صوت لها إلى تاريخ قريب. وإن أحبطت جهود الأحرار إلى حين فالمسلم العزيز لا يقبل المذلة، حيث سجلت التقارير إلى اليوم رفض الأويغوريين المسلمين التعايش مع الإذلال والاضطهاد الذي سلطته عليهم الحكومة الصينية، ولا تزال هناك مقاومة محلية وتمرد على الظلم، لكنه واجه تعتيمًا إعلاميًا شديدًا فلم تظهر ملامحه إلا من خلال تصريحات لحاكم تركستان التابع لحكومة بكين؛ حين أقر بوقوع هجمات في السنوات العشرين الأخيرة على يد المسلمين الذين يسعون لاستقلال تركستان الشرقية على غرار حرب العصابات، ظهرت ملامحها أيضًا في تصريح لأحد أبرز قادة الحزب التركستاني “عبد الشكور التركستاني” الذي أعلن في 1432هـ (2011م) في مقطع فيديو مسؤولية الحزب عن هجمات كاشغر وهجمات هوتان في نفس العام[15] على الحكومة الصينية ومصالحها.

كما شهدت ساحة تيانانمين في عام 1434هـ (2013م) هجمات على يد الأويغور الذين يطالبون باستقلال البلاد مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.[16] على سبيل المثال لا الحصر.

ولا تزال سياسة القمع والاضطهاد مستعرة بشدة إلى اليوم بما فيها تحديد النسل المفروض على تركستان الشرقية بشكل صارم، والتعقيم القسري الذي أصبح عنوان المرحلة، وحملات الاعتقال والمحاكمات الصورية غير العادلة في جميع المناطق ذات الأغلبية الأويغورية في تركستان الشرقية، حيث يحاكم الأويغوريين محاكمات جائرة ثم تطلق عليهم الأحكام الظالمة؛ منها الإعدام في نفس يوم إعلان الحكم رميًا بسبب تهم سياسية مزعومة.

الانفتاح الصيني الحديث على العالم

لم تختلف السياسة الصينية البشعة بعد هلاك ماوتسي تونج عام 1396هـ (1976م) وانفتاح الصين على العالم الخارجي للبحث عن المصالح التجارية والمكاسب الاقتصادية الأهم؛ بل استمرت على نفس المنوال، بل اشتدت القبضة الحديدية أكثر بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، ثم أكثر بعد هجمات 11 سبتمبر 2001م وركوب موجة العداء للإسلام. فازدادت الأوضاع سوءًا.

تداعيات الاضطهاد

ولا شك أن هذه مرحلة خرج منها المسلمون بتداعيات خطيرة، فقد اضطروا ليس فقط لتحمل تبعات العنف الشديد والتنكيل الذي ازدحم به تاريخهم؛ بل خرجوا أيضًا بآثار شديدة ترتبت عن إغلاق المساجد ومصادرة الأوقاف الإسلامية وإحراق كل المخطوطات والكتب الإسلامية والعربية، ومنع تداول اللغة العربية وحظر التعليم الإسلامي في المساجد، فكان لهذا القمع الديني والثقافي والسياسي مفعوله في انهيار المنظومة الإسلامية في تركستان الشرقية، وحرم معها المسلمون في هذه البلاد من الانتفاع من التواصل مع العالم الخارجي الإسلامي وكل فرصة للتطوير والتحديث وسط تعتيم إعلامي شديد؛ لإجهاض فرص ترميم الحضور الإسلامي في هذه المنطقة.

وإلى اليوم يفتقد المسلمون في تركستان الشرقية إلى المرجعية الدينية والعلمية وحتى السياسية التي شكل غيابها حاجزًا يعيق التواصل بين المسلمين في الصين والعالم الإسلامي.

كما أدى الاضطهاد المزمن إلى خروج أعداد كبيرة من اللاجئين الأويغور خارج تركستان الشرقية، منهم من لجأ إلى تركيا حيث تتواجد العديد من الجمعيات الإسلامية مثل “جمعية عُلماء مسلمي تُركستان الشرقية”، ولا تزال حكومة الصين تطارد هؤلاء اللاجئين فتضغط على الدُول المُختلفة لإعادتهم وتسليمهم لها، وقد رضخت لها ماليزيا وتايلاند وقازخستان وأوزبكستان وكذلك فعلت مصر التي سلمت العديد من أبناء الأويغور اللاجئين لديها والطلاب، وقامت الحكومة الصينية بمُحاكمتهم فور وُصولهم إلى الصين ثم سجنهم، وحتى تركيا التي تُعتبر ملاذ اللاجئين الأويغور بسبب الجذور التاريخية مع الأتراك استجابت في الأخير لمطالب الصين لأجل حفظ مصالحها الاقتصادية؛ فتم تسليم بعض الأويغور لبكين، لكن الدول الأوروبية والولايات المتحدة لا تزال تسمح للأويغور باللجوء لديها لاستخدامهم كوسيلة للضغط على الصين.

كذلك أدى الاضطهاد المستمر إلى استمرار التمرد على الصين خارج تركستان الشرقية؛ حيث التحق المسلمون الذين رفضوا الاحتلال الصيني بالجماعات الجهادية في أفغانستان والجهادية في العالم، ومنهم من هبّ لنجدة أهل الشام كما كان حال الحزب التركستاني الإسلامي حيث قطع أفراده الأميال وتجثموا الصعاب والأخطار في سبيل الوصول لأرض الشام والدفاع عنها على ما يحملونه من هم تحرير تركستان الشرقية. مما يؤكد جذور الصراع في العالم الإسلامي وحقيقة مفهوم الأمة الواحدة.

تركستان الشرقية اليوم

يقف القلم عن التدوين حين يتعلق الأمر بسرد جرائم الصين في تركستان الشرقية اليوم، فقد فاقت كل البشاعة التي شاهدنا في العصر الشيوعي الأول، وتجاوزت كل التصورات!

إن ما يجري اليوم في تركستان الشرقية هي عملية إبادة عرقية متكاملة، تستهدف المسلمين في هذه المنطقة على رأسهم الغالبية الأويغورية؛ فقد أنشأت الحكومة الصينية معتقلات ضخمة حشدت فيها ملايين الرجال المسلمين لإجراء عملية مسح لكل ما يتصل بالإسلام في قلوبهم واستبداله بمفاهيم الإلحاد الشيوعية، وعزلت النساء المسلمات في سجن كبير حيث تعرضن لعمليات تعقيم قسري؛ لحرمانهن من نعمة الحمل والذرية، وقضت الكثير منهن نحبها في هذه الظروف من فقر ونقص إمكانية التطبيب. وكشفت التقارير العديدة والشهادات المتواترة عن تعرض النساء المسلمات للاعتداءات الجنسية وحالات الاغتصاب في معسكرات الاعتقال الصينية، فضلًا عن المضايقة وحملات التشهير والاستدراج لكل من تتجرأ على فضح الاضطهاد الصيني ممن يقيم في خارج الصين.

ومُنع الشباب الأويغوري من السفر خشية انضمامهم للجماعات الجهادية التي تعمل على هزيمة الاحتلال الصيني وتسعى للاستقلال عنه، ويجري حاليًا على قدم وساق عملية تذويب عرقي وتجارب نووية في الأرض المسلمة المحتلة، ويذكر من ذلك إجراء أول تجربة نووية في 11 جمادى الآخرة 1384هـ (16 أكتوبر 1964م) في صحراء لوبنور الواقعة شرقي تركستان الصينية. مما تسبب في تزايد حالات سرطان الجلد وتشوهات الولادات.

فضلًا عن ترويج المخدرات والرذيلة ونشر الأمراض كالإيدز، وفرض الإفطار القسري في شهر رمضان حيث تنظم الحكومة عملية توزيع للطعام في عز النهار فمن يرفض المجاهرة بإفطاره يكون العقاب له بالمرصاد وخسارة الوظيفة والشهادة يتوعده، يدخل في هذا الإفطار شرب الخمر وأكل الخنزير قسرًا.

كما يكره الرجال على حلق لحاهم والنساء على نزع الأوشحة التي يرتدينها على رؤوسهن. بينما استمرت الإسلاموفوبيا التي تغذيها الصين في التمدد حتى بلغت قوميات مسلمة أخرى غير التي في تركستان الشرقية؛ مثل قومية الهوي داخل إقليمي غانسو ونينغزيا الصينيين حيث شهد المسلمون هناك طرقًا أكثر ديمومةً وأشد عمقًا من الحظر الذي كان يطبق على الإسلام في عهد الثورة الثقافية الحمراء.[17]

الإبادة العرقية في تركستان الشرقية

إن الذي اتفقت عليه الخلاصات هو أن حملة الاضطهاد للمسلمين واغتيال الإسلام في تركستان الشرقية تتسم بالتنظيم والمركزية. وهي توظف وسائل الرقابة المكثفة التي توفرها التقنيات العالية الصينية؛ حيث يراقب المسلم مراقبة حثيثة وترصد سلوكياته لاعتقاله لأي إشارة تربطه بالإسلام، فلا يجرأ على إظهار مصاحف القرآن أو الاغتسال والوضوء أو أدنى حق في حياة الإيمان، حتى أن السلطات الصينية فرضت على المسلمين تسليم جميع المصاحف وسجّادات الصلاة والمتعلقات بالإسلام ومعاقبة من يرفض ذلك، بل وصل الأمر لمعاقبة من يرفض مشاهدة التلفزيون الرسمي!

فيعيش المسلم في تركستان الشرقية يتوجس خيفة تحت ثقل كل أنواع الاضطهاد المعلومة وغير المعلومة التي لا تزال تمارس إلى اللحظة ضد المسلمين في هذا الجزء من العالم الإسلامي. ومن خضع للاعتقال يجبر على إعلان كفره واعتناق الشيوعية، يجبر على نبذ الإسلام والثناء على الإلحاد، أو فإن مصيره التعذيب حتى الموت!

هذا الجزء الذي لا يتجزأ من العالم الإسلامي محروم من بناء المساجد ورفع الأذان والصلاة، وحتى الوضوء، ممنوع عليه طباعة الكتب الإسلامية أو تداولها، ومسلوب الحق في الدعوة والإعلام حيث حظرت الصحف الإسلامية والإذاعات والقنوات التلفزيونية وحرم على المسلمين استعمال غيرها من منصات. لقد تم القضاء على الحروف العربية ولغة القرآن بصرامة، ومنع المسلمون من تطبيق أحكام الشريعة حتى فيما يتعلق بالأمور الشخصية والعلاقات الاجتماعية والزواج، كما تم حظر المدارس الإسلامية واستبدلت بمدارس صينية وفق المواصفات الحكومية الملحدة.

معتقلات الإجرام الصينية

وبحسب آخر التقارير يتم احتجاز ملايين المسلمين في الوقت الراهن في معسكرات الاعتقال الصينية الإجرامية.[18] فيما قدر بـ 380 مركز اعتقال في تركستان الشرقية والتي شهدت مرحلة توسيع كبيرة وأطلق عليها: “أكبر احتجاز جماعي لأقلية من سكان العالم اليوم”.

والذي يمكن أن يعتقل فيه المسلم فقط لأجل اللحية الطويلة! أو تمتمة بسملة عند تناول الطعام، وصرّح مسؤولو الشرطة في إحدى البلدات إنهم أُمِروا بإرسال 40% من السكان المحليين إلى المعسكرات.[19] حيث يعالَج الإسلام فيها كمرض عقلي “أيديولوجي” لا يُضمَن أبدًا الشفاء التام منه كالإدمان أو الاكتئاب لذلك هناك دائمًا خطر أن يظهر المرض نفسه في أي لحظة.[20] في إشارة إلى قدرة الإسلام على الانبعاث من جديد.

لذلك بعد الانتهاء من عملية غسيل الأدمغة وما يسمى إعادة التأهيل في المعتقلات الصينية؛ أي إعلان الردة بالإكراه عن الإسلام، لا يعني هذا نهاية المأساة؛ بل ستبقى مستمرة؛ فمن خرج من الاعتقال سيقبع تحت المراقبة، ويخضع لما يسمى تعزيز معرفته الأيديولوجية، ويجبر على حضور مختلف الأنشطة العامة الإلحادية لضمان بقاء تأثير سطوة السحر الشيوعي.

ولم تشمل هذه المعتقلات الأويغور فقط بل المسلمين من مجموعات عرقية أخرى منها الكازاخستانيين والقيرغيزستانيين وغيرهم. يجبرون على الهتاف للرئيس الصيني شي جين بينغ (رئيس الصين مدى حياته)، والحزب الشيوعي الصيني.

وأكدت التقارير وقوع وفيات في المعتقلات بسبب الانتهاكات الجسدية والنفسية، والظروف اللاإنسانية التي يحتجز فيها المسلمون بشكل مكتظ لأجل غير مسمى، وأغلب من يخرج من هذه المعتقلات يخرج بإعاقات جسدية ونفسية جسيمة.

ومن المهم تسليط الضوء على حقيقة ما نشره الأويغور المسلمون في الخارج منذ عام 1441هـ (2020م) بعد الحصول على بعض المعلومات من الداخل أنه تم حبس ما يصل إلى 9 ملايين من الأويغور في معتقلات الإجرام في أسوأ ظروف ومعاملة، بينما أشارت بعض الصحف الأمريكية مؤخرًا لاحتجاز 8 ملايين. كما أشارت تقارير إلى مقتل مليون مسلم من الأويغور في هذه المعسكرات إما بعد استخدامهم في حصاد الأعضاء البشرية أو في تجارب الأسلحة البيولوجية أو في الإعدام الجماعي وسط تعتيم إجرامي شديد لكل الأخبار في هذه البلاد، ما يؤكد على أن ما يجري من دمار وإبادة عرقية في تركستان الشرقية هو عشرات الأضعاف عما يتم تداوله بشكل عام في الإعلام.[21]

وتواصل الحكومة الصينية قطع الاتصالات مع الأويغور في الخارج مع أسرهم حيث تراقب الاتصالات الهاتفية لمعاقبة كل من يجري اتصالات مع أقاربه في دول أخرى، ويصل العقاب إن ثبت إجراء اتصال هاتفي واحد إلى السجن لمدة سنوات طويلة وحتى القتل، وتفرض الحكومة الصينية على أهل تركستان المسلمين أوقات طويلة جدًا في العمل، فلا يحصلون خلالها إلا على عدد ساعات قليلة للراحة لاستنزافهم وشغلهم في المصانع والشركات الصينية، فيما يسمى بالعمل القسري الجبري. بينما تجبر الفتيات المسلمات على الزواج من الرجال الهان الملحدين. بفرض التقاليد الصينية لا الأويغورية.

وتظهر التسجيلات والشهادات التي تسربت من تركستان الشرقية إبادة عرقية كاملة تجري على قدم وساق يعجز الإنسان على تحمل تفاصيلها.

أطفال المسلمين في خطر

وحتى الأطفال لم يسلموا من هذه الإبادة؛ حيث يمنع تسميتهم بأسماء إسلامية، ويمنعون من ممارسة العادات الإسلامية التي ورثوها من أسرهم، وتحتجز الصين الأطفال الذين اعتقل آباؤهم أو هاجروا في ظروف الاضطهاد وأيضًا الأيتام، وتفصلهم تمامًا عن أسرهم لتنشئة الجيل بشكل منقطع عن الثقافة والعادات والتقاليد والديانة واللغة الأصلية لآبائه وتمنعهم حتى من الحديث باللغة الأويغورية ويتعرضون للضرب إن فعلوا ذلك، كما تمنع الأطفال من الالتحاق بأهاليهم في الخارج.[22]

وأشارت بعض التقارير إلى أن معسكرات الأطفال للاحتجاز تضم بين جدرانها مئات الآلاف من الأطفال الأويغور المسلمين يجري عليهم عملية اغتيال للإسلام وتربية على الإلحاد والشيوعية.[23] ومنه تحويل مئات الآلاف منهم من تركستان الشرقية إلى مناطق داخلية في الصين ليتم دمجهم في قومية الهان الملحدة.[24] كما لم تتردد الصين في استعمال الأطفال كنماذج لتجاربها الطبية مثل الفئران، في وقت أخضعت الأمهات للتعقيم القسري لحرمانهن التكاثر.

أقف عند هذا الحد لأعترف أني عجزت تمامًا عن مواصلة عد جرائم الصين بحق المسلمين في تركستان الشرقية، كلما سجلت معلومة يرتجف لها الوجدان تصدمني المعلومة اللاحقة، أرقام مذهلة وجرائم فظيعة، عملية إبادة عرقية مكتملة الأركان تجري على قدم وساق اليوم في هذا الجزء من العالم الإسلامي الذي عرف الإسلام منذ القرن الأول الهجري!

وإني لأشدد على أن تدمير سمعة سكان تركستان الشرقية وتدمير اقتصادهم وتدمير عقولهم وأجسادهم ووجودهم لن يقتصر على هذا الجزء من العالم. فإن الخطر القادم من الشرق سينسي المسلمين أهوال الغرب!

إننا أمام غزو تتري فظيع إن لم نستعد له اليوم فمصيرنا مصير تركستان الشرقية، ليست مزحة، فهذه الدولة اليوم تضع أركان مشروع هيمنتها العالمية والعالم الإسلامي أحد أهم مراكزه، البداية الاقتصاد والنهاية الاستعباد.

ما المطلوب منا تجاه المسلمين في تركستان الشرقية؟

بداية يجب معرفة تفاصيل الواقع في تركستان الشرقية بشكل جيد والإلمام بجذور قضيتها التاريخية ومراحل تطورها.

يجب التركيز على النشاط الإعلامي بكثافة لنصرة تركستان الشرقية، يدخل في ذلك صناعة الوعي والتعريف بالقضية، ونقل أخبارها بشكل يومي وشغل اهتمام الرأي العام بها بشكل لا يقل أهمية عما يجري في باقي بلاد المسلمين كفلسطين وسوريا والعراق واليمن وغير مكان.

يجب السعي على مد الجسور مع التركستانيين المسلمين بما فيهم أولئك في خارج تركستان الشرقية؛ لحفظ السبل لدعم خارجي بكل أنواعه الممكنة ومد جسور الأخوة في الله.

ثم العمل على تفعيل طرق التأديب للصين والضغط عليها، يدخل في ذلك مقاطعة منتجاتها وإحباط مشاريعها الاقتصادية في بلاد المسلمين، خاصة مع تطلع بكين لكسب السوق العربية والإسلامية كأولوية رئيسية في خطتها الاقتصادية، مما يسمح بفرض شروط عليها على رأسها كف اضطهاد المسلمين في تركستان الشرقية.

كما لا يجب الاستسلام للآلة الدعائية الصينية وأساليبها في التكتيم الإعلامي الشديد، بل يجب أن ندعم كل صوت مقاوم مسلم داخل تركستان الشرقية وحتى خارجها يسعى لحريتها، كممثل رسمي لدولة عاث فيها الاحتلال فسادًا.

ومما يجب التشديد عليه أن قضية تركستان الشرقية قضية إسلامية، فلا يجب أن نسمح بتعويمها في الأطروحات العلمانية على أنها قومية بحتة، في تجاهل لحقيقة الصراع وطبيعته من جهة أخرى. وهذا تحديدًا ما تسعى له الولايات المتحدة؛ بتوظيف ملف تركستان الشرقية للنيل من خصمها الصين، فتحولت قضيتهم في ظل خذلان العالم الإسلامي الكبير إلى أداة سياسية بيد الإدارة الأمريكية لتضغط بها على السلطات الصينية لحماية مصالحها السياسية والاقتصادية.

وإن إبراز قضية تركستان الشرقية على أساس النزعة العرقية بدل الإسلامية الخالصة هي سياسة يمتهنها الاحتلال منذ القديم تمامًا كما عمدت لذلك الصين في تناول قضية تركستان الشرقية وكذلك الاتحاد السوفيتي السابق في تركستان الغربية والقوقاز؛ حيث عمد إلى تقسيمها إلى أقاليم بحسب الفئات العرقية لضمان استمرار سياسة فرق تسد.

ثم لتصفية قضية تتعلق بالأمة الإسلامية قاطبة يجعلها العدو وطنية بحتة أو قومية محدودة أو إنسانوية فتتلاشى في صخب. أما أن تجعلها عقدية إسلامية يجتمع عليها المسلمون عربًا وعجمًا فذلك الأصل وذلك النصر، وهو ما تسعى الصهيوصليبية بأذنابها العربية سلبنا إياه حقًا وواجبًا. لذلك فإن مفهوم الأمة الواحدة هو الحل.

ختامًا

ختامًا نحن أمام حقبة عسيرة بحق، إما أن نقدم النصرة اللائقة للمسلمين في تركستان الشرقية تمامًا كما نقدمها لكل مسلم في ثغر منكوب، وإلا فسننتظر نفس المصير بعد حين. قال الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ

لذلك يجب أن يقترن اسم المسلمين المضطهدين بجميع أدعيتنا ومشاريعنا، فهذا حق وواجب مع ضرورة استمرار العمل على نشر الدعوة للإسلام، ذلك أن سرعة انتشار دين الله وقوته في قلوب معتنقيه أقلق الشرق كما أقلق الغرب بكل تأكيد، فكان أن أمعنت الصين إبادة للإسلام والمسلمين خشية أن يهيمن على البلاد ويخرج العباد من الإلحاد.

وفي الواقع يمارس الغرب سياسة التغريب مع العالم الإسلامي، وتمارس الصين سياسة التصيين مع تركستان الشرقية المسلمة، ويسعى كلاهما لاغتيال الإسلام في حياة المسلمين. وإن اختلفت أسماء الأعداء إلا أن وسيلتهم واحدة، وفي ذلك دلالة على ما يحمله الإسلام من عظمة للمسلمين فكان في مرمى أهداف أعدائهم لأنه أصل القوة والانبعاث.

وأخيرًا، حين أبحث في تاريخ وحاضر المسلمين في كل بلاد في عالمنا الإسلامي أخرج بنفس الخلاصة: لدينا قضايا كثيرة كمثل قضية فلسطين، وعلينا بحل واحد لحل جميع قضايا المسلمين لا قضية بحد ذاتها، ولا يكون ذلك إلا بإعادة اللحمة والوحدة تحت نظام إسلامي شامل يكفل الحقوق ويرد العدوان وينهض بالأمة: إنه الخلافة الإسلامية على منهج النبوة، فلمثل هذا الحل الجذري فليعمل العاملون.

352

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي 10 كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (صيد المقالات) وصناعة الهمة).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.