الهدف من كلمة “الغزو” هو معنى السيطرة على الأراضي واحتلالها دون وجه حق، وقهر أهلها واخضاعهم إلى السيطرة من دول الاحتلال. ولا يتوقف الغزو على الغزو العسكري واحتلال الأراضي فقط وإنما يمتد مفهوم الغزو لأبعد من ذلك بكثير.

تعريف الغزو الثقافي

الغزو الثقافي

الغزو الثقافي لا يقل خطورة عن الغزو العسكري، بل يمكن أن يكون أشد خطورة منه؛ حيث يمكن التخلص من الغزو العسكري بالحروب والمعارك وطرد العدو من الأراضي المحتلة، بينما الغزو الثقافي يسيطر على عقول الإنسان فيجعله يكتسب ثقافات جديدة كالثقافة الغربية والتي تبتعد كل البعد عن ثقافة الدين الإسلامي وأوامر الإسلام التي وصانا الله عز وجل ورسوله بها.

مفهوم الغزو الثقافي هو الهجوم على أسس وثقافات أمم من أجل طمسها والسيطرة عليها ونشر المعتقدات والثقافات الأخرى. وغالبًا يتم ممارسة هذا النوع من الغزوات على الدول النامية، ومفاهيم الغزو الثقافي هي:

الاستقطاب والهيمنة

ظهر هذا النوع من المفاهيم بعد انقسام العالم إلى نصفين، النصف الأول كان تابعًا للقطب الأمريكي وما يدور حوله، والنصف الثاني كان تابعًا للقطب السوفيتي وما يدور حوله، وحدث هذا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت الحروب تأخذ شكلًا آخر مختلف عن المعارك بالأسلحة، وهي الحروب الباردة والسلاح المستخدم في هذه الحرب هو الغزو الثقافي والفكري.

واستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تسيطر على جميع الأطراف وتنهي جميع الأقطاب. وأصبحت المسيطرة الأولى على العالم بالتقنيات المختلفة والمعلوماتية والعلم وغيرها من الأسلحة التي وفرت لها الثروة والمعرفة.

التبعية

ظهرت التبعية أكثر في الاقتصاد، بسبب التراجع والتخلف في دول العالم الثالث، وتسارعت دول العالم الأول للسيطرة على هذه الدول عن طريق طرح أفكار للنمو الاقتصادي ثم شملت أفكارها السياسية وبعد ذلك الاجتماعية. وتغير المفهوم الخاص بالتبعية ليصبح “تنمية”، واستغلت الدول الأوروبية الدول الصناعية خاصة دول الشمال من أجل خدمة الاقتصاد العالمي الخاص بهم، واستغلال المواد الخاصة.

وظهر مفهوم التبعية في بدايته في الاقتصاد “وهو شكل من أشكال الغزو الثقافي”، ثم إلى المجالات الأخرى؛ بغرض تحويل الكون بأكمله إلى قرية كونية ضيقة الأفق يحكمها الأوروبيون، ويفرضون سيطرتهم على الدول عن طريق الأموال والاتصالات والاقتصاد والمعلوماتية وغيرها. وجدير بالذكر أن التبعية الإعلامية تشكل خطرًا أكبر من الاقتصادية، لأن التبعية الثقافية أو الإعلامية تتجه لرهن الإدارة الوطنية عن طريق القرارات القومية والوطنية، وهي من الأمور التي يجب أن تكون مستقلة لكل دولة.

التغريب

التغريب من المفاهيم التي تفسر نفسها؛ حيث يعني الاحتذاء بالدول الغربية كأوروبا والولايات الأمريكية. والتغريب من الأمور الخطيرة التي تحدث للعرب، حيث تسيطر الثقافة الغربية الآن على الثقافة العربية لكي تمحوه. وهناك العديد من الدول الشرقية والعربية التي توجهت إلى الاحتذاء بالثقافة الغربية ونسيان الهوية الأصلية لها بسبب وسائل الغرب التي تبهر عقولهم وهذا هو الهدف من “الغزو الثقافي”.

وسائل الغزو الثقافي

الغزو الثقافي

هناك العديد من الوسائل التي يستخدمها الغزو الثقافي من أجل السيطرة على عقول الناس، مثل:

الإعلام والتغطي

يعتبر هذا النوع من الوسائل الأخطر على الإطلاق، فهو يعتمد على تضليل المشاهد عن طريق تزييف الحقائق مما يترتب عليه تزييف وعيه. وقد أوضح هذا الأمر الدكتور “إدوارد سعيد” في كتابه تغطية الإسلام الذي نشره عام 1982. فيقول إن التضليل الإعلامي والتغطية الأيديولوجية التي تمارسها وسائل الإعلام الغربية -سواء كانت أوروبية أو أمريكية-؛ هدفها هو التضليل على الدين الإسلامي وتصديره كفكر إرهابي.

وهناك العديد من الأمثلة من قضايا التضليل والافتراء على الدين الإسلامي، ووضعه في خانة اليك تحت مسمى “الإرهاب“. والهدف من هذا الأمر هو السيطرة ثقافيًا وفكريًا وتزييف الوعي. ومن أبرز الامتدادات المستخدمة لذلك الأمر هو الاتصالات والمعلوماتية، فهي من الأشياء الأولى التي تسيطر على العقل مباشرة وتجعل احتلاله أمر سهل وتقع جميع هذه الأمور تحت مسمى “الغزو الثقافي”.

العولمة

هناك العديد من التعريفات والمفاهيم التي تندرج تحت مفهوم العولمة. واقترح الدكتور “إسماعيل صبري عبد الله” (وهو رائد من رواد الاقتصاد في مصر) مفهومًا جديدًا للعولمة، حيث شرح العولمة على أنها كوكبة، بمعنى أن العولمة هي نقل شيء من النطاق الوطني للدولة إلى النطاق القومي العالمي، ونظرًا لأن الولايات المتحدة هي المسيطرة عالميًا الآن فتعتبر العولمة “أمركة العالم” كما يطلق عليها.

وبالتأكيد تؤثر العولمة بالسلب على الدول الضعيفة التي تفتقر إلى الاقتصاد والمال، وهي دول العالم الثالث لأنها تعتبر المستهلك للمنتجات الأقل قيمة سواء كانت هذه المنتجات في مجال العلوم أو الاتصالات أو غيرها. وهذا يعني أن الخاسر وغير المستفيد من تطبيق العولمة هو الأضعف إنتاجيًا كما أنه يصبح مستهلكًا مستلب القرار والإدارة.

أهداف الغزو الثقافي

الغزو الثقافي

تتعدد أهداف الغزو الثقافي وأساليبه التي لا نهاية لها، فهو لا يترك مجالًا إلا وضع فيه بصمته، سواء كان مجال التعليم أو الأدب أو وسائل الإعلام والصحافة وغيرها. ومن أهم أهداف الغزو الثقافي هو نشر أفكار مزيفة وغير حقيقية، بالإضافة إلى تحريف الحقائق وإظهارها بمقصد آخر مناسب لخططهم والأهداف التي يرغبون في الوصول لها، أيضًا من أهم أهداف الغزو الثقافي هو ملء العقول الشبابية بأفكار عن الثقافة الغربية والتي تحول بين ثقافتهم ومعتقداتهم الدينية.

كذلك تحاول الدول الغربية شن حملات وغزوات ثقافية ضد الإسلام، وهذا من خلال تشويه التاريخ الإسلامي وتزييف الحقائق ووصف المعارك سابقًا على أنها غزوات واحتلال من قبل المسلمين، وهذا من أجل التقليل من شأن الإسلام ليتخلى عنه أبناؤه. كما يحرص الغزو الثقافي على محاربة اللغة العربية واستبدالها باللغات الأجنبية والاستخفاف بالعادات والتقاليد الشرقية ووصفهم بالتخلف والرجعية، وأخيرًا محاولة جذب انتباه الأجيال الحديثة إلى ملذات غير مفيدة حتى يتسنى لهم السيطرة على عقولهم.

موقف المفكرين والتيارات من الغزو الثقافي

يرى المثقفون والمفكرون العرب أن الغزو الثقافي عبارة عن مؤامرة كبيرة تحيكها دول كبرى في العالم الغربي ضد العالم العربي، ويرون أن هذه المؤامرة سلاح قوي يشبه الصواريخ التي تعبر القارات، فهي تستهدف الاقتصاد والسياسية الخاصة بالأمة العربية، من خلال الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية والقنابل النووية والأسلحة الجرثومية مثل الأوبئة، وعدد لا حصر له من الطرق والأفكار التي تسعى الدول الغربية إلى السيطرة على الدول العربية من خلالها.

موقف التيار الإسلامي من الغزو الثقافي

الغزو الثقافي

يرى التيار الإسلامي أن الغزو الفكري والغزو الثقافي من الصراعات التي بدأت منذ زمن، والهدف منه هو محاربة الدين الإسلامي في كل مكان، ويؤكد التيار الإسلامي على أن فلسفة الدين الإسلامي تشمل جميع وجوه الحياة فهي قدرة إلهية شاملة لكافة النواحي الحياتية، والتي استطاعت الإجابة على كافة الأسئلة التي تخطر على بال الإنسان، ويعتبر أشد الأعداء للإسلام والمسلمين في الوقت الحالي “الغزو الثقافي”، حيث يتمثل في صورة حضارة ظاهرية في العلوم مثل الكهرباء والفسيولوجيا وغيرها، والتي تدرس للإنسان على أنها الحضارة التي بنيت كل هذه الأشياء من حوله.

من هم جيش الغزو الثقافي

مفهوم الجيش هنا لا يقصد به حمل سلاحًا والمحاربة، إنما يقصد به الآف الجامعات والمعاهد والمدارس التي تستثمر في المجال الثقافي. ويعتبر الجيش الأقوى للغزو الفكري والثقافي في العالم هي الولايات المتحدة الأمريكية. واستطاعت أمريكا أن تحصل على 5% من الدخل القومي سنويًا، وعلى الرغم من ذلك هناك عدة دول حاولت التصدي للغزو الثقافي مثل العرب وفرنسا، فقاومت فرنسا الثقافة الأمريكية لأنها لم تجد منفعة منها، والعرب قاموا بالصراخ والاستنجاد بالتراث الإسلامي والثقافة العربية.

وعلى الجانب الآخر يرى المفكر المغربي “كمال عبد اللطيف” (وهو من المثقفين الليبراليين)، أنه إذا صح القول بمؤامرة ثقافية وفكرية على العرب والدين الإسلامي، فإن الغرب “دول المرسل” والعرب والعالم الإسلامي “المرسل إليه” يتحملان المسؤولية بشكل متساوٍ، وليس هناك أي حقوق للعرب للتحدث عن الغزو الثقافي على أنه المسؤول عن تدمير المفاهيم والمعتقدات الخاصة بهم.

نقد الباحثين العرب سلبية الغزو الثقافي

الغزو الثقافي

ينتقد الباحثون المواقف السلبية من الغزو الفكري من جانب الفكر العربي، ويرون أن الموقف السلبي للغزو يتمثل في العديد من الأمور مثل تناول الأدبيات العربية مفهوم الغزو الثقافي على أنه ظاهرة جيدة، أيضًا ميل الأدبيات إلى ترك المناقشات الجدية وإهمالها دون الدخول في تفاصيل مهمة مثل مناقشة تشكل التفوق الأوروبي الغازي، وكيف نشأ، وأخيرًا ميل الأدبيات إلى الاتجاه الرجعي والسفلي للثقافة العربية رغم حسن النية والمقصد؛ إلا أن بعض هذه الأدبيات تطرح بشكل صريح الدعوة إلى معرفة الغزو الثقافي بدون حدود أو مواربة.

وسائل التخلص من الغزو الفكري

هناك العديد من الوسائل التي طرحها المفكرون العرب عام 1965 من خلال مؤتمر الأدباء في بغداد، وانقسمت الآراء إلى قمسين. هما:

القسم الأول لوسائل التخلص من الغزو الفكري

رأى المفكرون في هذا القسم أن أفضل وسيلة للتخلص من الغزو الفكري هي تعديل المناهج التعليمية؛ لأنها الجذور والأسس في إنشاء مجتمع قوي لا يتأثر بالغزو الفكري والثقافي، وكذلك التركيز على تعلم اللغة العربية وتطورها لدى الأطفال منذ الصغر، وإضافة مواد في المنهج الدراسي تحت مسمى “الأخلاق” لشرح أهمية الأخلاق والأمور المترتبة عليها.

وكذلك إنشاء منظمة دولية تقوم بالترجمة بشكل دقيق و تتوخى الحذر حتى لا يتم تصدير أفكار خاطئة للوطن العربي، وأيضًا إنشاء إعلام وصحافة جديرين بالثقة لخدمة الأمة ووضع فلسفة عامة تسعى إلى مراعاة المصلحة الوطنية والمواطنين، وأخيرًا نشر التراث العربي من خلال المؤتمرات الأدبية ليتمكن الشباب من استكشاف جمال التراث العربي الإسلامي.

القسم الثاني لوسائل التخلص من الغزو الفكري

في هذا القسم رأى المفكرون أن الغزو الفكري موجود بالفعل وتتعرض له الأمة العربية الإسلامية بشكل كبير. والتفكير في صد هذا الغزو أمر غير وارد أو صحيح، وإنما الشيء الصحيح لفعله هو مواجهة هذا التحدي؛ لأنه لا يمكننا الانغلاق أو إدارة ظهرنا للحياة، والأمور التي يجب علينا فعلها هي تثقيف عقول الشباب بالأمور الخاصة بنا.

والقراءة والاستماع إلى كل شيء عن الغرب ومناقشة أفكارهم وطرح أفكارنا، إضافة إلى ذلك تعلم الفنون والحضارات وتطويعها لإرادتنا وتقاليدنا وأمور الدين الخاصة بنا، ويجب مناقشة الشباب في جميع الأمور والاقتراحات، وعدم منع شيء سواء في الجامعات أو المعاهد والمدارس، وأخيرًا أن يكون لنا في جميع المجالات حق الانتقاء دون وجود وصي علينا.

حلول للتصدي للغزو الثقافي

على الرغم من انقسام الخبراء إلى فكرين مختلفين في علاج الغزو الثقافي والتصدي له، إلا أن هناك بعض الباحثين الذين يرون حلولًا أخرى مثل موازنة الهوية والمعاصرة بأسلوب جيد، وتحقيق التجاوب بين اللون الغربي والقومي العربي، والموازنة بين المستوى النوعي والاتصال والتصدي للغزو الموجود بشكل مباشر في بعض الدول العربية والإسلامية خاصة “مصر وفلسطين ولبنان”، ووضع حل وتصور عام لأساس مواجهة الغزو الثقافي في جميع الدول العربية والإسلامية.

التصدي للغزو الثقافي بالتكاتف العاطفي

الغزو الثقافي

هذا النوع من التصدي للغزو الثقافي من أهم الحلول. وعلى الرغم من وجود تشابه بينه وبين القسم الأول من وسائل التخلص من الغزو الثقافي إلا أنه يوجد اختلافات بينهما. وسبل التصدي للغزو الثقافي هي زيادة وعي الشباب عن طريق جعلهم ينتمون إلى وطنهم وحث الولاء بداخلهم، إضافة إلى التحدث عن أهمية التاريخ والتراث والثقافة العربية والإسلامية بشكل معتدل.

وتربية العقول تربية صحيحة وإسلامية تشجعهم على التفكير والإبداع بعيدًا عن الأمور التي يتلقونها من الغرب، وإيقاظ وعي الشباب من خلال تذكيرهم بدينهم وحثهم على محاربة الأفكار الهدامة للتاريخ الإسلامي، وتقديم الدعم الفكري للأجيال الحالية والقادمة من خلال تربيتهم على أساس حماية ذاتهم من الضعف والاستغلال الغربي الذي يحاول هدم أفكارهم.

أسباب نجاح الغزو الثقافي في الدول الإسلامية

الغزو الثقافي نجح في استدراج بعض الشباب عن طريق اقناعهم بالثقافة الغربية ومحاولة إيهامهم بأن الثقافة العربية أصبحت قديمة وأن الدين الإسلامي لم يصبح كما كان فمن بعد عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين تحرف الإسلام، ومن خلال هذه الأفكار يمكنهم السيطرة على عقولهم بسهولة.

ومن أسباب نجاح الغزو الثقافي في الدول الإسلامية هو عدم تمسك المسلمين بالدين، وعدم فهمه ومعرفته بشكل أعمق، وتقصير العلماء والشيوخ في شرح مميزات الحضارة الإسلامية والثقافة العربية، وكذلك عدم إبراز وإظهار أسرار الدين في الصبر والصدق والأمانة وتحمل الأذى مثلما كان يفعل رسول الله والصحابة -رضي الله عنهم-، وبسبب هذه الأمور حدثت الفرقة والاختلافات، والتبس الأمر على المسلمين بسبب جهلهم للأحكام الشرعية والشريعة الإسلامية.

474

الكاتب

شيماء سعد

كاتبة محتوى حصري منذ 2017م، حاصلة على بكالوريوس تجارة، أحب القراءة، الكتابة، والسفر.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.