من يتأمّل في التاريخ الإسلامي يجد الكثير من النماذج والقدوات التي تثبّت فؤاده وتنير بصيرته. ففي ظلّ ما تواجهه الأمّة اليوم من انكباب أعدائها عليها وانسحاق أبنائها أمام الغزو العسكري والفكري القادم من الكفّار والمنافقين، وفي ظلّ التشريد والتهجير الحاصل في بلداننا، تحوّل بعضهم إمّا إلى الإلحاد وإمّا إلى التشدد وإمّا تصوّفوا فاعتزلوا الدنيا والحياة كلّها.

وبعضهم قد استسلم وأخلدَ إلى الأرض ورضي من الحياة الدنيا أكلَ العيش والنوم، فانسحق أمام الثقافة الغالبة وخسر قدرتُه على المقاومة، بل إنّ بعضهم تعدّى ذلك ليُنظّر علينا أنّ هذا قدر الله ومشيئته وعلينا أن نستسلم لهؤلاء ونتحمّل الأمر الواقع! وكل هذه النماذج لا حجّة لها أمام الله إذا ما وقفت أمام نموذج أنس بن النضر رضي الله عنه.

ولقد اخترنا بالتحديد نموذج أنس بن النضر رضي الله عنه لنستعرضه في هذه القضية لقربه أو سهولة الشعور به، فالأحاديث الواردة في إيمان أبي بكر وأنّ إيمانه ليرجح بالأمّة كلّها، ثم تلك الواردة في عمر وأنّه لو كان نبيٌ بعدَ رسول الله لكانَ عمر، وأنّ خالدًا بن الوليد لهو سيفُ الله المسلول، وأنّ أمين هذه الأمّة هو عبيدة بن الجرّاح.. كل هذه الفضائل والمحاسن الخاصّة بهؤلاء قد تُقنط المؤمن من الوصول إليهم أو التشبّه بهم، وهو خطأٌ يعمْ عموم الناس فالمسلم مأمورٌ بالاتباع والمجاهدة على كل حال، وهو مُبشّرٌ وفق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّ القابض على الجمر له أجر خمسين من الصحابة. ومع ذلك قد يضعف الناس عن التشبّه بالصحابة بتلك الحجج.. فيأتي هذا النموذج لينسفها جلّها أو كلّها.

هذا الصحابي الجليل لم يكن له الكثير من المواقف السابقة في الإسلام، حيث لم يكن بصدّيقية أبي بكر ولا قوّة عمر. وما كان من العشرة المبشّرين بالجنّة ولا وجهًا بارزًا من وجوه الصحابة.. بل كان من عموم الناس وأبسطهم، غير معروفٍ لدى الكثيرين. أنس بن النضر الذي نتحدّث عنه هو عمّ أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله. أسلم بعد فترةٍ وجيزة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكّة إلى المدينة.

لا يوجد الكثير من المعلومات عن حياة أنس بن النضر قبل ذلك، حيث لم يكن شخصيةً معروفة ولا اهتم أحدٌ بتدوين شيءٍ عنه، لكن له موقف خالد في تاريخ الإسلام، حريٌ بالأجيال أن تتدارسه وتفهمه وتتدبّره الواحد تلو الآخر، ألا وهو موقفه يوم غزوة أحد.

أنس بن النضر في غزوة أحد

غاب أنس بن النضر رضي الله عن غزوة بدر، فلم يحضرها. وليس هذا مما يطعن فيه فإنّ كثيرًا من الصحابة الكبار قد غابوا عنها أيضًا، حيث لم يدعُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليها أحدًا، ولا نادى منادٍ بكل الناس أن يحشدوا إليها.. بل جاء إليها فقط من “كان ظهره حاضرًا” يومئذٍ [1].

فلمّا جاء يوم غزوة أحد، وأراد المسلمون الخروج إلى ملاقاة العدو، جاء أنس بن النضر رضي الله عنه وقال لرسول الله:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، غِبْتُ عن أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. [2].

ترى هنا كيف أنّه كان مُتألمًا لعدم خروجه في أول قتالٍ للمسلمين ضد المشركين، وإنّ الواحدَ ليعجب من قوله ورباطة جأشه أن يحلف بالله أنّ الله سيرى جميل صنعه يومئذٍ.. وهو لم يكن يعرف ما ينتظره وبقية الصحابة ذاك اليوم.

فبعد أن نزل الرُماة من على الجبل وتركوا مواقعهم مكشوفة، وبعد أن هجمَ خالدٌ بن الوليد عليهم من جديد إلى آخر القصّة المعروفة.. شاع نبأ مقتل رسول الله.

لا يشعر المرء عندما يجلس من وراء هذه الشاشات ويقرأ هذه الكلمات بشعور أولئك الصحابة عندما يأتيهم الخبر، فتخيل أنّك مع رسول الله تخرج لملاقاة العدو، ثم يترك أحدهم مكانه فيهجم العدو عليكم منه من كل حدبٍ وصوب، فترى الصحابة يسقطون الواحد تلو الآخر، وبعضهم يفر، وبعضهم يتراجع.. ثم فجأة تسمع أن رسول الله، قائد المعركة، ومن قال أنّه آخرٌ نبي للبشرية.. فجأة قد قُتِل. ولا تعلم، هل الخبر صحيح؟ وهل اكتمل الدين هنا أم انتهى؟ وماذا يجب عليك كجندي أن تفعله حينها؟ هل نتراجع للمدينة ونترك جثّة الرسول أينما كانت تكون؟ أم نقاتل إلى الموت..؟

أم هل تراودك الظنون بالله، أم برسول الله وأنّ شيئًا مما أنتَ عليه باطل؟ إن الكلمات لتعجز عن وصف ذاك الشعور، ولن يعلم أحدٌ به إلّا من رأى ذاك الحدث رؤيا العين وأحسّ بقلبه بشاعة المنظر.

ولقد وصف الله تعالى موقف بعضهم يوم أحد:

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} – آل عمران.

ثبات أسطوري

أنس بن النضر أنس بن النضر وثباته يوم أحد.. حجّة لله على خلقه ليوم القيامة! 3

هنا يأتي دور بطل قصّتنا.. أنس بن النضر رضي الله عنه. حيث يقول الحديث:

انْتَهَى أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، قَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ فَقَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ فَقُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ [3].

هذا هو جوهر القضية ولبّها، هل يمكنك أن تتخيل عمر بن الخطاب، عملاق الإسلام، وهو قاعدٌ على الأرض لا يلوي على شيء، ثم طلحة بن عبيد الله.. أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ثم مجموعة كبيرة من الصحابة الآخرين.. كلّهم قاعدون لا يدرون ما يصنعون قد أخذهم الخبر كالصاعقة.. ثم يأتيك أنس بن النضر، الذي لم يكن لديهٌ رصيدٌ من مواقف سابقة كهؤلاء ولا أعمالٌ سابقة كغيره، بل لربّما لم يعرفه أحدٌ أصلًا، فيقف ويقول: “ما أقعدكم بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه”!

أيُّ إيمان ذاك الذي رسخ في قلبه، إلى درجة أن يسمع خبر مقتل قائده ورسول هذا الدين، ثم مع ذلك، لا يستسلم ولا يضعف ولا يجبن ولا يبدّل دينه ولا تأخذه الظنون لا بالله ولا برسول الله؟ أي إيمانٍ ذاك الذي ملأ كلّ ذرّةٍ في جسده، لدرجة ألّا يزعزعه ذاك الخبر ويخرجه عن كيانه قيد أنملة؟ أي يقينٍ ذاك بأنّ ما نحن عليه هو الحقّ الخالص الذي لا حقّ بعده، وأنّه لا شيء في الدنيا إلّا أن يموت المرء على ما مات عليه رسول الله؟

ولقد كان يسعه وهو من صغار الصحابة أن يتحجج ويقول: “هذا عمر.. وهذا طلحة.. وهذا سعد.. وفلان وفلان، كلهم جالسون لا يعرفون ماذا يصنعون، أفأكون أنا أفضل منهم فأصنع خيرًا مما صنعوا”؟ ولم يكن أحدٌ ليلومه أو يعيبَ عليه صنيعه إن فعل، لكن هذا هو حال الإيمان إن رسخَ في القلوب، لا يبالي بالآخرين بل يواجه الدنيا وإن كان وحده.

ثمّ إنك إن تأمّلت كيف أنّه قد ثبت في ذاك الموقف بينما لم يثبت غيره من كبار الصحابة، عرفتَ كيف أنّ إيمان القلوب وإن كان عمل الجوارح صغيرًا، وإن كان المرء غير معروفٍ من جملة الصدّيقين والأبرار.. قد يكفي شرّ نازلةٍ كتلك ويعصم روحًا من الزلل.

لم يكتفي بذلك، بل يخرجُ بعدها فيقول:

اللَّهُمُّ إِنِّي أعَتْذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ، يَعْنِي: الْمُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلاءِ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: أَيْ سَعْدٌ، هَذِهِ الْجَنَّةُ، وَرَبِّ أَنَسٍ أَجِدُ رِيحَهَا دُونَ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: فَمَا اسْتَطَعْتُ مَا صَنَعَ، فَقَاتَلَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسِيْفٍ، أَوْ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ، وَمَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ إِلا بِبُنَانِهِ [2].

من كرامته على الله.. جعله الله يشمّ ريح الجنّة قبل أن يدخلها في الحياة الدنيا. ويعترفُ سعدٌ بن معاذ، وهو الذي اهتزّ عرش الله جلاله يومَ وفاته.. أنّه لم يستطع فعل ما صنع هذا الصحابي الكريم. ثم استشهد رضي الله عنه وفيه بضعٌ وثمانون ضربةً في جسده، بعد أن أبرّ قسمه على الله وأوفى به.

ويقول عنه أنس بن مالك:

وَكُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِي أَشْبَاهِهِ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [2].

رسالة إلى مسلمي اليوم، بل كل مسلمي الزمان

إنّ هذا الرجل لهو حجةٌ لله على خلقه إلى يوم القيامة.

إنّ مسلمي اليوم يتحججون بانسلاخهم عن دينهم وأخلاقهم بأن الثقافة الغالبة اليوم هي ثقافة الغرب، ولذلك علينا أن نعتنقها من أجل أن نركب في “ركب الحضارة” ونصير مع بقية الأمم في صفٍ واحد! إنّهم يتحججون أننا اليوم ملاحقون مطاردون لا يهنأ لنا بال إن آمنا حقًا بديننا وعملنا من أجله، ولذلك يحق لهم أن يخلدوا إلى الأرض ويستسلموا.. لكن أنس يُكذّبهم!

فلا مصيبة أعظم في تاريخ الإسلام والمسلمين من وفاة رسول الله، فإذا كان هذا هو صنيع الرجل يوم أن انتشر خبر مقتله (المزعوم) يوم أحد، فلا حجّة لأحدٍ بعده أن يقول أصابني كذا وكذا.. فلم أعد أطيق شيئًا في سبيل الله!

أولئك الذين ظنّوا أن ثورات شعوبهم في اليمن وسوريا وليبيا ومصر وغيرها قد خسرت. فاستسلموا وانهاروا واعتقدوا أنّ دين الله قد انهزم.. قد وقعوا في غاية الإخطاء والغفلة. أولئك الذين علّقوا دينهم على حرفٍ إن أصابهم.. لم يدخل الإيمان قلبهم فعلًا كما دخل قلب أنس.

682

المصادر
الكاتب

محمد خطيب

كاتب ومدون في موقع تبيان، ومُتخصص في الهندسة المعلوماتية. أرجو أن يكون كل حرفٍ أكتبه حسنة تُحسب لي في هداية خلق الله.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.