من حصار مكة إلى فتح خيبر: قراءة نبوية لمسيرة المقاومة الفلسطينية

ما يحدث في فلسطين ليس مجرد مقاومة… وما يجري في غزة ليس مجرد معركة. إنها لحظة من لحظات الاصطفاء التاريخي، يُختبر فيها صدق الثوابت، وتُكشَف فيها زيف التحالفات، ويُعاد فيها رسمُ خرائط المنطقة لا بالحبر ولا بالخطابات، بل بالدماء والصبر والمعرفة.

ورغم أنّ سُحب الإعلام تمطر علينا سيلًا من الإحصاءات والأشلاء، إلا أنَّ قلوبَ المؤمنين لا تنظر إلى الصور بعيون المتفرجين، بل تقرأ المشهد كمن يتذكّر، لا كمن يكتشف. ليس هذا أول حصار… وليست هذه أول خيانة… وليست هذه الدماء الطاهرة النقيّة أول دماء تُسال على بوابة مدينة ننتظر فتحها.

لقد مررنا بهذا الطريق من قبل. خطاه رجل كان يحمل الوحي، وسار فيه رجال تركوا خلفهم كل شيء لتكون كلمة الله هي العليا. وفي ظلال ذلك المسار النبوي، كتب الله سننًا لا تتبدل، وربط الأسباب بمسبباتها، وأخفى النصر في طيّات الحكمة لا في ضجيج اللحظة.

دعنا نقرأ معًا السيرة، لا لنُسلّي أنفسنا في زمن الألم، بل لنستخرج منها ما يمكن أن يغيّر مجرى الأحداث، إن نحن أحسنا الفهم وأخلصنا النية. سنرى كيف أنّ كل منعطف مرّ به النبي ﷺ، قد ترك وراءه ضوءًا يدلّنا على طريق النصر. ونكتشف كيف أنّ المقاومة في فلسطين -بكل فصائلها وجراحها وتضحياتها- لم تكن في فراغ، بل كانت تسير على طريقٍ يُشبه طريق النبوة… وإن اختلفت التضاريس.

هذا المقال ليس للتاريخ… بل للمستقبل.

الحصار… ليس دائمًا البداية

حصار غزة

من السهل أن يُسقِط البعض حصار غزة الحالي على حصار الشِعب في مكة، لكنّ مثل هذا الإسقاط يُبسّط التاريخ ويُشوّه الواقع. حصار مكة كان في بدايات الدعوة، قبل قيام الدولة، حين لم يكن للمسلمين جيش ولا موطئ قدم ثابت، بينما غزة اليوم تُمثّل كيانًا صلبًا، له مشروع واضح، وسلاح نوعي، وامتداد إقليمي لا يُستهان به.

ثم إنّ حصار اليوم، رغم فظاعته،  ليس الأول من نوعه ولا حتى حصار 2006، بل تعرّضت غزّة لسلسلة من الحصارات منذ نكبة 1948، واجتياح 1956، واحتلال 1967، واستمر الحصار بأشكال متعددة طوال عقود. لذلك؛ فإن المرحلة التي تشبه حصار الشعب، هي تلك التي سبقت نشوء المقاومة المنظمة، قبل أن تتبلور الفصائل، وتتشكل بنية المشروع المقاوم كما نعرفه اليوم.

أمّا ما نراه في غزة الآن فأشبه بمراحل ما بعد تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، حين أصبح للنبي ﷺ سلطة سياسية ونفوذ عسكري وتحالفات إقليمية تحمي الظهر وتُعزّز المسار. لقد تجاوزت غزة، ومعها مشروع المقاومة، مرحلة البدايات منذ زمن.

نحن أمام كيان محاصر نعم، لكنه لم يعد في موقع ردّ الفعل فقط، بل يملك القدرة على المبادرة، ويُعيد تشكيل المعادلات. وباختصار: لم يعد الحصار في فلسطين إشارة إلى الضعف، بل إلى عناد المشروع الصهيوني في مواجهة حقيقة أنّ عدوّه لم يعد جماعة… بل دولة قيد الترسيم، وشوكة يصعب اقتلاعها.

من العقبة إلى الانتفاضة… البيعة تتجدد

في لحظةٍ مفصلية من عمر الدعوة، تجاوز النبي ﷺ حالة الحصار والملاحقة، فمدّ بصره إلى خارج مكة باحثًا عن موطن جديد تُزرع فيه بذور الدولة. فجاء اللقاء التاريخي في العقبة، حيث بايعه نخبة من أهل يثرب، لا على الإسلام فقط، بل على الحماية والنصرة والجهاد.

كانت بيعة العقبة إعلانًا خفيًا بنقل المشروع الإسلامي من طور الدعوة إلى طور التمكين. ولم تكن بيعة العقبة مجرد موقف فردي عاطفي، بل اتفاقًا سياسيًا مكتمل الأركان: أرضٌ آمنة، ورجال يحملون السلاح، وعهدٌ على الطاعة، واستعدادٌ للمواجهة. ومن رحم هذه البيعة وُلدت دولة المدينة.

وعبر العقود، شهدت فلسطين محطات تشبه في معناها تلك البيعة النبوية، حين انتقلت المقاومة من مجرد حالة غضب شعبي إلى مشروع تحرر واضح المعالم.

كانت الانتفاضة الأولى (1987) بمثابة لحظة الانعطاف الكبرى، حيث خرجت فلسطين من أسر الجمود السياسي إلى شوارع الغضب والدم، وكانت ولادة حقيقية لحركات المقاومة الإسلامية، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي، إلى جانب تطور جديد في خطاب فصائل منظمة التحرير.

ثم جاءت الانتفاضة الثانية (2000) لتؤكد أن البيعة الشعبية للمقاومة لا تزال تتجدّد، هذه المرة بالدم والسلاح والعمليات الاستشهادية. وهنا لم تعد فصائل المقاومة جماعات معزولة، بل حركة شعبية مؤسَّسة، تحمل مشروعًا، وتُعيد تعريف العلاقة مع الاحتلال: لا تفاوض تحت النار، ولا سلام يُفرض تحت البندقية.

البيعة في السيرة كانت نقطة تحوّل نحو إقامة الدولة، والانتفاضات الفلسطينية -رغم اختلاف ظروفها- جسّدت الروح ذاتها: لحظة إجماع شعبي على خيار المواجهة، مهما كانت التضحيات.

ولأنّ البيعة لا تصحّ إلا مع الاستعداد لتحمّل تبعاتها، فقد تبعتها الهجرة في السيرة، وتبعتها سنوات من الحصار والمعارك في غزة… وكلتاهما كانت تمهيدًا للدولة، لا تراجعًا عنها.

الهجرة… ليست فرارًا من المعركة بل انتقالًا إليها

الهجرة

حين هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، لم يكن فارًا من بطش قريش وفقط، بل كان يتحرّك بوعي سياسي واستراتيجي، ينتقل فيه المشروع الإسلامي من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمركز. فالهجرة لم تكن هروبًا، بل تحوّلًا مدروسًا في موقع المواجهة.

في المدينة، بدأ التأسيس: بناء الدولة، تشكيل الجبهة الداخلية، صياغة العقود الاجتماعية مع مكونات المدينة، إعداد الجيش، ترسيخ قواعد الحكم النبوي. لقد دخل الإسلام طور السيادة، رغم تواضع الإمكانات. وهذا المعنى العميق للهجرة لا بد أن نُعيد فهمه عند النظر إلى ما جرى في غزة.

فحين وصلت حركة حماس إلى الحكم عام 2006، ثم فُرض عليها حصار خانق بعد ذلك، ظنّ كثيرون أنّ المشروع المقاوم قد دخل نفقًا مظلمًا. لكن ما حدث فعليًا كان أشبه ما يكون بتحوّل الهجرة: تأسيس لقاعدة صلبة، وسط حصار مطبق، لا على الهامش بل في قلب الأرض المحتلة.

ومنذ تلك اللحظة، باتت غزة أشبه بالمدينة النبوية في السنوات الأولى. مدينةٌ محاصَرة، مهدَّدة من الخارج، لكنها تبني ذاتها من الداخل، وتعيد ترتيب أولوياتها على مهل، وسط عاصفة من المؤامرات والخنق الممنهج.

ومثلما لم تُعلن المدينة استسلامها تحت الضغط، لم تُفرّط غزة في مشروعها، بل أعادت صياغته بوعي سياسي مرن، ومراكمة مستمرة للقوة. لسنا هنا لنفرق بين فصيل وآخر، فكل جهة قاتلت على طريقتها، وساهمت في حماية هذا المشروع المحاصر من التآكل أو السقوط.

الهجرة لم تكن انسحابًا… بل تأسيسًا. وغزة لم تكن عُزلة… بل جبهة متقدمة. ومن استوعب معنى الهجرة النبوية، أدرك أنّ التحوّلات الكبرى تبدأ من مواقع تبدو في ظاهرها مُحاصرة، لكنها في باطنها مراكز انطلاق لمعارك أكبر.

الغزوات… حين يكون السيف حارسًا للبناء

حين استقر النبي ﷺ في المدينة، لم يُلقِ سلاحه، ولم ينتظر أن يأتي الخطر إلى بابه. بل بدأ مرحلة جديدة في إدارة الصراع: مرحلة تُبنى فيها الدولة وتُحمى في الوقت نفسه. فالغزوات لم تكن نزوات حرب، بل سياجًا يحمي مشروع التوحيد من السقوط قبل اكتماله:

  • غزوة بدر: لم تكن مجرد انتقام، بل ضرورة لردع العدو وإثبات الحضور.
  • أحد: كانت اختبارًا للصف الداخلي.
  • الخندق: أثبتت أنّ الحصار قد يتحوّل إلى نقطة قوة إن أحسنّا التحصين.

وما بين كل غزوة وأخرى، كان البناء مستمرًّا: تشريعٌ، وتعليم، وإعداد.

وهذا تمامًا ما فعلته المقاومة الفلسطينية في العقود الماضية. فمنذ بداية الانتفاضة، والمشروع المقاوم يتحرك على مسارين متوازيين: السلاح والعقل. فلم تكن العمليات الاستشهادية لحظة انفعال، بل جزءًا من معادلة ردع أرادت أن تُعلّم الاحتلال ثمن بقائه. ثم جاءت مراحل أكثر تنظيمًا:

  • معركة الفرقان (2008): أعادت تعريف مفهوم الصمود.
  • حرب (2012): أثبتت تطور السلاح المقاوم.
  • العصف المأكول (2014): كانت بدرًا جديدة، حين كُسر التفوّق الجوي الصهيوني لأول مرة، وخرجت غزة من الحرب واقفة، على الرغم من الحصار والنار.

ولم تكن حماس وحدها هناك، شاركتها سرايا القدس، وكتائب أبو علي مصطفى، وألوية الناصر صلاح الدين، وكتائب الأقصى، وغيرهم من أبناء فلسطين الذين قاتلوا دون رايات حزبية، بل تحت لواء الوطن والمبدأ. ثم توالت المعارك:

  • سيف القدس (2021): تجاوزت حدود غزة فلم تُدافع فيها غزة عن نفسها فقط، بل عن القدس والأقصى.
  • طوفان الأقصى (2023): تجاوزت فيها المقاومة الدفاع إلى المبادرة، والردع إلى الإنزال، فاهتزّ كيان العدو كله، سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا.

وهكذا، كما كانت غزوات النبي ﷺ حافظةً للدولة، رافعةً لمعنويات الأمة، كاشفةً لنفاق المنافقين، كانت معارك المقاومة الفلسطينية حارسةً للهوية، ومُربِكةً لحسابات العدو، ومُؤكدةً أن هذا الشعب لم يُخلق لينكسر.

في السيرة، لم يكن السيف غاية؛ بل وسيلة لحماية المسيرة. وفي فلسطين، لم يكن القتال مشروعًا منفصلًا؛ بل ركنًا من مشروع التحرير الكامل، لا يُمكن عزله عن البناء السياسي والإداري والاجتماعي، حتى تحت النار.

الحديبية… حين اعترف العدو بالدولة

ربما لم تهزّ غزوةٌ وجدان الصحابة كما فعل صلح الحديبية. كان ظاهرُهُ تنازلًا، وكان وقعه في النفوس كالغُصّة. فالجيش عاد من أطراف مكة دون عمرة، والبنود في ظاهرها تُجامل قريش، وتُقيد حرية المسلمين. حتى عمر رضي الله عنه لم يحتملها، وقال للنبي ﷺ: “ألسنا على الحق؟”. لكنّ الفتح لم يكن دائمًا بالسيف، والنصر لا يُقاس فقط بمشاعر اللحظة. 

الحديبية، في جوهرها، كانت إعلانًا رسميًا بأن دولة الإسلام قد أصبحت رقمًا سياسيًا. لقد جلست قريش -رغم عدائها وتكبّرها- على طاولة مفاوضات، لا مع “رجل مطارد”، بل مع “رئيس دولة”. فكان هذا إقراراً منهم بأنّ المدينة لم تعد ظاهرة صوتية، بل كيانًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.

وهذا المعنى، بكل عمقه السياسي، نجده يتكرّر أمام أعيننا في فلسطين، ولكن بطريقة معكوسة… تُرغم العدو على الاعتراف دون أن نطلب. لقد ظنّ الاحتلال، ومعه حلفاؤه، أنّ حصار غزة سيكسر شوكة المقاومة. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: تحوّلت غزة إلى لاعب إقليمي، يُحسب له ألف حساب، وتحوّلت المقاومة إلى عنوانٍ دبلوماسي حاضر، وإن لم يُعلن رسميًا. ليس لأنها تطلب الشرعية الدولية، بل لأنّ حضورها فرض نفسه بالدم والسلاح والوقت. فمنذ طوفان الأقصى، بدأ كثير من الساسة في الغرب يتحدثون عن ضرورة التفاوض مع الفصائل لا حبًا لها، بل اعترافًا بواقع لا يمكن شطبه.

الحديبية لم تكن اعترافًا دينيًا بل سياسيًا. وكذلك اليوم، حين يخرج العدو مضطرًا للحديث عن “اتفاقات وقف إطلاق نار”، و”ضمانات دولية”، ويبحث عن وسطاء يفتحون له بوابة الجنوب، فهو يعترف -دون أن يقول- بأنّ ما في غزة ليس مجرد فصيل، بل كيانٌ قائم، يُفاوض ويُهدّد، ويملك أوراق القوة.

ولأنّ الحديبية كانت تمهيدًا لفتح مكة، فربما تكون معركة الرواية الجارية الآن -حيث تتكسر الرواية الصهيونية أمام عدسات العالم- هي النسخة المعاصرة من هذا الاتفاق التاريخي. فالاحتلال لم يعد قادرًا على إقناع أحد بعدالة قضيته. العالم بدأ يرى بعيونه، لا بعيون إعلامه. وفي ذلك وحده، إعلانٌ سياسيّ ضمنيّ بأنّ الكيان الصهيوني بدأ يفقد شرعيته الرمزية… كما فقدت قريش هيبتها بعد الحديبية.

الحديبية لم تكن النهاية، كانت النقلة الأخيرة قبل الفتح. وغزة -إن بقي صبرها وبصيرتها- تُعيد رسم المشهد، بندًا بندًا، خطوة بخطوة… حتى يُكتب لها ما كُتب للمدينة من قبل بإذن الله.

خيبر… حين ضُرب الرأس الأخير للغدر

اقتحام غلاف غزة

لم تكن خيبر مجرد معركة، بل كانت ضربة في خاصرة المشروع اليهودي داخل الجزيرة العربية. فبعد أن كُشفت خيانة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، لم يعد بالإمكان ترك خيبر تتحرك بحرية، تموّل الحرب، وتُنسّق المؤامرات، وتُراسل الأعداء.

في خيبر، اجتمعت القوة العسكرية بالدهاء السياسي. ضُربت القلعة لحسم المعركة مع آخر مراكز التأثير اليهودي في الداخل، ولتحصين المدينة من الطعنات القادمة من الخلف.

وغزة اليوم، إن كانت تُشبه المدينة في تحصينها ووعيها، فهي تقترب شيئًا فشيئًا من لحظة خيبر. فالمعركة الأخيرة -طوفان الأقصى- لم تكن عملية حدودية، بل إشارة إلى أنّ الرأس المُخطّط، لا اليد المنفذة فقط، بات هدفًا مشروعًا. فلم يعد الحديث يدور فقط حول المستوطنين أو جنود الاحتلال، بل حول غرف التنسيق، وضباط الاستخبارات، وشبكات المال والسلاح الداعمة للكيان من الخارج.

وإذا كانت خيبر قد أسقطت الهيبة السياسية والاقتصادية ليهود الجزيرة، فربما نكون اليوم على أبواب مرحلة تضرب النفوذ الصهيوني لا داخل الأرض المحتلة فقط، بل في امتداداته الإقليمية والدولية.

خيبر كانت إعلان نهاية نفوذ… لا نهاية وجود. وغزة تتجه صوب الإعلان ذاته، بخطى ثابتة، وعينها على الرأس لا الذيل.

الخاتمة: من خيبر إلى الفتح… الخطوة الأخيرة

ليست السيرة النبوية قصصًا للتأمل، بل دروسًا للتحرّك. وما بين حصار مكة وفتح خيبر، رسم النبي ﷺ طريق النصر خطوة بخطوة، بثبات لا يعرف الانفعال، وببصيرة لا تُخدع بزيف اللحظة.

وغزة اليوم -بصبرها، وثبات رجالها، وذكاء مشروعها- تكتب فصلًا جديدًا من هذه السيرة… لا في كتب التاريخ، بل على أرضٍ مقدسة، تُنبت نصرًا يليق بخاتمة الرسالات.

وإذا كانت مكة قد فُتحت بعد الحديبية، فإن تحرير القدس أقرب مما نتصور، {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

علي جاد المولى

كاتب مصري ومهندس نظم مقيم في تونس، حاصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة الأزهر، وشهادة… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى