حقوق المرأة نحوَ ذويها

المقصودُ [1] بذويها منْ كانوا غيرَ الأبِ والأمّ من الأرحام. وهم: الجدُّ والجدَّة؛ فهما بمنزلة الأب والأمِّ العاليين، سواءً كانوا أجدادَ الأبِ أو الأمِّ، فهمْ جميعًا، من حيثُ واجبِ البرّ إليهم؛ سواءً. وإن كان هناك اختلافٌ فمن حيثُ الميراث في بعض الأحيان. ثمَّ الإخوةُ والأخواتُ والأعمامُ والعمّات، والأخوالُ والخالات. ثمَّ أبناءُ الإخوةِ والأخوات. ثمَّ أبناء الأعمام والعمّات وأبناءُ الأخوالِ والخالاتِ.

فكلُّ هؤلاءِ لهم على البنتِ حقوقٌ تتفاوت بتفاوت درجة القرابة، لكنَّها حقوقٌ يُؤكِّدها جميعًا ضرورةُ البرِّ بهم. إنّ الإسلامَ في كثيرٍ من نصوصه يقيم الجدُّ والجدّةُ مقامَ الوالدِ والوالدة. ويقيمُ العمُّ والعمّةُ والخال والخالة بنفس المقام.

حقوقُ البنت على ذويها[2]

من حقِّ المرأة بنتًا أو أختًا على كلِّ هؤلاء الذين ذكرنا؛ البرُّ الذي تحدّثنا عن الوالدين، وضرورةُ برّهما بأبنائهما. ويدخل في هذا البرّ الرِّعاية والاهتمام والحبُّ، والحرص على كلِّ ما يصلح البنتَ في دينِها ودنياها كذلك، وذلك هو التَّكافلُ والتَّناصر والتَّعاون في جلب المصالحِ ودرءِ المضارِّ، والإسلام فيه سباقٌ، لا يلحقه فيه منهجٌ أو نظامٌ.

هذا البرّ الذي هو من حقّ المرأة بنتًا وأختًا على ذويها؛ يتراوح بين واجبٍ ومندوبٍ، واجبٍ على الوالدين ومنْ كان في حكمهما في وجوب النَّفقة، ومندوبٍ مستحبٍّ بالنِّسبةِ لغير الوالدين بعد موتهما[3].

روى الدَّارميُّ بسنده عن مسروقٍ عن عبد الله قال: “الخالة بمنزلة الأمِّ والعمّة بمنزلة الأب، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، وكلُّ ذي رحمٍ بمنزلة رحمه التي يدلى بها، إذا لم يكن وارثٌ ذو قرابة”[4]. وهذا الحكم في الميراث فما بالنا في غيره؟

وروى أيضًا بسنده عن أمّ المؤمنين عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: “اللهُ ورسولُه مولى منْ لا مولًى له، والخالُ وارثُ من لا وارثَ له”[5].

وروى الإمام مالكٌ بسنده عن عائشةَ -رضي الله عنها- أنَّها قالت: جاء عمِّي من الرِّضاعةِ يستأذن عليَّ. فأبيت أنْ آذن له عليَّ حتَّى أسأل رسول الله عن ذلك، فجاء رسولُ الله فسألُته عن ذلك فقال: “إنَّه عمَّكِ فأذني له”. قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّما أرضعَتْني المرأةُ ولم يرضْعني الرَّجل، فقال: “إنَّه عمُّك فليلجُ عليكِ” قالت عائشة: وذلك بعد ما ضربَ علينا الحجاب، وقالت عائشة: “يحرم من الرَّضاعةِ ما يحرم من الولادة”[6].

وروى الإمام البخاري بسندِه عن البراء -رضي الله عنه- قال: اعتمرَ رسول الله ….. الحديث، وفي نهايته قوله : “الخالةُ بمنزلة الأمِّ”[7] بعد أنْ قضى رسول الله في ابنةِ عمِّه حمزةَ بن عبدِ المطَّلب -وكان قد تنازع في ولايتها ورعايتها أكثر من واحدٍ بعد استشهادِ أبيها عليه رضوانُ اللهِ- لخالتِها. وكانت تحت جعفر بن أبي طالبٍ -رضي الله عنهم جميعًا-“.

هذهِ القراباتُ اللاصقة للبنت أو غير اللاصقة جعلها الإسلام علاقات موجبة للبرّ بالمرأة بنتًا أو أختًا، وموجبة للرحمة والحنان وحسن الرعاية وجوبًا أو ندبًا.

ومن هنا ندرك أنَّ الإسلام نظر إلى المرأة بنتًا أو أختًا؛ فلمْ يقبلْ أن يضيعَ شيءٌ من حقوقها، فضلًا عن أن تضيع هي نفسُها في تيارات الإهمال والسلبيَّة أو النُّكران والجحود، إنّها صاحبة حقٍّ على هؤلاء، مندوبٌ إليه في حياةِ والديها وواجبٌ بعد موتهما على الأقرب فالأقرب، فهل هناك مكانةٌ أحسن وآمنُ من تلكَ المكانة؟[8]

المصادر

  1. محمود، علي عبد الحليم، المرأة المسلمة وفقه الدعوة إلى الله، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، الطبعة الثالثة، 1413هـ/ 1992م.صـ81- 87 بتصرف.
  2. محمود، علي عبدالحليم، المرأة المسلمة وفقه الدعوة إلى الله، ص95.
  3. المرجع السابق.
  4. الإمام الدارمي: في مسنده: 2/367، دار إحياء السنة النبوية، دون تاريخ، إسناده حَسن.
  5. رواه الترمذي، كتاب: الفرائض عن رسول الله ﷺ، باب: ما جاء في ميراث الخال، حديث رقم (2103).
  6. رواه مسلم، كتاب: الرضاع، باب: تحريم الرضاعة من ماء الفحل، حديث رقم 5 (1445).
  7. رواه البخاري، كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء، حديث رقم (4251) من حديث طويل.
  8. محمود، علي عبدالحليم، المرأة المسلمة وفقه الدعوة إلى الله ، صـ96.

د. شيرين لبيب خورشيد

الكاتبة لأدب الأطفال والحاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة الإمام الأوزاعي في لبنان في فن… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى