اختيارات المحرر

أين نحن من العالم الإسلامي غير العربي؟ 

العرب هم مادة الإسلام، لا شك في ذلك بطبيعة تنزل الرسالة وعربيتها وكونهم أول المخاطبين بها وأولى المكلفين بحمل دعوتها للعالمين، لكنهم مع ذلك ليسوا إلا جزءًا بسيطًا من عالم الإسلام المترامي الأطراف الذي تجاوز المليارين من البشر على امتداد أرض الله.  

وعلى الرغم من دور الأزهر المشكور وغيره من جامعات العرب وحكوماتهم في التواصل مع شعوب الأمة الإسلامية، من خلال استضافة الدارسين من غير العرب، وبعث البعوث للوعظ والإرشاد والتدريس وأشكال التعاون والدعم الحكومية المختلفة، لكننا نفتقد حوارًا شعبيًا وتداخلًا اجتماعيًا وثقافيًا وتبادلًا علميًا حقيقيًا، وفهمًا متبادلًا للمواقف السياسية والتيارات الفكرية والفلسفية، والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية مع إخوتنا في تلك البلدان، ونظرات تلك المجموعات الهائلة من البشر، وطرق تفكيرهم في قضايا العالم وقضايا الأمة، والوحدة والتعاون وأخوة الإسلام، وتوجهاتهم الحاضرة والمستقبلية تجاه أمريكا وأوروبا والصين وروسيا والهند واليابان والكيان الصهيوني.

لا شك أننا مقصرون في التعرف على إخواننا في الدين في شتى بقاع الأرض، والتواصل الأخوي الإسلامي معهم، والبحث عن سبل للوحدة والتعاون معهم. وقد آن الأوان لنتحرك بشكل عملي من أجل تجاوز الفجوة الكبيرة بيننا وبينهم.

وفي هذا المقال أركز فقط على جانب واحد من جوانب تقصيرنا يحتاج مئات بل آلاف الرجال والمؤسسات والأموال للقيام بحقه حق القيام؛ وهو علاقات إخواننا من المسلمين غير العرب في آسيا وإفريقيا بالكيان الصهيوني والصهيونية العالمية التي لم تخضع للدراسة الوافية، ولم توف حقها علّنا نتدارك الأمر قبل استفحال الأثر السلبي على حاضر ومستقبل الأمة والقضية الفلسطينية.  

الإسلام والمسلمون في آسيا والعلاقات مع الكيان الصهيوني 

يعتقد حكام الكيان الصهيوني ونخبه البحثية وعقوله الاستراتيجية أن “آسيا هي المستقبل” بالنسبة لهم، وأن اليهود خارج وداخل الكيان بحاجة إلى استراتيجية فعالة لكسب آسيا على المدى الطويل، إذا أرادوا ضمان أن يكون لتنامي قوة آسيا في العالم -وخصوصًا في قارتنا العربية- آثار إيجابية عليهم على المدى البعيد، ومن ثم فعليهم أن يسبقوا غيرهم في آسيا الآن، دون توقع مكاسب سياسية أو اقتصادية سريعة، التي لن تتحقق إلا على المدى البعيد وعبر جهود وتضحيات جسيمة.

تقوم تلك الرؤية على زيادة فهم الآسيويين للكيان والشعب اليهودي: تاريخهم وثقافتهم ودينهم، وفهم الكيان واليهود لتاريخ وثقافة وديانات شعوب آسيا، مع التركيز على السياسات الثقافية وتبادل المعلومات، وسياسات العلوم والتكنولوجيا، ودراسات اليهودية وإسرائيل في آسيا، والدراسات الآسيوية في إسرائيل.

كما تقوم على توازي جهود جميع اليهود في العالم لتحقيق ذلك، فلا يستطيع الكيان، بل لا ينبغي له، القيام بذلك بمفرده، بل يجب على اليهود في جميع أنحاء العالم المشاركة في هذا الجهد، لأن الأمر سيستغرق وقتًا، ويحتاج رجالًا كثرًا وأموالًا طائلة ومؤسسات مكلفة لا يمكن توفيرها إلا من خلال جهود اليهود كلهم.

ويقوم مدخل الكيان لآسيا غير المسلمة عبر ما يسمونه “مشكلة الإسلام”، التي تلفق وتزور العلاقات اليهودية والآسيوية؛ خصوصًا الصينية والهندية، مع الإسلام، حيث تدعي تلك الاستراتيجية أن ثمة قاسم تاريخي مشترك بين اليهود والهنود والصينيين، يتمثل في: هزيمة العرب للدول الثلاث في القرون الأولى نفسها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يشترك الصهاينة واليهود عمومًا مع هذه الشعوب في القيم المجتمعية التي تتوافق بشكل أوثق مع القيم اليهودية.

فكما يؤمن الآسيويون بتاريخهم، ويعتقدون أن لديهم ثقافات فريدة، ويؤمنون بالتعليم وبقيمة الأسرة باعتبارها حجر الزاوية في ثقافاتهم والخدمة الوطنية والعمل الجاد والاستثمار، فإن هذه جميعها قيم اليهود واليهودية المتأصلة في الكيان.

كما يستغل الكيان تلك الثقافة الهندية والصينية التي لا تحمل أي إرث تاريخي أو ديني سلبي تجاه اليهود، ليؤكدوا لهم كيف خضعوا جميعًا للهيمنة العربية. ففي نفس الفترة التي طرد فيها المسلمون اليهود من المدينة، فتح العرب مقاطعة مهمة في الهند، ثم أعقبها قرون من الغزوات الإسلامية، وتحديدًا في عام 751م، حيث هزم جيش عربي الجيش الصيني في قيرغيزستان الحالية، مما أدى إلى انهيار الحكم الصيني في آسيا الوسطى وأسلمة هذه المنطقة الشاسعة.

من خلال تلك الاستراتيجية التاريخية الثقافية، واختلاطها بالمصالح الاقتصادية والعسكرية، تم عمل ربط بين النخب الحاكمة في هذه البلدان ونخبها المثقفة، لتحويل تعاطفها تجاه الكيان وتأجيج عداوتها مع العرب المسلمين، حتى بات الكثيرون في الصين والهند -ولا سيما مؤسساتهما الدفاعية- يرون أنهم يشتركون مع إسرائيل في عدو مشترك، ألا وهو التطرف الإسلامي والإرهاب.

كما نشأ جيل من الباحثين الصينين ينظر للمسلمين نظرة الخطر، بل ويعترفون سرًا بأنهم يعتبرون الإسلام أكبر تهديد داخلي للصين. وهذا الجيل هو نتاج الصلات والاتصالات بين المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة وإسرائيل والباحثين الصينيين والهنود، وكانت نتيجة هذا التواصل تطورت المناصرة المؤيدة لإسرائيل في الأوساط الأكاديمية الصينية والهندية منذ عام 2000م فصاعدًا.

وهنا تبرز أدوار اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، ومنظمة بناي بريث الدولية، لتعزيز الروابط بين الهند والصين والكيان، بجانب جهود الدولة الصهيونية. 

روابط الكيان الصهيوني مع الهند

وعلى صعيد البرنامج العملي للاستراتيجية، نجد زخمًا كبيرًا في الوصول لتلك المجتمعات من خلال زيارة الشباب الصهيوني آسيا بأعداد كبيرة، كما ازداد حجم التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي في الصين والهند. كما تُعزز الشركات التجارية والمنظمات غير الحكومية والأفراد روابطهم مع الصين أو الهند، ويتزايد عدد الطلاب الإسرائيليين الذين يدرسون اللغات الآسيوية، وخاصة الصينية الماندرينية.

وداخل الكيان نجد الحركة قائمة على قدم وساق لتقديم فرص واسعة للجمهور الصهيوني للتعرف على الثقافات الصينية أو الهندية أو غيرها من الثقافات الآسيوية، سواءً في الفنون البصرية أو الأدب أو الموسيقى أو المسرح أو السينما أو حتى الرقص.

فماذا قدمت الحكومات العربية والمنظمات الأهلية العربية والنخب العربية لشعوب آسيا ولشعوبنا عن تلك القارة القادمة بقوة لتحكم العالم؟ وماذا نعرف عن تحركات الكيان الصهيوني في آسيا، وسعيه لترسخ مكانتها كشريك حيوي لشعوبها؟ ما هي الركائز الأساسية التي يتم بناء هذه العلاقات عليها؟

والأهم من ذلك، من هم الأشخاص الذين يقودون هذه الشراكات ويشكلونها خلال السنوات الخمس أو العشر أو العشرين القادمة؟ وكيف يمكننا تحديد هؤلاء القادة المستقبليين والاستثمار فيهم؟ وماذا نعرف عن برنامج إسرائيل-آسيا 2050: بناء قادة الغد اليوم.

وماذا نعرف عن مشروع الشرق الأوسط وآسيا (MAP) حول “إسرائيل: المستقبل هو آسيا”، الذي يتناول العلاقات المتوسعة بين إسرائيل وآسيا؟ لا شيء!

كيف يجري الإعداد للسلام الإبراهيمي على طريقة جنوب شرق آسيا؟ 

الدين الإبراهيمي الجديد في العالم الإلاسلامي

 توصف مجتمعات جنوب شرق آسيا بأنها فسيفساء من الثقافات والأديان، لذلك يراها اليهود والصهاينة تحمل في  جوهرها بذور الفكر الإبراهيمي، الذي يريدون نشره بين المسلمين ليلبسوا عليهم دينهم ويفرغونه من أهم ما فيه؛ العقيدة الصحيحة في الله الواحد والجهاد في سبيل الله.

لذلك تقوم استراتيجية الكيان مع مسلمي هذه الشعوب على السعي إلى تعزيز العلاقات الودية معهم، ودعوتهم إلى زيارة الكيان، واطلاعهم على واقعه ومزاياه وكيف يستفيدون منها. وإذا أخذنا إندونيسيا نموذجًا باعتبارها قاب قوسين أو أدنى من التطبيع الرسمي مع الكيان، سنجد كيف تعمل استراتيجية الكيان بنجاح في تحقيق أهدافها.

في 23 سبتمبر 2025م الماضي وقف الرئيس الإندونيسي؛ والحرب دائرة على غزة وإيران ولبنان واليمن، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ونطق بكلمة لم ينطق بها أي زعيم إندونيسي علنًا من قبل: “السلام”.

ثم أعلن أن “على العالم أن يضمن ليس فقط حرية فلسطين، بل أيضًا حق إسرائيل في العيش بسلام وأمان”. والسؤال هنا: كيف تحولت إندونيسيا إلى التعاطف مع الكيان، وكيف لاقت كلمات برابوو صدىً لدى جيل أصغر من الإندونيسيين والماليزيين والفلبينيين؟ والجواب: إنه نتاج سنوات من العمل الدؤوب للكيان واليهود خصوصًا الأمريكان داخل إندونيسيا.

فلو عدنا للوراء بضع سنوات سنجد أن هناك حوارات دائمة ودائبة بين منظمات يهودية وصهيونية في الكيان وأمريكا، وبين نخب مؤثرة ومسؤولة داخل إندونيسيا أدت لهذا التحول، وتمهد لما هو أخطر إن لم نتبنه لذلك ونواجهه بشكل علمي وجاد وجهادي بكل معاني الكلمة القرآنية.

فالحوار وبناء الجسور بين الكيان والإندونيسيين مستمر في مختلف المجالات منذ سنوات لا ينقطع، في: مجالات التعليم – التفاهم بين الثقافات – مجالات الابتكار والتكنولوجيا والأعمال – العلاقات بين الأديان، بهدف بناء على الأسس التي تُرسى مستقبل مشترك يزدهر فيه التفاهم المتبادل وبناء الشراكات بينهما.

والجهات الفاعلة في هذا الحوار الديني الدنيوي: علماء، ومنظمات مع نظرائهم الصهاينة، وشباب من الجنسين من مختلف التخصصات ورجال أعمال وموظفين حكوميين طموحين.

تدور تلك الحوارات حول: الدبلوماسية الدينية باعتبارها أحد أدوات التطبيع التي يروج لها بقوة بين مسلمي آسيا؛ بقيادة أحد مروجي هذا المصطلح: الإندونيسي يحيى خليل ستاقوف، وهو واحد من قادة منظمة إندونيسية مشهورة تضم أكثر من 60 مليون مسلم إندونيسي هي جمعية العلماء بإندونيسيا.

تدعو الجمعية إلى ما يسمى “الإسلام الإنساني”، الساعٍ إلى إصلاح المبادئ العتيقة للأرثوذكسية الإسلامية التي تحض على الكراهية الدينية والتفوق والعنف، من خلال استعادة الرحمة (الحب العالمي والرحمة) إلى مكانها الصحيح باعتبارها الرسالة الأساسية للإسلام. من خلال “إسلام نوسانتارا (إسلام جزر الهند الشرقية)”. 

 والعلاقات الوثيقة بين تلك الجمعية وأمينها ستاقوف المشارك في تأسيس بيت الرحمة للدعوة الإسلامية “رحمة للعالمين” الموجود في أمريكا، وكذلك معهد الإسلام الإنساني ومركز القيم الحضارية المشتركة التي تسعى إلى منع تسليح الهوية سياسيًا؛ والحد من انتشار الكراهية الطائفية؛ وتعزيز التضامن والاحترام بين الشعوب والثقافات والأمم المتنوعة في العالم؛ وتعزيز ظهور نظام عالمي عادل ومتناغم حقًا، يقوم على احترام الحقوق المتساوية والكرامة لكل إنسان، وهو جوهر الديانة الإبراهيمية.

ويسعى هؤلاء وغيرهم في إندونيسيا إلى إعادة صياغة المبادئ الدينية “القديمة” و”المثيرة” للمشاكل في التشدد الديني، والتي تحرّض على العداء والصراع ووضعها في سياقها الصحيح، وتطوير مجموعة جديدة من المعايير الدينية المتجذرة في الأخلاق العالمية والقيم الإنسانية، وتطوير معايير اجتماعية وثقافية ودينية جديدة تشجع على السلام.

وقد أنتج هذا كله خطاب الرئيس الإندونيسي على المستوى السياسي وخطاب جمعية العلماء على المستوى الديني التي أصبحت ترى  “ميثاق الأمم المتحدة”، من منظور الشريعة الإسلامية، هو اتفاق شرعي وبالتالي ملزم للمسلمين في جميع أنحاء العالم، كما أنتج واحد من أهم برامج الترويج للرؤية الصهيونية لمستقبل مسلمي اندونيسيا والمتمثل في”برنامج الكيان الصهيوني- إندونيسيا للمستقبل” الذي سيتم فتح باب التقديم لبرنامجه عام 2027 في سبتمبر 2026م القادم، والذي يدخل عامه السادس.

ويهدف هذا البرنامج إلى إشراك القادة الناشئين والراسخين، لبناء الجسور وتشكيل مستقبل العلاقات بين الكيان وإندونيسيا. وهو برنامج تفاعلي عبر الإنترنت يجمع بين القادة الناشئين والراسخين من مختلف القطاعات من الكيان وإندونيسيا لبناء شراكات، وتحديد مسار المستقبل بين هذين البلدين وتشكيله، على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية.

ويصف معهد الكيان في آسيا هذا البرنامج فيقول: “يأخذ البرنامج المشاركين في رحلة مثيرة ومغيرة للعقل، لاكتشاف الإمكانات غير المستغلة بين إسرائيل (دولة الشركات الناشئة والدولة اليهودية الوحيدة في العالم) وإندونيسيا (التي من المتوقع أن تصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030 وأكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم).

ويسلط البرنامج الضوء على تاريخ الكيان والسياسة والاقتصاد والثقافة واللغة والديناميات الإقليمية، وظهور الكيان كمركز عالمي للتكنولوجيا والابتكار، حتى يسهل على الملتحقين به من الإندونيسيين اكتشاف الحقيقة وراء العناوين الرئيسية.

وبالنسبة للمشاركين الصهاينة، يؤهلهم البرنامج لاكتشاف أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا؛ سوق يضم 280 مليون نسمة، واستكشاف تاريخ وسياسة واقتصاد وتحديات ونجاحات هذا العملاق في جنوب شرق آسيا، واكتساب فهم أعمق لثقافة البلاد وتعقيداتها، وفهم أفضل للاتجاهات التي ستؤدي بها إلى أن تصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030.

كما يشارك المشاركون في البرنامج معًا في حوار هادف مع شبكة مهنية واسعة من الأشخاص الذين نادرًا ما يصادفونهم في حياتهم اليومية، وذلك لفهم بلدان وثقافات بعضهم البعض بشكل أفضل، ولفتح عقولهم على أفكار ووجهات نظر مختلفة، واكتشاف الإمكانات الهائلة غير المستغلة الموجودة بين هاتين الدولتين، والعمل معًا لتطوير مبادرات بناء الجسور بين البلدين، مع الانخراط في محادثات هادفة، على المستوى الشخصي والإنساني، من شأنها أن تُرسّخ صداقات على مستوى الأقران وشراكات دولية رفيعة المستوى مدى الحياة.  

كما يعمل البرنامج على تطوير واستثمار قادة المستقبل في العلاقات بين الكيان وآسيا، من خلال تزويد الشباب المهنيين والطلاب الإسرائيليين والآسيويين المقيمين في الكيان بإمكانية الوصول رفيعة المستوى، والاتصالات، ومجموعة المهارات، وشبكة الدعم اللازمة لبناء شراكات استراتيجية طويلة الأجل بين الكيان وآسيا في مجالاتهم المهنية.  

والبرنامج الذي يمتد لثمانية أشهر بدوام جزئي، ومصمم لاستكمال مجالات خبرة المهنيين الشباب، وبرامج الدراسة الجامعية للطلاب في داخل الكيان، يحرص على عدم نشر أسماء المشاركين في البرنامج أو المتحدثين أو الشركاء أو الداعمين دون إذنهم الصريح. وحسب شهادات مكتوبة على الموقع من بعض المشاركين فيه من الإندونيسيين فقد ” غيّر هذا البرنامج نظرتهم إلى الكيان، وغير نظرتهم إلى المستقبل.”.  

وبعد هذا المختصر الموجز عن استراتيجية الكيان في إندونيسيا فقط، تظهر أسئلة لا إجابات لها حتى الآن: ماذا نعرف عن العلاقات الدبلوماسية الراسخة لإسرائيل مع الدول ذات الأغلبية المسلمة وهي كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وأذربيجان؟ ماذا نعرف عن بنجلاديش في عهدها الجديد وتوجهاتها  تجاه الكيان؟ ونفس الأمر ماذا نعرف عن باكستان ومسلمي الهند وغيرهما وعلاقاتهم مع الكيان الصهيوني؟ وماذا نعرف؛ حكامًا ومحكومين، عن تيارات الفكر الإسلامي في إندونيسيا مثلًا وعن امتداد هذا الفكر في ماليزيا وتايلاند وبقية دول آسيا؟ لا شيء!

أرض الإسلام الخصبة في أفريقيا والكيان الصهيوني 

العلاقات الإسرائيلية في إفريقيا

تضم أفريقيا بعضًا من أسرع المجتمعات نموًا سكانيًا، وأهم الأسواق، وأفضل بيئات الابتكار في العالم. وفي غضون عقدين من الزمن، ستصبح القارة الأكثر اكتظاظًا بالسكان على وجه الأرض. إنها الأرض الخصبة، حرفيًا، ولكن للأسف الشديد لا يستثمر فيها سوى الصهاينة ونحن غائبون تمامًا حكومات وأفراد وجماعات. 

فالعلاقات الدبلوماسية الرسمية الصهيونية مع معظم دول أفريقيا في ذروتها، المنظمات التابعة للكيان تعمل في مختلف أنحاء أفريقيا، وتتمتع جميعها بخبرات وشبكات واسعة النطاق ضمن نطاق اختصاصها، وإسهامات المجتمع اليهودي العالمي ملموسة ومتزايدة من أجل تقديم الخبرة والدعم الفني، لكي تنجح الاستراتيجية الصهيونية. 

فمثلًا نجد مؤسسة ماشاف (وكالة إسرائيل للتعاون الإنمائي الدولي) وجمعية الاهتمام والوعي الإسرائيليين في أفريقيا (I2A3) اللتين لا تركزان فقط على التعاون الإنمائي، بل تتجاوزا المساعدات إلى التدريب وبناء القدرات والتمكين لأبناء أفريقيا، وخير مثال برنامج التنمية الدولية الإسرائيلي، الذي قام بتدريب عشرات الآلاف من المهنيين الأفارقة، ووضع إسرائيل كدولة تصدر المهارات بدلًا من استخراج الموارد.

وكذلك برنامج الدراسات الأفريقية المشترك بين الجامعات في جامعة تل أبيب، الذي يستقطب العديد من الطلاب والخبراء الأفارقة، الذين تتم دعوتهم إلى إسرائيل من قبل وزارة الخارجية والمعاهد الأكاديمية، لاكتساب مهارات جديدة والحصول على شهادات مهنية.

وهناك أيضًا معهد العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، الذي يلعب مع ما سبق من مؤسسات دورًا رئيسيًا في إعادة قراءة التاريخ والثقافة الأفريقية من منظور يهودي وصهيوني، للربط بين شعوب القارة الكنز وبين الكيان في توجهاتهم وقراراتهم. ونفس السؤال يطرح نفسه هنا كما في آسيا، أين نحن العرب المسلمين من أفريقيا التي يغزوها الصهاينة؟ لا شيء!

بعض المقترحات 

أولًا يجب ألا نتعلل بأي حجج واهية تتعلق بعجزنا المادي أو غيره عن التواصل مع إخواننا في تلك البلدان، فاليهود الصهاينة من خلال تجمعهم وتوحدهم استطاعوا فعل المعجزات بمقاييس الزمن والإمكانات بالمقارنة بنا.

القضية الفلسطينية

ومن ثم فنحن بحاجة لوقفية مالية محترمة، نجمعها بشكل مبتكر ويعمل كصندوق لاكتشاف العالم الإسلامي غير العربي، وإذكاء شعلة حب فلسطين والأمة والوحدة بين شعوبه، وتعريف الأجيال الجديدة فيه بصورة مفصلة عن العالم العربي وقضاياه المرتبطة بقضاياهم ومستقبله المرتبط بمستقبلهم، وليكون نواة لتكوين عصبة أمم إسلامية ثقافية اجتماعية اقتصادية، ونوقف مجموعة من الرجال والنساء الذين صدقوا لإدارة تلك الوقفية لعمل الآتي: 

1- تعزيز الشعور بالتضامن والوحدة بين جميع المسلمين على أساس الدين الواحد والتاريخ المشترك والثقافة والمصالح الاجتماعية والاقتصادية المشتركة، من خلال بناء سردية إعلامية مبتكرة لمخاطبة هؤلاء المسلمين. تتعامل معهم كساحة استراتيجية مركزية، وليس كدول وشعوب متفرقة، وبمادة إعلامية تخاطب ثقافتهم وتاريخهم وربطه بتاريخنا وإسلامنا، بشكل يبين حقيقة روابطنا معهم ومصيرنا المشترك وحقيقة الصهيونية وخطرها.

2- تخصيص فئة متميزة من الباحثين والمترجمين والدعاة لتعلم: الفارسية والتركية والأوردو والبنجابية والجاوية ولغة الملايو ولغات أفريقيا، لبناء جيل يمكنه التواصل مع تلك الشعوب وترجمة الفكر العربي والإسلامي إليهم، وترجمة فكرهم وتاريخهم وثقافتهم للعربية. وتصميم استراتيجية لتعميم اللغة العربية في تلك الأقطار الإسلامية.

فهل يقدر المسلمون العرب؛ من غير الحكام، على الحفاظ على الوحدة الإسلامية بين شعوب الأمة، في زمن الانحلال السياسي الذي أصاب الأنظمة، فهرولت لتطبيع وتتبيع أنظمتها للصهيونية المتأمركة والغارة الجديدة على الإسلام والمسلمين باسم الإبراهيمية الكاذبة.

وهل يجود الزمان بفقهاء ومفكرين وباحثين وأدباء وقادة سياسيين ورجال أعمال منفقين يدركون هذا الثغر ويلتزمون بمشروع مستقبلي، لا لإحياء علاقاتنا مع العالم الإسلامي غير العربي فقط، وإنما لإنقاذ الأمة العربية من موجات وطوفان يكاد يبتلعها منفردة إن انفصلت عن جسمها الإسلامي الكبير وانفصل عنها.

عماد الدين عويس

باحث في الشؤون الدينية والسياسية، باحث دكتوراه في السياسية العامة، له مؤلفات عديدة من مقالات… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى