أخطر بنود مؤتمر نيويورك.. ماذا يعني نزع سلاح المقاومة؟

بعد أن مرت القضية بتطورات درامية بدءًا من حرب أكتوبر 73 وما تلاها من تطبيع مصري، ثم حرب الكيان على لبنان وتوقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير والكيان المعروف بغزة أريحا أولًا وأخيرًا، ثم اتفاق التطبيع الأردني المعلن بعد طول إخفاء في وادي عربة، مرورًا بطرد الكيان من لبنان عام 2000م، ثم تحولات الألفية الجديدة والتطبيع الخليجي والسوداني والمغربي وقبله الموريتاني مع العدو الصهيوني، وصولًا إلى طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023م وحرب الإبادة الدائرة على غزة حتى اليوم والتي يوازيها حرب سرقة ما تبقى من أراضي الضفة بواسطة الاستيطان والتعديات المستمرة على المسجد الأقصى، والحرب على لبنان وإيران واليمن والتي خلفت في مجملها ما يقارب ربع مليون شهيد عربي ومسلم  بخلاف المصابين والمهجرين والجوعى. 

كل ذلك والموقف العربي لم يخرج عن الشجب والإدانة والمناشدة لوقف حرب لا تتوقف ومناشدة طرف لا يسمع ولا يرى ولا يعرف إلا منطق القوة الذي لفظه العرب؛ لأنه في نظرهم لم يعد هو السلاح الحقيقي لمواجهة هذا الاحتلال المتوحش؛ فسلاح السلام أمضى بكثير كما قال مؤخرًا أحد القادة السعوديين السابقين.

في ظل هذا التوجه الذي بدأ مع حرب 67 ويمتد معنا متدهورًا حتى اليوم نجد أنفسنا في مرحلة وسياسة جديدة تبنتها المملكة السعودية بالاشتراك مع فرنسا وشاركتهما بعض الدول الأخرى تبلورت رؤيتها في مؤتمر نيويورك الذي اختتم أعماله منذ بضعة أيام.

في هذا المقال نتوقف أمام بندين فقط من بنود هذا المؤتمر التي وصلت إلى 42 بندًا يتعلقان بنزع سلاح المجاهدين وتجريم أي مقاومة للكيان، نحللهما ونتأمل معناهما وما يوحيان به وآثارهما الحالية والمستقبلية إن قُدّر لهما -لا قدر الله- أن يطبقا على أرض الواقع. 

البندان 11 و33: تجريم المقاومة تحت شعار “مكافحة الإرهاب”

مؤتمر نيويورك لحل الدولتين

جاء في البيان الختامي ضمن بنود المؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حل الدولتين الذي استضافته نيويورك برئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا، والمسمى “إعلان نيويورك”، الذي هدف إلى ضرورة اتخاذ “خطوات ملموسة” و”مرتبطة بإطار زمني ولا رجعة فيها” من أجل تسوية قضية فلسطين. وبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين والإسرائيليين وجميع شعوب المنطقة، البندان التاليان:

البند 11: ينبغي أن يؤول الحكم وإنفاذ القانون والأمن في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية حصرًا إلى السلطة الفلسطينية، مع تقديم الدعم الدولي المناسب. وقد رحبنا بسياسة السلطة الفلسطينية “دولة واحدة، حكومة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”، وأعلنّا دعمنا لتنفيذها، بما في ذلك من خلال عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج اللازمة، والتي ينبغي استكمالها في إطار آلية متفق عليها مع الشركاء الدوليين وضمن إطار زمني محدد. وفي سياق إنهاء الحرب في غزة، يجب على حركة حماس إنهاء حكمها في غزة وتسليم أسلحتها إلى السلطة الفلسطينية، بدعم وانخراط دوليين، اتساقًا مع هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.

البند 33: التزمنا أيضًا باعتماد تدابير محددة الهدف، وفقًا للقانون الدولي، بحق الكيانات والأفراد الذين يعملون ضد مبدأ التسوية السلمية لقضية فلسطين، من خلال العنف أو الإرهاب، وبالمخالفة للقانون الدولي.

فهذا الجزء من البند 11 يقول بأن حكم السلطة الفلسطينية لغزة والضفة معًا يجب أن يتم بعد نزع السلاح من كافة الفصائل المجاهدة في غزة؛ لأن الضفة لا يوجد بها سلاح كما يعرف الجميع سوى سلاح السلطة وهو سلاح سلام لا يوجه إلا لمن يجرؤ على تنغيص عيش العدو الصهيوني. فالسلاح المطلوب نزعه هو سلاح حماس وباقي الفصائل المختلفة.

ومن هنا جاءت الفقرة الأخيرة في البند لتعلن ذلك بوضوح: وفي سياق إنهاء الحرب على غزة يجب على حركة حماس إنهاء حكمها في غزة وتسليم أسلحتها إلى السلطة الفلسطينية، بدعم وانخراط دوليين، اتساقًا مع هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.

وهي فقرة كما تبين سطورها وحروفها متباينة ومتناقضة أشد التناقض مع أبسط ما قرره القانون الدولي وبينه تاريخ العالم؛ حتى لا نتطرق لبيان ديننا فيها وحكمه على مقترحيها العرب. 

فلم يعرف التاريخ فيما نعلم شعبًا فرط في سلاحه، والعدو يحتل أرضه ويقتل أهله ويتوعدهم بالإبادة أو التهجير ويستخدم التجويع ومنع سبل الحياة المكفولة لكل إنسان سبيلًا إلى ذلك.  ولم يعرف التاريخ شعبًا ألقى سلاحه حتى بعد تحرره الكامل وليس المنقوص من عدوه. ولم يعرف القانون الدولي نصًا أو قانونًا أو حتى توصية تقول بأن المقاومة وحمل السلاح يجب أن يتوقفا عندما يتفاوض شعب محتل مع العدو للخروج من الأرض المحتلة. 

لأن البندقية هي التي تجبر العدو أي عدو على الجلوس للتفاوض فإذا سكتت البنادق وأغلقت الخنادق وفتحت الأنفاق فلن يكون سوى صوت الصلف والغرور وغطرسة القوة من جانب والإذعان الذليل والاستسلام من جانب آخر. 

معدلات الهجرة والنزوح.. لماذا نزع السلاح الآن؟

معدلات الهجرة والنزوح.. لماذا نزع السلاح الآن؟

يجب أن ندرك أن الإلحاح الشديد على نزع سلاح حماس وكافة الفصائل المجاهدة في فلسطين وتجريم الجهاد وخضوعه للقانون الدولي كإرهاب يعاقب عليه مقابل أي ثمن مؤقت اليوم -ولو إعلان دولة شكلية أو وقف التهجير من غزة أو وقف الاستيطان في الضفة وتأخير ضمهما أو غيرها من الأهداف- يرتبط أشد الارتباط بموضوع الهجرة من الكيان والهجرة إليه. فالهجرة هي حاجتهم الأمس واليوم وغدًا وحاجتهم دومًا وانخفاض معدلات الهجرة وتزايد معدلات النزوح تعني مواجهة أزمة وجود حقيقية.

فالسلاح الفلسطيني المجاهد المبارك هو وحده الذي أجبر أكثر من مائة ألف صهيوني من خيرة شبابهم الواعد بأُسَرِهم على العودة ثانية لأوطانهم التي جاءوا منها دون عودة، وهناك أمثالهم يفكرون في ذات القرار جديًا، وهي عملية إن لم يتم تداركها سوف تؤدي إلى إفراغ الكيان من عصبه الأساس وقاعدته الحقيقية لجيشه أساسيين واحتياطيين؛ ومن ثَمّ تضرب فكرة وجوده في الصميم. هذا بُعد من أبعاد موضوع نزع السلاح والإلحاح عليه.

كذلك هناك بُعد ثاني حيث يؤدي نزع سلاح المجاهدين إلى تحقيق غاية رئيسية من غايات الصهيونية ودولتها الغاصبة وركيزة أساسية من ركائز استمراريتها والمتمثلة في الهجرة اليهودية التي هي روح استمرار تلك الدولة المحتلة واستمرار اغتصابها لأرض فلسطين، فتلك الهجرة هي التي ستُمكّن الكيان من استيطان غزة والضفة والنقب بدلًا عن الفلسطينيين وبدلًا عن المستوطنين الذين فروا هاربين ولم يعودوا من غلاف غزة وجنوب لبنان؛ لأن النوعية الوحيدة الراغبة في الهجرة للكيان اليوم هي فئات في غالبها فقيرة أو مهانة في بلادها وهي وحدها التي ستقبل تلك المغامرة الخطرة بعد ما سمعوا ورأوا ما حدث في السابع من أكتوبر حتى اليوم. 

ولحدوث ذلك لا بد من وجود بيئة آمنة لهؤلاء وجو جذاب ووعد برفاه وحياة آمنة وإن لم تكن أفضل من حياتهم الحالية فهي تساويها على الأقل، وهو أمر محال تحقيقه دون وقف الجهاد ونضوب روح الاستشهاد والجندية المؤمنة بربها وقضيتها التي أبداها الغزيون على مدى عامين. هذا بُعد ثالث من أبعاد الدعوة لنزع سلاح حماس. 

الأبعاد الكارثية: من فلسطين إلى الأمة كلها

نزع سلاح المقاومة

هناك أبعاد أخرى متعلقة بروح الجهاد والتربية عليها وبث روح المجاهدة والرباط ورفض التعامل مع المستعمر، أو تبييض وجهه، أو صفحته من القتل وسرقة الأرض والمقدسات وتفتيت وحدة الأمة، وما يمثله ذلك كله من تجديد روح الأمة ذاتها الذي رأينا بعضه في حملات المناصرة والدعم والتبرعات المال والدم وكذلك كشف العملاء والخونة والمتخاذلين من الحكام وغيرهم وهو مما لا يمكن للصهيونية وأمريكا والحكام المتعاونين معهم تحمله أبدًا.

كما أن نزع سلاح حماس هو الحل لإعادة اجتذاب الجيل اليهودي الشاب مرة أخرى لثقافته اليهودية بعد غربته عنها وتهاوي صورة الكيان وجيشه لديه؛ بعدما فعلته حماس وأخواتها به، وصمود ورباط شعب غزة بما يفوق الخيال. حيث يقول نزع السلاح بانتصار الكيان ليس فقط على المجاهدين في فلسطين وإنما على الأمة كلها بتقدمها طائعة بإلقاء السلاح.

إن نزع السلاح يمثل حاجة ماسة للصهيونية والإمبريالية الأمريكية اليوم معًا؛ فهما -كما رأينا- عاجزتان عن مواجهة رجال الجهاد وجهًا لوجه، كما عجزتا تاريخيًا من قبل عن مجابهة الحرب الشعبية عام 48، وهما يعتقدان أن الصهيونية إذا جوبهت بهذه الحرب ستُهزم، كما أنهما يعلمان أن المقاومة أقدر على الصمود من الصهاينة في النزاع الطويل خاصة مع الدعم العربي الشعبي لها؛ لأنها ترهق الجيوش النظامية وترهقها أكثر من الذئاب المنفردة التي لا تتكلف إلا القليل. 

وهما يعلمان تمامًا أن نجاة حماس وأخواتها هذه المرة معناه نجاحها في النمو والتوسع لتصبح نموذجًا يُحتذى حتى تصبح قوة شعبية هادرة قادرة على المضيّ في حرب أطول من الحرب الجارية؛ تهلك الإمبريالية وربيبتها الصهيونية، كما هلكت فرنسا من قبل في الجزائر، والمستوطنين البيض في جنوب إفريقيا، وهربت أمريكا مدحورة من فيتنام والصومال والعراق بل وكل من يدعمها من نظم في قارتنا العربية. 

كما أن نزع سلاح حماس بإرادتها يسكت أي حجة يقولها أي شخص أو جماعة خارج فلسطين مهما بلغ من العلم والورع والإخلاص ما بلغ أمام شعوب الأمة وهذا ما يريده العدو الصهيوني والأنظمة المطبعة معه المطيعة له؛ فيجتمع على الأمة ما لم يجتمع عليها من قبل تسليم المجاهدين أنفسهم السلاح وما يعنيه من إسقاط الجهاد، وتسليم الأنظمة الأمة بعقيدتها وسلاحها لعدو يفعل بهما وبها ما يشاء لقاء حياة حقيرة. 

فإلقاء السلاح لا يصنع سلامًا ولا يخدم غرضًا إيجابيًا قريبًا أو بعيدًا، حقيقيًا كان أو متوهمًا للقضية الفلسطينية أو المصلحة العربية، ولا يمكنه حتى أن يكف أذى الخطر الصهيوني عن الأمة ولو لحين بل من شأنه أن يرغم الفلسطينيين على التخلي عن حقوقهم، ويضفي شرعية نهائية على دولة اليهود الخالصة على كامل أرض فلسطين، فضلًا عن هذا كله فإنه يكرس الهزيمة العربية الشعبية الشاملة بل استسلام الأنظمة التام، ويضع حدًا لإمكان الجهاد الشعبي في اللحظة عينها التي بات فيها هذا الجهاد  أمرًا ممكنًا لهزيمة الكيان. 

وبذلك تنتفي كل عوامل الجهاد ومسبباته ومحرضاته في القارة العربية بأجمعها وليس في فلسطين فحسب؛ فتنهار كل قوى التحرير والتغيير، وتجدد الكيان والأنظمة المتعاونة معها وقبلهم أمريكا قواها وهيمنتها على حاضر ومستقبل القارة العربية وتدخل الشعوب في عصر السلام الصهيوني لأجل غير معلوم.

عماد الدين عويس

باحث في الشؤون الدينية والسياسية، باحث دكتوراه في السياسية العامة، له مؤلفات عديدة من مقالات… المزيد »

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى