كتابة / الدكتور كليفورد إن لازاروس  

ترجمة/ ربى الخليل

تحرير/ عبد المنعم أديب

يعتبر الوقت[1] -على الأرجح- سلعةً نفيسةً دونَ كُلِّ ممتلكاتنا؛ فمن بين جميع أشكال “رأس المال البشريّ” الأخرى نفتقدُ القدرة على تعويضه أو استرداده، خلافًا للعملات الأخرى التي قد نمتلكُها. والأمر نفسه يسري على الصحَّة كسلعة حيويَّة -وإنْ كانت في سياق مُغاير له-؛ ففي غالب الأحيان يمكن تعويض الصحة التي خسرناها، لكن من المُحال تعويضُ النَّانوثانية التي تُعادل واحدًا من مليار من الثانية لحظةَ انقضائِها أو خسارتها أو مجرد مرورها.

ما هي طبيعة الأشكال الرئيسية لـ”رأس المال البشريّ” التي أشير إليها؟ تتجلَّى في: الوقت والصحَّة ورأس المال الاجتماعيّ والعاطفيّ والمِهْنيّ والعُملة الفعليَّة (سأحيد عن الأمور الدينية والموضوعات المتعلقة بالإيمان والمعتقدات قصد التبسيط الدنيويّ[2]) وتشترك جميعها -باستثناء الوقت- في إمكانية تعويضها أو اكتسابها أو استعادتها، بالطبع مع تباين درجات تحقيق ذلك فيما بينها.

وللاسترسال في هذه النقطة، أود أن أنوِّه إلى أن “رأس المال الاجتماعيّ” غالبًا ما يُشير إلى وضع الفرد ومكانته ومستوى الاحترام والقبول الذي استحقه في محيطِهِ الاجتماعيّ. وأمَّا كيفية اكتساب هذا النوع من رأس المال؛ فيتكسَّبُهُ في المقام الأول بسُلوكيَّاتِ الفرد تجاه الآخرين، النابعةِ من اللطف والصداقة والدعم والمؤازرة، بينما يُنفقُهُ من خلال طلب الخدمات أو الضغط على الأصدقاء والآخرين وإزعاجهم. لكن تبقى إمكانيةُ اكتساب أصدقاء آخرين عند فقدان أحدهم قائمةً.

أما “رأس المال العاطفيّ” فيرتبط في الجوهر بالحبِّ والمتعة. فمشاعر الحب نتلقَّفها من شركائنا في الحياة وعائلاتنا وأصدقائنا المقربين بل حتى من حيواناتنا الأليفة. لكن ماذا لو لفحتنا نيران فقدِ حبيبٍ أو اكتوينا بلهيب فقدِ عزيزٍ جرَّاءَ موت أو طلاق أو أيِّ اضطراب في العلاقات، تبقى الفرصة الذهبيَّة باستعادة بعضها سانحةً. بالطبع، هذا لا ينطبق على فقدان الحبّ الحقيقيّ بخسارة شخص ما، لكن إمكانية استعادة “نكهة” حبّ مُماثِل يُغدقه علينا شخص آخر لا تزال تلوح في الأُفُق. وبالسياق نفسِه، إنْ خسرنا مصدرًا للمتعة ثَمَّةَ احتمالٌ دائمٌ بإيجاد منافذ بديلة للبهجة.

أوجه الشَّبَه واضحةٌ بين عُملة “رأس المال المِهنيّ” وعُملة “رأس المال الاجتماعيّ”. الفارق أنَّ الأولى تعمل ضمن نطاق مجالنا المِهنيّ فقط. فعلى سبيل المثال، فأنا أنفق جزءًا من “رأسمالي المِهنيّ” إنْ ضغطتُ على أحد زملائي بلُطفٍ لقَبولِ عملٍ مهم إضافيٍّ دونَ غيره، رغم إلمامي بثقل أعماله المُوكَلَة إليه. وكذلك عندما أرتكب خطأً مهنيًا قد ينال من نزاهتي المهنيَّة، عندئذ بوسعي استخدام “رأسمالي المِهنيّ” لاسترداد موقعي الجيد في المجتمع المِهنيّ.

أما العُملة الفعليَّة (النقود) فعبارة عن أصول سائلة استُثمرت في رأس المال والممتلكات؛ حيث يسهل نسبيًّا استردادُها في حال الخسارة. فمن السهولة بمكان خسارة 20 دولارًا أو العثور على 20 دولارًا، أو اكتساب 20 دولارًا أو حتى سرقة 20 دولارًا.

في حين يرقى “الوقت” كعامل غير قابل للتعويض أو الاسترداد؛ حيث تقف عاجزًا عن تعويض لحظة مضَتْ. ومن هنا تبرز أهميَّةُ اللحظة وفرادتها؛ فأنت قادر على استرداد أموالك إنْ اشتريتَ مُنتجًا رديئًا أو التعويض عن تجربة سيئة عشتَها، لكن ماذا عن يوم رديء تعرضتَ له؛ كيف لك استرداده؟! علاوةً على ذلك، تزداد قيمة الوقت كسلعة جوهريَّة طردًا مع لحظاته الفائتة، بحيث تسمو باطراد قيمة الزمن المتبقي لدينا.

الوقت

ومِن المُفارقة أنه رغم تفرد الوقت من بين أشكال “رأس المال”، حيث تخدعنا أبديَّتُهُ وخلودُهُ إلا أنَّ الوقت يمثل السلعة الوحيدة التي يستحيل تعويضها قط. في الواقع، إنَّ اتساع وعمق وسموَّ كُلفة الوقت تخرج من إطار التصور. تشبُهُ كلفتُهُ اللحظةَ التي سبقت لحظة الوجود؛ حيث تطلُّ خارج إطار الوجود لبعض الوقت وسرعان ما تنزلق إلى غياهب الهاوية والأبدية من حيث انبثقت.

بعد كل ما ذكر، فلتكُنْ حاذِقًا مُتوقِّد الذكاء في قضاء وقتك الثمين الذي لا يمكن تعويضه. وبتعبير أرحب، لا تُقدِمْ على أمر لا رَغبةَ لك فيه ولا حاجةَ لك به على الإطلاق. استكِنْ في حياتِك إنْ أحسست بضغطها أو افتقارها للمتعة .. توقف عن ممارسة رياضة التنس في أمسيات الاثنين إنْ رغبتَ بقضائها على نحو مُختلف. عليك بكبح تطوعِك لأداء المهام أو تحمُّل المسؤوليات خلافًا لما تبغي. والأهم من ذلك، توقَّفْ عن إهدار وقتك النفيس مع شخص لا تجد المتعة برفقته فالوقت لا يُعوَّض، إلا إنْ كان ذلك نابعًا عن ضرورة مؤقتة تجاه زميل لك أو رئيسك في العمل (أو تضحية منك بقضاء وقت مع قريب لا تكن له المحبة)[3].

وكما أننا ننأى عن هدر الأموال على التجارب الخالية من المتعة أو على الأشياء المادية التي ندرك امتعاضنا تجاهها أو المؤسسات الخيريَّة المُزيَّفة، تبرز أيضًا أهميَّةُ تخصيص بعض الوقت لقضائها في ممارسة الأنشطة والاهتمامات والعلاقات التي تُضفي على حياتنا البهجة والثراء. ومن هنا ترقى في أعيُننا كيفيَّةُ استثمار أوقاتنا التي كُتب لها أن تنقضي دائمًا. لكن هذا لا يحول دون ازدياد قيمتها، كأحد أهمّ نقاط الاختيار التي تواجهنا، لهذا اختِرْ بعناية وحكمة.

تذكَّرْ: لتدَعْ الخيرَ يفيض في أفكارك وأفعالك وأحاسيسك، كن بخير!

[1] ننقل لقارئنا هذا المقال ليكون على عِلم بكيفيَّة تفكير الآخر في “فكرة الوقت”. والتي سنجدها عنده هامَّة جدًّا -كما لدينا-، وسنجده أيضًا يختلف كلَّ الاختلاف عنَّا في الهدف من الوقت وما الذي ينفقه فيه. وهذا الاختلاف يعود في الأصل للاختلاف بين المنظومة العلمانيَّة التي أتى منها المقال، والمنظومة الإسلاميَّة التي ارتضيناها هنا. (المُحرِّر)

[2] يقصد الكاتب هنا أنَّه سيبتعد عن الأمور الدينيَّة في مُعالجة موضوع الوقت ليركز على القِيَم العلمانيَّة الدنيويَّة التي تبتغي النفع الوقتيّ الحاليّ، بغضِّ النظر عن الدين. وهذا يتعلَّق بكونه علمانيًّا، على خلاف المسلمين الذين يُخضعون كلَّ حياتهم لتصوُّر الإسلام في الحياة. (المُحرِّر)

[3] هنا نجد الكاتب متأثِّرًا بثقافته العلمانيَّة؛ حيث يردُّ كلَّ أفعال الإنسان إلى “ما يريد” و”ما يهوى”. على خلاف المُسلمين الذين يردُّون كلَّ أمورهم إلى الإسلام عقيدةً وشريعةً. (المُحرِّر)

217

الكاتب

ربى الخليل

مترجمة محترفة، عملت في مراكز بحثيَّة، وأعمل الآن في شبكة رابتلي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.