يُنظر اليوم إلى مراكز الأبحاث على أنها المرآة التي تعكس اهتمام الأمم بالعلم والمعرفة، كما أنها تُعتبر مراكز لإنتاج وصناعة الأفكار. ولأن المعركة اليوم هي معركة أفكار بالمقام الأول، فلابد للأمة الإسلامية أن تولي اهتمامًا لكل ما يعين على إنتاج الأفكار وصناعة الوعي والمعرفة.

كما أن هذه المراكز تساهم في تراكم المعارف وحفظ تراث الأمة ومنجزاتها المعرفية، “فحفظ المنجز الفكري والسياسي والاجتماعي والعلمي لمجتمع ما هو ممارسة واعية بالتحولات والتطورات التي تحصل في المجتمع، وعملية هادفة لتأكيد ذاكرة المجتمع الحضارية. وتلك المراكز هي بمثابة المخزن والوعاء لذاكرة التاريخ الإنساني في أبعاده المختلفة”. (1)

ولذلك يحتاج العالم العربي والإسلامي إلى المراكز والمؤسسات التي تهتم بالبحث العلمي، وبصناعة الأفكار والمعارف، كما يحتاج إلى تبيين الموقف الشرعي من قضايا الفكر المعاصر؛ حتى لا يتم قبول ما يجب رده، ولا رد ما يمكن قبوله والانتفاع به.

والسطور التالية تتضمن بعض الإشارات للوضع الراهن لمراكز البحوث في العالم العربي وأهم التحديات التي تواجهها، كما تتضمن بعض الأمثلة على مراكز بحوث ودراسات تهتم بإنتاج المعرفة وتشكيل الوعي والتركيز على قضايا الأمة الراهنة سواء الفكرية أو العقدية أو الاجتماعية.

مراكز البحوث وصناعة القرار

مراكز الأبحاث

مراكز البحوث والدراسات أصبح لها دور مهم في إنتاج الأفكار والمساهمة في صناعة وتقديم المعرفة في مختلف المجالات، فهي المنوطة بالبحث والتحليل وتقديم حلول للمشكلات واستشراف رؤى مستقبلية. كما أن تلك المراكز تقوم بدور مهم في صناعة وتوجيه القرارات في بعض الدول.

فنجد أن مراكز البحوث الغربية تلعب دورًا في الواقع في المجال السياسي وفي توجيه القرارات، فهذه المراكز تصدر التحليلات والدراسات التي تتعلق بالقضايا المهمة والتي يستعين بها صانعو القرار ووسائل الإعلام وغيرهم.

في الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ خاص، تقوم مراكز البحوث بدور كبير في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية، وتُعرف بالـ(Think Tanks). وتكون بعض المراكز الأمريكية على اتصال مباشر بصناع القرار السياسي والاقتصادي والعسكري من ناحية، ومن ناحية أخرى يتجه أصحاب القرار أنفسهم لهذه المراكز من أجل بناء التصورات واتخاذ القرارات في المجالات السياسية والاقتصادية وغيرها. (2)

مراكز البحوث والتحديات الراهنة

مراكز الأبحاث في العالم العربي

تواجه مراكز الأبحاث في العالم العربي تحديات كثيرة تؤدي إلى ضعف تأثيرها ودورها في الدول العربية المختلفة؛ من هذه التحديات: الافتقار إلى مصادر تمويل مستقلة للإنفاق على الأبحاث والدراسات. في الواقع، لا تتجاوز مخصصات العالم العربي واحد في الألف من الدخل القومي، ونسبة التمويل العربي للبحث العلمي تتراوح بين 0.1% و0.3% من إجمالي الناتج المحلي لمعظم الدول العربية كما في إحصاءات اليونيسكو! ويتم مقارنة هذه النسب بنسب الإنفاق في إسرائيل ودول أخرى كأمريكا؛ حيث تنفق إسرائيل أكثر من 4% من إجمالي الناتج المحلي على البحث العلمي، وتنفق الولايات المتحدة ما لا يقل عن 2.8% من الناتج المحلي لها عليه. (3)

من التحديات التي تواجهها تلك المراكز أيضًا: ضعف مقدار الحرية الممنوحة لها، وكثرة الصراعات والحروب واضطراب الأمن والاستبداد الذي ينعكس بشكل كبير على الإنتاج المعرفي. من المشكلات أيضًا: ضعف آليات التعاون وعدم توفر قنوات اتصال وتنسيق بين مراكز الدراسات والأبحاث المختلفة على مستوى العالم العربي.

هناك تحدٍ آخر وهو: قلة المعلومات وعدم توفرها بسهولة حتى يتسنى للباحثين إيجادها واستخدامها، وأيضًا عدم توفر الكتب والدوريات خاصةً تلك التي تتناول القضايا المعاصرة. ومن التحديات: عدم التواصل أو التنسيق مع صناع القرار؛ مما يجعل التحليلات والرؤى وحتى التوصيات التي تأتي بها الأبحاث جامدة غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، فتصبح الأبحاث مجرد نظريات أو ترف فكري!

هناك عوائق أخرى تتعلق ببعض العوامل الاجتماعية، منها: ضعف التعليم الأساسي في العالم العربي مما يؤدي إلى قلة الاهتمام بالبحث العلمي والإنفاق عليه. ومن العوائق: النظرة السلبية للمجتمع العربي تجاه البحث العلمي مما يجعل المجتمعات غير قادرة على إدراك أهمية هذا الحقل وتأثيره في المعرفة، بل والحضارة، وهذا يجعل الكثيرين ينفرون من الالتحاق بمجال الأبحاث والدراسات، أضف إلى ذلك قلة عوائده المادية. (4)

رغم هذه التحديات إلا أنه مازال لدينا مراكز أبحاث تحاول التغلب على هذه العوائق لتتناول قضايا الأمة المختلفة وتعالج القضايا الفكرية المعاصرة وتقدّم الموقف الشرعي منها. وهذه بعض الأمثلة القليلة على مراكز الأبحاث التي تركز على قضايا الأمة الراهنة:

مركز التأصيل للدراسات والبحوث

تأسس مركز التأصيل للدراسات والبحوث في جدة عام 2006 م. ويهدف المركز إلى تأصيل القضايا العقدية وبناء المسلّمات الإيمانية، ونقد ومناقشة الاتجاهات والفرق والمذاهب المعاصرة المخالفة لمنهاج السنة النبوية، كما يهدف إلى تتبع ورصد الفكر المعاصر وأدواته النقدية وتوضيح الموقف الشرعي منها.

يقوم المركز بعدة مشاريع وأنشطة لتحقيق تلك الأهداف، منها: إصدار ونشر البحوث والدراسات التي تتناول بعض القضايا الشرعية والفكرية المختلفة، من الكتب التي نشرها المركز: كتاب “مفهوم تجديد الدين” لكاتبه د. بسطامي محمد سعيد، وكتاب “ظاهرة التدين الجديد وأثره في تمرير ثقافة التغريب” للكاتب أنور قاسم الخضيري.

كما قام المركز أيضًا بإطلاق منصة التأصيل، وهي منصة تعليمية متخصصة في العلوم الشرعية والإنسانية تقوم على توفير بعض المسارات والمساقات للتعلم الذاتي مجانًا. وتعرض المنصة بعض المسارات، منها مسار “راسخون” للدراسات الفكرية المعاصرة، والذي يهدف إلى إعداد باحث مؤصل في علوم الوحي، مستوعب لأهم مناهج العلوم الإنسانية، يمتلك أدوات البحث العلمي ومهارات التفكير.

مركز تكوين للدراسات والأبحاث

مراكز الأبحاث

مركز تكوين هو مركز بحثي غير ربحي، تأسس عام 2014 م. ويسعى المركز إلى إنتاج خطاب فكري معاصر يُعبّر عن منهج أهل السنة والجماعة، ويتم من خلاله فحص المفاهيم الفكرية المعاصرة على ضوء الوحي، ويقوم بتوليد مفاهيم ورؤى فكرية تسهم إيجابًا في تحسين أداء الخطاب الشرعي والفكري وترشيد تفاعله مع المستجدات المتحركة في الساحة.

ولذلك يهدف المركز إلى رصد الحالة الفكرية وملاحظة قضاياها الفاعلة وتقديم الرؤى الشرعية تجاهها، وإثراء المشهد الفكري بمنتجات فكرية عميقة تستمسك بهدى الوحي، كما يهدف لنقد الانحرافات الواقعة في المجال الفكري ومناقشة أصحابها بعلم وعدل وموضوعية؛ وذلك من خلال نشر الكتب التي تتضمن البحوث والدراسات، وإقامة الندوات والمحاضرات والدورات المختلفة.

ومن الكتب التي نشرها المركز وتعالج بعض القضايا الفكرية والمعرفية: كتاب “ميليشيا الإلحاد” لعبد الله العجيري، وكتاب “مشكلة الشر ووجود الله” لد. سامي عامري. كما تم نشر بعض المحاضرات على صفحة اليوتيوب الخاص بالمركز مثل محاضرة “القراءة والمعرفة في زمن شبكات التواصل” للأستاذ عبد الله الوهيبي، ومحاضرة: “مركزية القرآن الكريم في السجال الفكري المعاصر” للشيخ عبد الله العجيري.

مركز الفكر المعاصر

مركز الفِكر المعاصر هو مركز فكري يهتم بمعالجة القضايا الفكرية المعاصرة وبيان الحق فيها على نهج موضوعي وعلى فهم السلف الصالح. ويهدف المركز إلى تقديم الأبحاث والدراسات في القضايا العقدية والفكرية المعاصرة، كما يهدف إلى التعاون والتنسيق مع مراكز الأبحاث والمؤسسات العلمية الأخرى.

ويركز المركز على إصدار ونشر الكتب والدراسات بشكل أساسي، مثل كتاب “الإسلام الذي يريده الغرب: قراءة في وثيقة أمريكية” للكاتب صالح الغامدي والذي يحلل فيه تقرير مؤسسة راندإسلام حضاري ديمقراطي“. ومن الكتب أيضًا: “عندما يكون العم سام ناسكًا: دراسة تحليلية نقدية لموقف مراكز البحوث الأمريكية من الصوفية”، “الفكر الأنثوي مدخل جدلي في صراع الفكرة والفطرة”، وغيرها من الكتب والأبحاث.

أركان للدراسات والأبحاث والنشر

مراكز الأبحاث

أركان للدراسات والأبحاث والنشر هو مركز فكري مستقل تأسس عام 2017 م، ويسعى إلى دفع حركة البحث العلمي والارتقاء بأدواته في العلوم الاجتماعية والإنسانية، كما يسعى إلى الإسهام في تشكيل وعي الأُمة العربية والإسلامية والتعبير عن آمالها وفق منهجية علمية تعبر عن ثقافة الأمة.

من أهداف المركز: المساهمة في تغذية الرؤية الحضارية المعبرة عن الذاتية الثقافية للأمة العربية والإسلامية، وتشجيع البحث المنهجي في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، ومساعدة الباحثين على نشر أبحاثهم، وتوفير قاعدة علمية من البحوث والدراسات المتميزة في العلوم الاجتماعية والإنسانية.

ويقوم المركز بعدة مشاريع وأنشطة؛ منها على سبيل المثال: إعداد ونشر وطباعة الكتب والدراسات والتقارير والأبحاث العلمية، وتقديم الخدمات العلمية البحثية والمهنية للأفراد والقطاعات العامة والخاصة، وتقديم المشورة العلمية والبحثية في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأيضًا تقديم المنح البحثية ودعم ورعاية الباحثين والمؤسسات البحثية.

ومن الكتب التي نشرها المركز مؤخرًا: كتاب “بناء المفاهيم الأصيلة لعلوم الأمة” لمجموعة من المؤلفين، وكتاب “التعليم في الدولة العثمانية: دراسة لدور المدرسة من ظهور الدولة حتى وفاة السلطان سليمان القانوني” لد. أحمد عبد الله نجم.

ختامًا

وهناك الكثير من المراكز البحثية الأخرى التي تهدف لدفع حركة البحث العلمي والمساهمة في إنتاج المعرفة والعلم. وإنتاج هذه المراكز من كتب ومحاضرات وغيرها -مما هو متاح للعامة- منه ما يكون موجهًا للقراء لزيادة الوعي والمعرفة لديهم أو تحصينهم أمام بعض القضايا المعاصرة والتي قد تُلبس عليهم، ومنها ما يكون موجهًا للمتخصصين والباحثين في مثل تلك القضايا.

ولذلك نحتاج إلى الاستفادة القصوى من كل ما تقدمه تلك المراكز في مجال العلم والمعرفة، وتغيير الصورة النمطية عن البحوث والدراسات أنها موجهة فقط للمتخصصين.

كما على أصحاب الاختصاص أن يولّوا هذه المراكز الاهتمام والعناية من خلال: العثور على مصادر تمويل مستقلة لضمان استقلالية وعدم تأثر المراكز وأبحاثها، وأيضًا العمل على التنسيق بين المراكز في الأماكن المختلفة لتوسيع دائرة التأثير وتنسيق الموضوعات والمساحات فيما بينها، ومن المهم أيضًا العمل على توفير أكبر قدر من المعلومات والكتب والدوريات ليصل إليها الباحثون بسهولة.

147

المصادر
الكاتب

تقى محمد يوسف

مهتمة بالقضايا المتعلقة بالهوية والثقافة وبناء الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.