هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: The world according to Éric Zemmour لكاتبه: JOHN LICHFIELD في موقع: unherd.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان، نُشر المقال بتاريخ: 01.12.2021.

يمتاز المرشح اليميني لرئاسة فرنسا إريك زمور بالشفافية في إظهار غاياته، فهو يكره عام 2021، ويريد المضي قدمًا إلى الماضي الذي لطالما حلم به، يظهر هذا جليًا خلال الفيديو الذي نشره مؤخرًا على منصة اليوتيوب، فهو وإن استخدم أداة تواصل من العام 2021 إلا أنك تجده فيه قد توسط مكتبًا لامعًا عليه مذياع من ثلاثينيات القرن الماضي، وخلفه مكتبة من الكتب الجلدية، مرتديًا بذلة سوداء وهو يقرأ خطابه من ورقة بأسلوب جامد، متجنبًا النظر إلى عدسة التصوير إلا ثلاث مرات.

على الرغم من أن إريك زمور كان يحاول تقمص دور الجنرال شارل ديغول [1]، وهو يلقي أول خطاب له على راديو فرنسا الحرة من لندن في 18 يونيو 1940 راجيًا من فرنسا مقاومة الغزاة، إلا أنه قد ظهر مثل جورج السادس [2] المحتقن في فيلم “خطاب الملك”.

إريك زمور

قصد إريك زمور من هذا الإعلان أن يكون مناشدة للدولة الفرنسية المجيدة الآيلة إلى الاختفاء -أي فرنسا “فولتير”، فرنسا الحقيقية التي قد طمستها وفود المهاجرين والإسلام والاتحاد الأوروبي- فقال: “هذا البلد الذي تبحث عنه بشدة في كل مكان، والذي يشعر أطفالك بالحنين إليه دون أن يعرفوه.. هذا البلد المحتضر، أنت لم تغادر هذا البلد، بل البلد قد تركك كأنك غريب في دارك. أنتم منفيون في أوطانكم”، بينما ينتقل الفيديو بشكل متكرر إلى مشاهد عشوائية تلمح لقصده؛ مسلمون يصلون في الشارع، لاعبو كرة القدم البيض ينحنون ضد العنصرية؛ فتيات بيض يرتدين الحجاب. ثم يكمل قائلًا:

لم تعد المسألة متعلقة بإصلاح فرنسا، بل بإنقاذها.

فلهذا السبب قررت أن أصبح مرشحًا في الانتخابات الرئاسية. Vive la République (عاشت الجمهورية) وقبل كل شيء Vive la France (عاشت فرنسا)“.

المقطع بنفسه كان الرسالة، رسالة بغض إلى القرن الواحد والعشرين، رسالة عودة إلى العصر الذهبي لفرنسا، حيث كان السياسيون يجلسون خلف الميكروفونات على المكاتب الخشبية، لا على التلفاز مع مذيعي برامج الحوار، وحيث كان فريق كرة القدم الفرنسي أبيض بالكامل ولم ترتدِ النساء الحجاب.

 قبل ثلاثة أسابيع من نشر الفيديو، كان إريك زمور يتربع على عرش استطلاعات الرأي، حيث كانت شعبيته في آب (أغسطس) تساوي 18-19% في استطلاعات التصويت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقبلة، خلف الرئيس إيمانويل ماكرون (الذي حظي بنسبة 24-25%)، ولكنه تقدم على منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان، وتفوق على بقية السياسيين العاديين من اليمين واليسار. وقد حقق كل ذلك دون حتى التأكيد على أنه سيرشح نفسه.

لكن خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، بدأت هذه الشعبية بالزوال وأظهرت سبعة استطلاعات للرأي على التوالي أجرتها منظمات مختلفة أن دعمه يتلاشى. والأهم من بين كل هذه الاستطلاعات السابع الذي تم نشره بواسطة Harris Interactive، قبل يوم واحد من إطلاق الفيديو. حيث امتلك شعبية 13% فقط في المركز الرابع بعد أن هبط ست نقاط في ثلاثة أسابيع، في ظل هذه الظروف، يظهر هذا الأداء في الفيديو على أنه تخبط يائس من شخص فاقد للثقة. 

ويظهر هذا التخبط نتاج انهيار شعبيته جليًا حيث إنه كان قد قدم خروج الإعلان بضعة أيام، بعد أن كان من المقرر أولًا إطلاقه قبل مسيرة حاشدة كبيرة لـ 5000 شخص في قاعة حفلات موسيقية في شمال باريس. كما ظهر يوم أمس أن إريك زمور لم يطلب الإذن لاستخدام مقاطع من أفلام فرنسية كلاسيكية شوهدت في الفيديو.

نأى العديد من المؤيدين والداعمين البارزين بأنفسهم عن إريك زمور، وذلك لأنه تجاهل نصيحتهم بالتوسع في مطالب حملته والتحدث عن الاهتمامات اليومية للشعب الفرنسي -من القوة الشرائية إلى الكوفيد- وكذلك ألا يصب كامل تركيزه على الإسلام والهجرة. قام زمور بإدلاء إشارات عابرة إلى مثل هذه المخاوف في مقطع الفيديو، لكنه لم يقدم أي منهجية أو كيفية سيحكم فيها فرنسا بالفعل.

إريك زمور

تمتلئ تصريحات إريك زمور بحجته الأساسية بأن فرنسا البيضاء تواجه “الغرق” و”الاستعمار” بواسطة الهجرة والإسلام. قد تكون هذه الادعاءات مبالغًا فيها من الناحية الواقعية لكنها تمثل خوفًا حقيقيًا يتشاركه الكثيرون. فقد وجد استطلاع حديث للرأي أن 67% من الفرنسيين يعتقدون أن هناك بعض من الحقيقة في نظرية “الاستبدال العظيم” التي يتبناها زمور: وهي أن هناك محاولة متعمدة من قبل “النخبة” لاستبدال البيض بأصحاب البشرة السوداء والسمراء.

يرفض إريك زمور ما يسميه بالنظرة الانهزامية ضد الفرنسية التي ابتكرتها القوى العالمية المتمثلة الأوروبية وعمليات العولمة واليسار معادي القومية. ففرنسا -وفقًا لوجهة نظره- ليست دولة غنية متوسطة الحجم حررها الحلفاء عام 1944، بل هي حضارة عظيمة، أو أعظم الحضارات التي تم إحباطها وإسقاطها بشكل متعمد من قبل الأنجلو ساكسون وغيرهم. وبالتالي فإن “البديل العظيم” هو والمحاولة أخرى من قبل النخب العالمية للتآمر ضد فرنسا والفرنسية.

يظهر من المقطع أن إريك زمور رجل مخلص، وهو شيء مستغرب من سياسي. فلم يكن أي سياسي ليقدم إعلانًا غريبًا بهذا الشكل، ولكن زمور فعلها لأن ذلك يعكس بدقة ما هو عليه والطريقة التي يفكر بها. لكن هل ستثبت أيضًا أنها سياسة انتخابية جيدة؟ هذا مستبعد. من المؤكد أنه سينال إعجاب شريحة مؤيديه الأساسية وهي الشباب وكبار السن من الطبقة البرجوازية.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن شعبية إريك زمور الانتخابية عالية بين أثرياء القوميين المتطرفين أو أثرياء اليمين المتطرف، وكذلك حصل على بعض أصوات المحافظين القوميين الذين خسروا أمام النظام الانتخابي لسنوات. بالتالي يظهر أنه لا يهتم في حملته لمطالب الطبقة العاملة الفرنسية أو معاناتها. لكي يرفع من شعبيته الجماهيرية، يحتاج إريك زمور إلى توسيع قاعدة دعمه لتشكل غير الطبقة البرجوازية الكاثوليكية أو القومية المتطرفة، لكن لا شيء في خطاب الأمس يلمح لذلك المحتمل أن يكون كذلك.

يبدو أن إريك زمور في نهاية المطاف مهتم بأن يفرض نفسه أكثر من اهتمامه بكونه رئيسًا.

159

الكاتب

أحمد مصطفى

مسلم أرجو من الله الهداية واتباع الحق.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.