هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال:France Bombs Muslim Wedding in Mali: Is Anyone Talking About It لكاتبه: Dr. Tumadir على موقع: muslimskeptic.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

في خضم الحرب الثقافية، والتي يقف فيها مصير اللائكية (العلمانية الفرنسية الدستورية) المقدسة في فرنسا، ومفهومها عن حرية التعبير- على المحك، تواجه فرنسا المزيد من الأخبار غير السارة.

فأثناء عملية عسكرية في وسط مالي في الثالث من يناير 2021، حدثت ضربة جوية -قيل أنها فرنسية- أودت بحياة 19 مدنيًا، فيما أنكرت فرنسا هذا الأمر، لتقول بأنها استهدفت حوالي 30 شخصًا ممّن اعتبرتهم إرهابيين إسلاميين وقتلتهم، إلا أن أهالي القرية صرحوا بأن هذا القصف استهدف عرسًا، في حين أن منظمة أطباء بلا حدود صرحتْ بأن الذين عولجوا من هذه الضربة كانوا من المسنين.

وإلى أن تأخذ التحقيقات مسارها، فغالبًا أننا لن نعرف كامل القصة. وقد غاب هذا الخبر إلى حدٍ كبيرٍ في خضم أخبار “اقتحام” مبنى الكابيتول في الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي تتعرض فيه “معاقل الحرية والديمقراطية” للهجوم، كذلك كان العُزَّل من المسلمين حول العالم، يموتون في سبيل الحفاظ على الديمقراطية التي يتغنى بها الغرب ويعلك بها.

من الضحايا؟

موت المدنيين في الحروب ليس بالجديد. إلا إن ما يسترعي الانتباه أكثر فأكثر، هي الأساسات التي تصدر عليها قرارات إزهاق الأرواح، تلكم الأساسات التي أحيانًا تتوسع لتتجاوز الحد الذي يتقبله معظم المدنيين. والأَمَرُّ من ذلك، ما وصلت إليه الأرقام الهائلة لقتلى المدنيين -وغالبهم من المسلمين- في الحرب على الإرهاب. ومثال على ذلك، ما ذكرته جامعة براون في مشروع تكلفة الحرب: “لقد قرر الجيش الأمريكي عام 2017 التراخي فيما يخص قواعد الاشتباك الخاصّة بالقصف الجوي في أفغانستان، ما أنتج زيادةً هائلةً في قتلى المدنيين. فمن آخر عام لإدارة أوباما حتى آخر عام كامل من البيانات المسجلة في إدارة ترامب، تزايدت أعداد القتلى من المدنيين في الضربات الجوية الأمريكية بأفغانستان 330%.

لقد دفع المدنيون الأفغان ثمن تصعيد جميع الأطراف للعنف في محاولة منهم لكسب أوراق للتفاوض في المباحثات بين الولايات المتحدة وطالبان. وتظهر البيانات مقارنةً بالسنين العشرة التي مضت، فقد حدثت زيادة قدرها 95% في قتلى المدنيين الذي سقطوا جراء الضربات الجوية للقوات الأمريكية وقوات التحالف ما بين عامي 2017 و2019. بالإضافة إلى ذلك، فأثناء المفاوضات الأفغانية الداخلية، قتلت القوات الجوية الأفغانية من المدنيين أكثر من أي وقت مضى. وفي عام 2018 فقط، قتلت الضربات الجوية 3800 مدني.”

يمكن لنا أن نقارن هذه الضربات بشكلين مختلفين من القصف جريا في الحرب العالمية الثانية. حيث يذكر أناند غوبال (Anand Gopal) في مقاله “حرب أمريكا على المدنيين السوريين” (America’s war on Syrian civilians)، القصفَ البريطاني عام 1942 الذي كان يستهدف مناطق الطبقة العمالية في المدن الألمانية “في سبيل إرهابهم” كما نص عليه تشرشل فيما بعد. بينما أشار غوبال إلى اعتماد فرنسا الحلفاء الطيران المنخفض، حين الهجوم على الفرنسيين الفيشيين (المتحالفين مع الألمان)، مع حرصهم على عدم تدمير المدن بأكملها والحفاظ على أرواح من فيها، فهم على أية حال أبناء البلد، والبلد بلدهم.

إن مثل هذه الروابط الوطنية بين فرنسا الحلفاء وفرنسا فيشي إذا ما اختفت، فإن هذه الحكومات تتقاتل فيما بينها متترسةً بكامل أسلحتها، مع الحرص على إيقاع أكبر قدر من الأضرار على عدوها وكل من يقف بطريقها، مع حماية نفسها قدر الإمكان من أي ضرر. فيخسرون إنسانيتهم التي لطالما تغنوا بها، وهي الإنسانية المزعومة نفسها التي تأهلهم -كما يزعمون- ليصبحوا من حملة السلاح النووي وحكام العالم. بالنسبة للمسلمين، فإن روابطهم ببعضهم البعض تتعدى كل الهويات قومية؛ فهو الرابط الأقوى من أي قطعة أرض أو حتى بعض الممارسات الثقافية المشتركة. بل هي قيم مشتركة، ورابطة الإيمان، والتعظيم للخالق. ولذلك فالأذى الذي ينال للمسلمين العزل يؤلم كل المسلمين في أنحاء العالم.

ويشير الكاتب نيل رينيك (Neil Renic) في كتابه الحرب غير المتكافئة: تجنب المخاطر، والحرب العادلة، وأخلاق المحارب Asymmetrical Killing: Risk Avoidance, Just War, and the Warrior Ethos – ص195، طبعة 2020 يشير قائلاً:

ما هو جائزٌ قانونًا؛ ليس بالضرورة أن يكون أخلاقيًا.

إنّ الصراع بين قوانين الحرب وبين الأخلاق ينشأ دائمًا في ظل أنظمة الحكم العلمانية. فعلى أية حال، لا تنبع الأخلاق إلا من التمسك بالإيمان، وهي ما تتجاهله العلمانية تحديدًا.

إن سياسات فرنسا تجاه المسلمين في بلادهم، إضافة إلى ممارساتهم القانونية (اللاأخلاقية) تظهر فشل الديمقراطيات في ضمان الحرية التي زعموا تقديمها وتمثيلها. ويظهر ذلك بكل وضوح، في مسودة القانون المقترح الجديد لمكافحة ما أسموه بـ”النزعات الانفصالية”، وقد وافق عليه مجلس النواب في الجمعية الوطنية بفرنسا. لقد أصبحت اللائكية دينًا بحد ذاتها، بعد أن كان إنشاؤها لغرض تقديم أرضية محايدة بين الأديان المختلفة للتعايش، بحيث يملي معتنقوها إلى أي مدى تسمح للأفراد بممارسة دينهم.

أسئلة يجب أن تُطرح

فرنسا مالي

مثل هذا التحقير للأديان، ينبغي أن يستدعي التفكيرَ في سياسات فرنسا وعلاقاتها مع المستعمرات السابقة، التي لا يزال لدى العديد منها حكومات موالية لفرنسا. ومن هذه الأسئلة هي كيف تتعامل حكومة موالية لفرنسا مع المواطنين المسلمين يا ترى؟ وإلى أي مدى يمكن التضحية بهم عندما تقرر فرنسا والحكومة المحلية القيام بعمليات عسكرية ضد الجماعات المسلحة العاملة داخل البلاد؟ ربما يكون الجواب “كلهم”.

في 16 من فبراير 2021، أعلنت فرنسا انه لا خطط لديها للانسحاب من منطقة الساحل الأفريقي قريبًا، في معرض حديث ماكرون عن المصالح القومية. ماذا يعني هذا الأمر للمسلمين في بلادهم؟

لا يعني هذا الأمر أن هذه البلاد لا تعاني من العنف المحلي، بل عليها أن تعالج هذه المشاكل. ولكن ينبغي القول بأن التدخل العسكري من طرف الدول الطامعة لضمان مصالحها و”القيم الديمقراطية” غالبًا ما هي نفسها تتسبب في الأزمات الإنسانية حول العالم الإسلامي.

286

الكاتب

أحمد سالم

مترجم وصيدلاني

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.