اختيارات المحرر

مصفوفة الرهانات في الصراع الأمريكي الإيراني الإسرائيلي

منذ أكثر من أربعة عقود، يشكل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران أحد المحاور الأساسية في معادلات الأمن في الشرق الأوسط، بينما تلعب إسرائيل دوراً محورياً في هذه المعادلة بحكم موقعها الاستراتيجي وحساسيتها تجاه التوازنات العسكرية في المنطقة. غير أن هذا الصراع لا يمكن اختزاله في صورة مواجهة تقليدية بين جيوش نظامية، بل هو أقرب إلى منافسة استراتيجية متعددة المستويات تتداخل فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والاستخباراتية.

فلكل طرف تصور مختلف لطبيعة الصراع وأدوات إدارته. الولايات المتحدة تميل إلى توظيف منظومة واسعة من عناصر القوة الصلبة والناعمة، مستندة إلى تفوق عسكري عالمي وشبكة تحالفات واسعة. أما إيران فتسعى إلى موازنة هذا التفوق عبر استراتيجية تعتمد على الصمود وإطالة أمد المواجهة، مع توظيف موقعها الجغرافي وقدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي. بينما في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذا الصراع من زاوية أمنها القومي المباشر، وتسعى إلى منع تشكل أي تهديد استراتيجي طويل المدى على حدودها.

هذه الاختلافات في الرؤية تجعل الصراع أشبه بـ توازن رهانات؛ حيث يراهن كل طرف على مجموعة من الأدوات والعوامل التي يعتقد أنها قادرة على ترجيح الكفة لصالحه.

ويجدر التنويه إلى أن الرهانات إنما هي أحد مداخل فهم دوافع الحرب من خلال فهم مرتكزات الفواعل الأساسية فيها، وبالتالي فهي بعيدة عن التقييمات والاصطفافات التي تحدث بسبب بعض الإكراهات التاريخية والسياسية.

أولاً: رهانات الولايات المتحدة: القوة الشاملة وإدارة البيئة الاستراتيجية

تعتمد الولايات المتحدة على ما يمكن وصفه بـ استراتيجية القوة الشاملة، التي تجمع بين التفوق العسكري والاقتصادي والدبلوماسي.

التفوق العسكري والتكنولوجي

التفوق العسكري للولايات المتجدة

تمتلك الولايات المتحدة أكبر ميزانية دفاعية في العالم، حيث يتجاوز إنفاقها العسكري مجموع إنفاق العديد من القوى الكبرى مجتمعة. ويمنح هذا التفوق واشنطن قدرة هائلة على تنفيذ عمليات عسكرية بعيدة المدى تعتمد على الطيران المتقدم والأنظمة الفضائية والضربات الدقيقة.

وقد أدى التطور التكنولوجي إلى تحول كبير في طبيعة الحرب الحديثة، حيث أصبحت القدرة على السيطرة على المعلومات والفضاء الإلكتروني عاملاً حاسماً في الصراع العسكري. فالعمليات العسكرية الأمريكية تعتمد بدرجة كبيرة على شبكات القيادة والسيطرة والاتصالات المتقدمة التي تسمح بتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف استراتيجية.1

شبكة التحالفات الدولية

الميزة الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة تكمن في قدرتها على بناء تحالفات دولية واسعة، فواشنطن تقود منظومة تحالفات تمتد عبر أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وهو ما يمنحها قدرة على توزيع الأعباء العسكرية والسياسية.

القواعد العسكرية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط

وفي الشرق الأوسط، تعتمد الولايات المتحدة على شبكة من الشراكات العسكرية والقواعد العسكرية التي تسمح لها بالحفاظ على حضور استراتيجي دائم في المنطقة. وتشير الدراسات إلى أن هذه الشبكة من التحالفات تشكّل أحد أهم عناصر التفوق الاستراتيجي الأمريكي2، وان كان المشهد يبدو متجهاً نحو سقوط هذه التحالفات بعد وصول ترمب، إلا أن الأصول العسكرية والقواعد المنتشرة والعبء اللوجيستي تحجب أي قيادة عن قرار التخفف من الالتزامات بالشكل الذي يعبر عن استغناء كامل.

الضغط الاقتصادي والعقوبات

إلى جانب القوة العسكرية، تستخدم الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية كأداة رئيسية للضغط على إيران. فقد فرضت واشنطن منذ سنوات عقوبات واسعة تستهدف قطاعات النفط والمال والتجارة الإيرانية.

وقد أظهرت دراسات اقتصادية أن هذه العقوبات أدت إلى تراجع كبير في الاستثمارات الأجنبية وتباطؤ النمو الاقتصادي في إيران، مما أثر بشكل واضح على الاقتصاد الإيراني، ولم تقتصر لعبة أمريكا ضد إيران في تأزيم اقتصادها الداخلي فقط، بل أيضاً في تأزيم بيئتها الاقتصادية الخارجية بحيث تُحاصر تعاملاتها التجارية من خلال فرض الولايات المتحدة عقوبات ضد من يتعامل مع إيران.3

تهشيم عناصر القوة الإيرانية 

تسعى الولايات المتحدة في إطار إدارة الصراع مع إيران، إلى استهداف ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ مراكز الثقل أو عناصر القوة التي يقوم عليها النفوذ الإيراني في المنطقة. ولا يقتصر هذا المسعى على المواجهة العسكرية المباشرة، بل يشمل مزيجاً من الأدوات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية. فمن جهة، تُوجَّه الضربات أو الضغوط نحو البرنامج الصاروخي والبنية العسكرية التي تمثل أحد أهم أدوات الردع الإيرانية، ومن جهة أخرى يجري العمل على تقليص شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران عبر حلفائها في عدد من دول الشرق الأوسط.

كما تُستهدف القدرات الاقتصادية والتكنولوجية لإيران عبر العقوبات والقيود المفروضة على التجارة والاستثمار، بما يحد من قدرتها على تمويل برامجها العسكرية وشبكاتها الإقليمية، وبهذا المعنى تقوم الاستراتيجية المقابلة على فكرة إضعاف عناصر القوة الإيرانية تدريجياً عبر ضربها في أكثر من مستوى في الوقت نفسه4، بحيث يؤدي تراكم الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية إلى تقليص هامش المناورة الاستراتيجية لدى طهران، وقد لاحظنا خلال الحرب قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الوصول إلى العمق الإيراني ومهاجمة مراكز الثقل المدني وبعض المنشأت الطاقوية وكذلك القدرة على الوصول الى القيادات النوعية.

ثانياً: رهانات إيران: استراتيجية الاستنزاف

في المقابل، تدرك إيران أن الدخول في مواجهة عسكرية تقليدية مباشرة مع الولايات المتحدة قد يكون مكلفاً للغاية. ولذلك تعتمد على استراتيجية تقوم على المرونة والاستنزاف وإدارة الزمن.

الترسانة الصاروخية وإدارة المخزون

تعد الصواريخ الباليستية أحد أهم عناصر القوة العسكرية الإيرانية. وقد استثمرت إيران بشكل كبير في تطوير برنامج صاروخي واسع النطاق يتيح لها ضرب أهداف بعيدة المدى في المنطقة.

صواريخ باليستية إيرانية

وتشير التقارير العسكرية إلى أن إيران تمتلك واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في الشرق الأوسط، وهو ما يمنحها قدرة مهمة على الردع في مواجهة خصومها5، ولا يقتصر دور هذه الترسانة على امتلاك الصواريخ فحسب؛ بل يمتد إلى إدارة مخزونها الصاروخي بصورة محسوبة من خلال توزيعها على قواعد متعددة وتوظيفها تدريجياً ضمن استراتيجيات التصعيد المدروس، بما يسمح بالحفاظ على القدرة الردعية لفترات طويلة خلال الأزمات أو الحروب الممتدة.

إدارة التصعيد

تعتمد إيران في إدارة الصراع مع خصومها، وخصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل، على ما يمكن وصفه في الأدبيات الاستراتيجية بسياسة التصعيد المتدرّج أو ما يُعرف أحياناً بـ الردع عبر الحافة. تقوم هذه المقاربة على رفع مستوى التوتر أو الرد العسكري بصورة محسوبة ومتدرجة، وفي هذا الإطار، تميل طهران إلى استخدام أدوات متنوعة مثل: العمليات غير المباشرة، والقدرات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، بما يسمح لها بتوسيع نطاق الضغط على الخصم مع الحفاظ في الوقت نفسه على درجة من الإنكار أو التحكم في مستوى التصعيد. وتشير العديد من الدراسات إلى أن هذه الاستراتيجية تمنح إيران مرونة عالية في إدارة الصراع6، إذ تستطيع رفع مستوى التوتر أو خفضه تبعاً للظروف السياسية والعسكرية، وهو ما يوفر لها هامشاً واسعاً للمناورة في مواجهة قوى عسكرية متفوقة تقنياً وعسكرياً مثل الولايات المتحدة.

توظيف الزمن كعامل استراتيجي

يعد الزمن أحد أهم عناصر الاستراتيجية الإيرانية. فإطالة أمد الصراع قد يؤدي إلى زيادة الكلفة الاقتصادية والسياسية على الخصوم، خصوصاً في الأنظمة الديمقراطية التي تتأثر فيها القرارات السياسية بالرأي العام، ولا يعتبر الزمن أداة لقياس الوقت فقط بل هو أيضا يُعرف في سياق المعارك بأنه القدرة على التغيير و الملاءمة مع البيئة والخصم والتحكم في التوقيت والمبادرة7، ويمتد إلى القدرة على تشكيل زمن المواجهة نفسه بما يتناسب مع البيئة العسكرية وسلوك الخصم. ويشمل ذلك تسريع العمليات عند الحاجة، إبطاؤها، أو حتى تأجيلها وتحويلها إلى عامل ضغط في سياق المقاومة والردع.

وقد أظهرت تجارب تاريخية عديدة أن الحروب الطويلة يمكن أن تؤدي إلى تآكل الإرادة السياسية للخصم، حتى في حال تفوقه العسكري.

الضغط على أسواق الطاقة العالمية

يمثل الخليج العربي أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ويعد مضيق هرمز نقطة استراتيجية حيوية في الاقتصاد العالمي.

مضيق هرمز

وفي حال تصاعد الصراع، يمكن لإيران أن تستخدم موقعها الجغرافي لتهديد طرق إمدادات النفط، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية. وتشير الدراسات إلى أن أي اضطراب في حركة الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة.8

ثالثاً: رهانات إسرائيل

تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر لأمنها القومي، خصوصاً في ظل البرنامج النووي الإيراني.

منع امتلاك السلاح النووي

المفاعلات النووية الإيرانية

يشكل منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية للسياسة الأمنية لإسرائيل. وقد دفع هذا الهدف تل أبيب إلى اعتماد عمليات سرية واستخباراتية دقيقة استهدفت البرنامج النووي الإيراني على مدى سنوات، بما في ذلك جمع المعلومات الاستخباراتية، مراقبة المنشآت النووية، والتدخل المباشر أحياناً لتعطيل تطوير التقنيات النووية الحساسة. وتعكس هذه الإجراءات اهتمام إسرائيل بالحفاظ على التفوق الأمني في المنطقة، ومنع إيران من الوصول إلى مرحلة القدرة النووية العسكرية، وهو عنصر رئيسي في استراتيجية الردع الإسرائيلية.9

تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني

تسعى إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة، إلى تقليص قدرة إيران على العمل عبر حلفائها الإقليميين من خلال استهداف البنى العسكرية المرتبطة بهذه الشبكات داخل الساحة الإقليمية، بما في ذلك مواقع دُمرت أو ضُربت في سوريا ولبنان وأماكن أخرى في إطار الحرب القائمة. وتظهر التقارير الحديثة أن هذا الضغط المشترك أدى إلى تراجع نشاط بعض الحلفاء وعدم انخراطهم الكامل في مواجهة مفتوحة، وهو مؤشر على أن العمليات العسكرية تستهدف تجريد شبكات النفوذ الإيرانية من قدرتها على توسيع نطاق الصراع أو استنزاف القوى الإسرائيلية والأمريكية.10

التفوق الاستخباراتي

التفوق الاستخباراتي

تعتمد إسرائيل بشكل كبير على قدراتها الاستخباراتية المتقدمة، والتي تشمل التجسس البشري، العمليات السيبرانية، والمراقبة الفضائية. وقد أثبتت هذه القدرات فعاليتها في تنفيذ عمليات دقيقة استهدفت منشآت عسكرية وشخصيات بارزة ضمن البرنامج العسكري الإيراني، بما في ذلك جمع المعلومات الاستخباراتية التي مكنت من توجيه ضربات دقيقة وتقليل المخاطر على القوات الإسرائيلية. وتُظهر هذه الأدوات الاستخباراتية كيف تتمكن تل أبيب من التحكم بالمعلومات الميدانية، وتتبع تطورات القدرات العسكرية الإيرانية، وتعطيل خطط التوسع الإقليمي لطهران.11

الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة

تدرك إسرائيل أن ميزان القوى الاستراتيجي في الشرق الأوسط مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدعم الأمريكي، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي. ولهذا، تسعى تل أبيب باستمرار إلى الحفاظ على مستوى مرتفع من التنسيق مع واشنطن، يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، التدريبات المشتركة، وتنسيق السياسات الإقليمية. ويعد هذا التعاون عنصراً أساسياً في تعزيز التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي، وضمان قدرة الدولة على مواجهة التحديات الإقليمية، وخصوصاً النشاطات الإيرانية وحلفائها في المنطقة.

خاتمة

تكشف المقارنة بين رهانات الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل عن ثلاث مقاربات مختلفة لإدارة الصراع.

  • فالولايات المتحدة تعتمد على القوة الشاملة متعددة الأدوات التي تجمع بين التفوق العسكري والتحالفات الدولية والضغط الاقتصادي.
  • أما إيران فتعتمد على استراتيجية الاستنزاف وإدارة الزمن، مستفيدة من قدراتها الصاروخية وموقعها الجغرافي ونفوذها الإقليمي.
  • بينما تميل إسرائيل إلى الضربات الوقائية والعمليات الاستخباراتية الدقيقة بهدف منع تشكل تهديد استراتيجي طويل الأمد.

ويشير هذا التباين في الاستراتيجيات إلى أن الصراع في الشرق الأوسط سيظل في المستقبل القريب صراعاً مركباً بين نماذج مختلفة من إدارة القوة والزمن في العلاقات الدولية.

المراجع

  1. Emerging Military Technologies: Background and Issues for Congress ↩︎
  2. Leveraging Allies and Partners ↩︎
  3. Iran Sanctions ↩︎
  4. Assessing U.S. Progress in the Iran War ↩︎
  5. Missiles of Iran ↩︎
  6. Iran’s Retaliation: Choreography, Escalation Management, and the Mirage of “All-Out” War ↩︎
  7. Tempo in Army’s Contribution to Australian Defence Strategy ↩︎
  8. IEA: Global economy faces ‘major, major threat’ because of Iran war ↩︎
  9. Iran’s War With Israel and the United States ↩︎
  10. The US-Israeli strategy against Iran is working. Here is why ↩︎
  11. ?How extensive are Israel’s intelligence operations inside Iran ↩︎

ميلود شيبانة

مهندس عمليات، وباحث في الشؤون الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى