كتاب “المَخرَج الوحيد” لكاتبه “د/ عبد الله الشهري” اهتمَّ بالإلحاد لكنَّه لمْ يُفردْ له حديثًا مُعنونًا خالصًا. بل بثَّه بثًّا في ثنايا الكتاب -وهذا طبيعيّ لأنَّ الكتاب كلَّه تناول من قريب ومن بعيد للإلحاد الجديد ومظاهره- عن طريق استعدائه مع كلِّ شيء يرتبط به مثل “نظريَّة التطوُّر” باتجاهها الإلحاديّ، والحديث الهامّ عن معنى الحياة، والحديث عن الألوهيَّة. وبالعموم نستطيع ضمَّ الإلحاد إلى المَخارج غير الصحيحة لإنسان العصر الحديث من أزمته الوجوديَّة الخانقة.

وقد ربط الكاتب الإلحاد بالحياة ومعناها العموميّ، وهو أسلوب أشدّ تأثيرًا ونجاحًا في قلوب وعقول السامعين؛ حين يقارن كلٌّ منهم بين هذه الرؤية المأساويَّة الإلحاديَّة وبين الحياة ذات المعنى التي تأتلف مع نفسيَّة الإنسان وتدفعه إلى مُمارسة الحياة لا التخلُّص منها. وقد ربط هذا الربط لأنَّه يرى أنَّ أساسَيْنِ يُوجِّهان نظر الإنسان إلى المُستوى العُلويّ: حقيقة أنَّ البشر مخلوقات فانية عابرة، والشعور الضمنيّ بأنَّ للحياة هدفًا. ولهذا سأحاول التركيز على بعض من الأفكار عن الإلحاد التي أوردها، وعن معنى الحياة في ظلال التصوُّر الإسلاميّ. مُضيفًا ما قد يكمل الرؤية أمام القارئ الكريم.

القسم الأوَّل: الإلحاد واللا أدريَّة والصُّدفة

يمثِّل الإلحاد أو إنكار الإله ركيزةً من ركائز الوضع الإنسانيّ الراهن؛ من حيث انتشاره في الأوساط العامَّة في العالم الغربيّ، ومن حيث اتخاذه موقفًا لطائفة من علماء تجريبيِّيْنَ، ومن حيث إنَّ الغطاء الفلسفيّ العامّ لما بعد الحداثة مُفضٍ إليه؛ ومن حيث إنَّ هذه العوامل تُلقي بظلالها على عالَمنا الإسلاميّ مُخترقةً إيَّاه.

ومن هذه المُعطيات بَحَثَ الكاتب جوهر الإلحاد، وحالة اللا أدريَّة، وتفسيرهما. يورد الكاتب طُرفة قصَّة عائلة “آل باتيسون” التي يعتنق أبواها الإلحاد والتي اعتادت على سماع أبيهم كلَّ صباح يقرأ عليهم “الإنجيل”، فإذا قالوا له: لماذا تفعل ذلك؟ ردَّ: كيْ لا يكبر الأطفال ويصيروا مُلحدين فارغي العقول.

عن الإلحاد

يُقرِّر الكاتب أنَّ الإلحاد ليس قرارًا عقليًّا ضروريًّا يلزم الإنسان، بل هو موقف تدفع إليه عوارضُ تطرأُ على الإنسان. وهو هُنا يقصد أنَّ الإلحاد ليس موقفًا فطريًّا يجده الإنسان في نفسه مَركوزًا، بل هو موقف يستجدُّه الإنسان ويُقرِّره بإرادته. ليس أدلَّ على هذا من كون الإلحاد عارضًا وليس أصيلاً، فلو كان موقفًا فطريًّا لوجدنا غالب الناس مُلحدين، لكنَّ العكس هو الصحيح الذي نراه جميعًا أنَّ غالب الناس مؤمنون وبعضهم فقط ملحدون، وأنَّ هؤلاء البعض لا يُولَدون مُلحدين بل “يصيروا” كذلك. كما أشار إلى دراسات أكَّدتْ على قضيَّة أنَّ الأطفال يولدون على فطرتهم مؤمنين.

الإلحاد ليس تفكيرًا مُنضبطًا يسير وفق منطق سديد، بل هو “تفكير رَغْبَوِيّ” أيْ نابع من رغبة المُلحد المحضة في إنكار الإله ووجوده، وهو تفكير يتبع هوى الإنسان لا فكره المُنضبط. ويذكر للتمثيل موقف الفيلسوف “توماس نيجل” الذي يؤكد فيه على أنَّه لا يريد أن يكون هناك إله ويكره تلك الفكرة من وجود كيان أكبر وأعظم يراقبه طوال الوقت ويستطيع التحكُّم فيه وفي حياته وموته، ويخضع هو لتحكُّمات ورغبات هذا الكيان الأعظم الذي لا يقدر على مُجابهته بشيء. وهنا نرى كيف صار الإلحاد أقربَ ما يكون للموقف النفسيّ الوجوديّ الذي ينبع من شعور ضياع هُوِيَّة الإنسان والتفكُّك المعرفيّ، لا من الموقف الفلسفيّ الذي كان موجودًا من قبل.

والإلحاد أيضًا يعتمد على موقف إيمانيّ أيْ موقف عقديّ؛ حيث لا يستطيع إثبات قضيَّة “عدم وجود إله” لا فكرًا ولا علمًا. وساعتها يلجأ المُلحد إلى مجرد إقرار هذه القضيَّة بشكل تعسُّفيّ غيرَ عابئٍ بالتدليل عليها أو البحث عن مدى صحَّتها. كلُّ ما في الأمر أنَّه يريد هذا دون إثبات -أو بإثبات تلفيقات يحتجُّ بها- لكنَّه يريد أنْ يكون هذا التصوُّر هو الحقيقة بأيّ ثمن. ومن هنا نرى أنَّ الإلحاد موقف ادِّعائيّ للصحة، ودوجمائيّ مُتعصِّب إلى أقصى مدى مُمكن خاصَّةً في مُواجهة الكُتلة الأعظم المُؤمنة.

نفسيَّة المُلحد في آية من القرآن

يقول الكاتب في كلمات تركُّز على فعل المُلحد ونفسيَّته: “إنَّ المُلحد في الواقع لا يكتشف عدم وجود الإله هكذا بشكل طبيعيّ، أو من خلال تأمُّل منطقيّ صادق. ولكنَّه بالأحرى يكتشف حاجته إلى الله ثمَّ يسعى بعُنف لتدمير تلك الحاجة بأيّ تكلفة، أو يُصارع من أجل تجاهُل تأثيراتها المُزعجة. سوف يكتشف المُلحد في نفسه كُلَّما زاره اهتمامٌ طبيعيٌّ بالقِيَم المُطلَقَة أو انتابَه تطلُّعٌ لما وراء وجوده آثارًا للسُّمُوِّ على الطبيعة لمْ تُمحَ بعدُ. لتصبح مهمته في الحياة هي التخلُّص الدؤوب من هذه الآثار، وإنْ تركتْ ما تركتْ من النُّدُوب”.

ومن ثمَّ يرى أنَّ القرآن يُلِّخص موقف الإلحاد في آية (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) -الفُرقان 55-. فها هو يريد أنْ يَظهَرَ على الإله بأيّ ثمن ويريد أنْ يفرض وجهة نظره التي تُنكر وجود الله رغم أنف الجميع، ورغم أنف مُسلَّمات عقله هو نفسه.

الإلحاد والتوحيد

ومِمَّا يتعلَّق بالإلحاد أيضًا وجهة نظر ساقها في الفصل الرابع عن علاقة الإلحاد بالتوحيد. فهو يرى أنَّ الناس دومًا تتصوَّر الإلحاد والتوحيد على طرفَيْ نقيض. بَيْدَ أنَّه يرى أنَّ الإلحاد يضمر توحيدًا؛ فهو يرى أنَّ الإلحاد توحيد سلبيّ، مُخالف للتوحيد الإيجابيّ -التوحيد بمعناه المعروف. وأنَّهما مشتركان في أنَّ كليهما يُوحِّد التصوُّرات حول فكرة بعينها.

هذه الفكرة وجوديَّة عند المؤمن وهي وجود الله، عدميَّة عند المُلحد وهي نفي وجوده. وأنَّ كليهما أيضًا يسعى لتوحيد الناس حول أفكار وقِيَم مُحدَّدة فيحدث بينهم التجانُس والقضاء على التحزُّبات. وفي النهاية يُقرِّر أنَّ التوحيد وحده هو القادر على هذه المهمة.

عن اللا أدريَّة

اللا أدريَّة هي توقُّف الإنسان عن الحُكم في موضوع وجود الإله من عدمه. وينفي الكاتب أنْ تكون اللا أدريَّة موقفًا حياديًّا. بل يرى أنَّها منصَّة قفز مُحتملة إلى الإلحاد. ولعلَّ هذا الرأي مِمَّا يُخالف فيه البعض. ثُمَّ يصف الكاتب اللا أدريّ بأنَّه:

شخص يتقمَّص اللامبالاة تجاه وجود الإله، أو يعتنق بلا مُبرِّر افتراض أنَّ وجود الإله شأنه شأن أيّ فكرة أخرى هو أمر قابل للنقض.

وهو هُنا يُوحِّد بين اللا أدريَّة واللا اكتراثيَّة في ملامح كثيرة. لكنَّه يضيف اللا أدريّ إلى صنف الشُّكُوكيَّة -أيْ المُتخذين جانب الشَّكِّ وهذا مذهب في مبحث المعرفة-. ويرى أيضًا أنَّ “القرآن الكريم” تعامَلَ مع مثل هؤلاء بتسلسُل الأسئلة البيانيَّة: (أَمْ خُلِقُوا مِن غيرِ شيءٍ أمْ هُمُ الخَالِقُونَ، أمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) -الطور 35-36-.

تفسير ظهور الإلحاد واللا أدريَّة

إذا كان الإيمان بالله هو الموقف الفطريّ للإنسان فما تفسير ظهور الإلحاد؟ يعود بهذا الأمر إلى تشوُّه القوى المعرفيَّة في الإنسان. وهي القوة الإدراكيَّة “العقليَّة”، والقوة الحسِّيَّة -التي تستمدُّ من مُعطيات الحواسّ وتتعلَّق بالموادّ-، والقوَّة الحدسيَّة -والحدس مفهوم غامض له الكثير من التعريفات، لكنْ أستطيع أنْ أوجز مفهومه في الإدراك غير المُعتمد على خطوات عقليَّة معلومة-. هذه القوى المعرفيَّة التي تتشوَّه أوْ تتشكَّل بفعل عوامل كثيرة تؤدي إلى إلحاد الإنسان أو دخول بذرة الإلحاد له.

وهنا الكاتب يُثبت لقوى الإنسان الابتدائيَّة اتجاهًا واختيارًا مبدئيًّا -وهي قضيَّة يختلف فيها الفلاسفة والعلماء بشدَّة-، وقُدرةً على اكتشاف الحقائق. فإنَّه يعتبر الفطرة أداة الإيمان بالله لا العقل، وذلك استقاءً من حديث البُخاريّ ومُسلم المُخبر أنَّ “ما من مولود يولد إلا على الفِطرة؛ فأبواه يُهوِّدانِهِ أو يُمجِّسانِهِ -أيْ يُدخلانه في دين المَجوس- أو يُنصِّرانِهِ”. ومن جانب آخر يتبيِّن لنا خطر الإطار الذي يحيط بالإنسان في إكسابه موقفًا عقديًّا غير صحيح، يتمثَّل هذا الإطار في التربية والتعليم والمُمارسات التي تُمارس أمامه أو عليه.

وكذلك يعتمد الكاتب على تفسير باحث الفلسفة الإسلاميَّة الكبير د/ محمد عبد الله دراز في كتابه “نظرات في الإسلام”. عندما فسَّر اللا أدريَّة بذهول الإنسان في الحياة الدنيا واستغراقه فيها ودورانه مع تفاصيل حياته التي لا تنتهي ولا تعطي له الفرصة ليسأل الأسئلة الأحقّ بالطرح فتذهب حياته طيّ تفاصيلها التافهة.

وفسَّر الإلحاد بأنَّه نتاج الغرور من الإنسان إمَّا بالعلم الذي يكتسبه فيكتفي به -كصورة الإنسان الغربيّ مع عصر التقدُّم العلميّ-، وإمَّا بالقوَّة التي تُشعِرُهُ بمُضادة الإله ومُنابذته وأنَّه إله آخر يستطيع أنْ يفعل ما يريده.

فكرة الصدفة

معنى الحياة

للصدفة الكثير من النقاشات الفلسفيَّة، لكنْ في نطاق الإلحاد تكتسب أهميَّةً خاصَّةً؛ حيث هي التفسير الذي يستطيع المُلحد قوله أو خداع نفسه به ليفسِّر هذا الكون الضخم والضبط الدقيق الذي يحكمه. وهنا يُعرِّف الكاتب الصدفة بأنَّها فراغ تفسيريّ في الذهن عند المُلحد، أو هي طريقته لإنهاء النقاش فيما يعجز عن تفسيره، ويشبه عملُها عنده عمل السِّحر عند العوام أو هذا القول الأبله الذي يُردَّد من قِبَل بعض المُلحدين عن الكون واتفاقاته المُحكمة أنَّه “حدث صدفةً”، “هكذا دون سبب”.

والحقيقة أنَّ الصدفة -أو ما يُسمَّى صدفة- هي أعمال تدبيريَّة للكون من إله حكيم عليم، وليستْ فجوات في التصرُّف الإنسانيّ أو الكونيّ. ولا يمكن للصدفة -بمفهوم الإلحاد- تحت أيّ تصوُّر أنْ تكون عِلَّة أو مُحرِّكًا. والعجيب أنَّ كثيرًا منهم يؤمن أنَّ مزيدًا من الفهم والتعلُّم سيُكسب الأمر الذي كان يعتقد أنَّه صدفة فهمًا ويكشف حقيقته؛ وهذا دليل منه على بُطلان مفهوم الصدفة وأنَّه فعل حكيم لمْ يفهمْه بعد.

أحببت التنويه هنا عن هذه الفكرة خاصَّةً لأنَّ كثيرًا مِنَّا يستخدمها عفوًا دون معرفة بهذا الجانب الفكريّ العميق -للصدفة تصوُّرات أخرى أشدّ صعوبةً-. والأفضل أنْ نستخدم كلمة قَدَرًا لا صدفةً فنقول -مثلًا: قابلتُك قَدَرًا لا قابلتُك صدفةً. والأهمُّ من الكلمة هو اعتقادنا الراسخ أنَّ حياتنا ذات حِكمة مُقدَّرة من الله، وهذا ينقلنا إلى مفهوم عظيم هو “معنى الحياة”.

القسم الثاني: معنى الحياة

معنى الحياة

تصوُّر معنى الحياة يتوقَّف على المنظومة الفكريَّة التي يتبعها الإنسان؛ فكلُّ منظومة فكريَّة تُعطي للحياة معنى ومضمونًا يختلف بشدَّة في جوهره، وبالتبعة يُشكِّل رؤيةً وسلوكًا مُختلفًا بالنسبة للإنسان نفسه. فمثلاً الإلحاد الذي كان عليه مدار الحديث لا يترك للإنسان التابع لأفكاره تصوُّرًا واضحًا عن الحياة وتفسير وجودها، ومعيشة الإنسان فيها؛ لأنَّه لا يملك الجواب عنه بسبب إنكاره لفكرة المُوجِد لهذا الكون الباعث لتلك الحياة.

وبغضّ النظر عن تفصيلات فلسفيَّة يجد المُلحدُ نفسَه أمام تصوُّرات عن الحياة تتراوح بين الفراغ من الهدف والمعنى، وبين اعتقاد الشُّؤم والظُّلم في وجوده في حياة لا يريد الوجود فيها، وبين صناعة أهداف لنفسه بنفسه منها النجاح في الحياة أو حيازة الثروة التي تنتج على الأمد البعيد الشعور بالضياع نفسه.

خطورة افتقاد المعنى على إنسان العصر

معنى الحياة

ويورد لنا الكاتب تقريرًا لمركز عيادة كليفلاند الذي صنَّفَ الانتحار ضمن الأسباب العشرة الأولى للموت في “الولايات المتحدة الأمريكيَّة“! مُتوقِّعًا أنَّ نسبته ستزيد في القادم من الزمن، وأنَّ نسبة الانتحار زادت 25% بين عامَيْ 2016:1999م. هذه الإحصاءات المُريعة تطلعنا على مركزيَّة قضيَّة المعنى وراء الحياة بالنسبة للإنسان. ولكثرة هذه الحالات في مجتمعنا المُعاصر يشير الكاتب إلى إنشاء حقل من العلاج النفسيّ يُسمَّى “العلاج بالمعنى” والذي يرى أنَّ كثيرًا من أمراضنا دواؤها هو شعور المريض بمعنى وهدف.

يتبيِّن لنا أهميَّة شعور الإنسان بمعنى وهدف وراء حياته، وأنَّ ضياع هذا الشعور يؤدي بالإنسان إلى الاختلال حتمًا. ولعلَّنا هنا نتذكَّر حالات كثيرة لانتحار المُلحدين -وللأسف رأينا منها حالات في مجتمعاتنا الإسلاميَّة- الذين لا يرون وراء الحياة معنى؛ مِمَّا يؤدي بهم إلى حالات عدميَّة وسوداويَّة كثيفة لا تُطيقها النفس البشريَّة ولا تحتمل الحياة في ظلِّها. فلا تجد هذه النفس الحائرة إلا التخلُّص من هذا العبء الثقيل الذي يُدعى الحياة.

ماذا يعني “معنى الحياة” وافتقاده

ودعوني أوضِّح لمَن لمْ يستطع أنْ يحدِّد بدقة ما معنى مصطلح “معنى الحياة”؟ .. معنى الحياة يتمركز حول اقتناع الإنسان أنَّ وراء وجوده في الحياة ووراء الحياةِ نفسِها مُدبِّرًا، وأنَّ لحياته ولتفاصيلها ولأعاجيب المواقف التي يتعرَّض لها من توزيع الأرزاق ومواعيد الموت وكيفيَّاته، وبعض الأفعال التي يراها تنتسب للشَّرّ -ظُلم وخيانة له أو لغيره، صادرة منه أو من غيره- أنَّ وراء كلّ هذا تدبيرًا وحِكمةً لا فوضى وعبث.

ويعني أيضًا -اعتمادًا على الخطوة السابقة- وجود هدف مطلوب من الإنسان تحقيقه، وبالتبعة وجود ميثاق حياة أو أخلاق نسير وفقها وتحدِّد أفعالنا ووجهتنا، وهذا كلُّه يعني جزاءً بعد الموت. وافتقاد أيِّ من هذه الكُلِّيَّات يُحدث شرخًا ضخمًا داخل الوجود الإنسانيّ ويجعل الفرد مُتخبِّطًا تائهًا ما بين عدميَّة لا يرى فيها جدوى من أيّ فعل، وما بين ألوهيَّة خاصة بنفسه يصنعها هو عن طريق قوَّته. وكلاهُما عبث محض، وهذا باختصار ما أستطيع تبيينه في ثنايا الحديث.

معنى الحياة في الإسلام

معنى الحياة

نعود للكتاب فنجد أنَّ الكاتب رتَّب معاني بعضها بعد بعض وهي في شمولها تصنع رؤية للحياة ومعنى لها وللوجود الإنسانيّ. جعل ركيزتها الأولى مفهوم التوحيد الذي يُوحِّد كلَّ مصادر السلطان بيد الله الإله الواحد الأحد، والذي هو الخالق للإنسان ولكونه، المُدبِّر له ولكونه، وأنَّه الذي ستؤول إليه الحياةُ وكلُّ البشر في نهاية المطاف. مِمَّا يعني أنَّ دنيا الله ليست عبثًا وليست هَمَلاً متروكةً بلا رعاية ولا عناية ولا تدبير، بل كلُّ ما فيها يعلمه الله ويدبِّره. ومن هُنا يطمئن الإنسان للحِكمة التي يرى مظاهرها في الكون.

ومن هذا كلِّه نجد مفهومًا مركزيًّا آخر هو مفهوم العبادة لله وحده لا غيره. والذي يعني أنَّ الله خلق الإنسان ليستهدف الله في كلّ أفعاله دون استثناء، وهذا معنى يُغيِّر حياة الشخص تحت عباءة الإسلام تمام التغيير. وينتج عنه مفهومُ الحُرِّيَّة التي يتمتع بها الإنسان حيث يستطيع بمحض إرادته أنْ يعصي الله خالقه أو أنْ يفعل غير ما أمره، مع علمه بحسابه فيما بعد.

ومن هذا أيضًا نرى فكرة الميثاق الأخلاقيّ الإنسانيّ الذي يُفسِّره المُؤلِّف بآية الأمانة (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) -الأحزاب 72-. فهي القانون الأخلاقيّ الذي يرتفع بالإنسان. وكذلك يأتي مفهوم تكريم الإنسان في الإسلام.

وفي الإسلام الإنسان هو أحد أشكال الحياة لا شكلها النهائيّ الفريد، وهو أحد الأشكال التي قد يستبدلها الله بإرادته وأمره. ولا يمثِّل أمر اقتراب الإنسان وهيئته الجسديَّة والتكوينيَّة -الآفاق التي تتخذها نظريَّة التطوُّر– شيئًا بالنسبة لأخلاقيَّتهم. التي يقوم بها الارتباط بين الإنسان وأخيه وبين الإنسان وكونه على فكرة القانون الأخلاقيّ، ومفهوم الثواب والعقاب، وبحُكم العدالة التي يُقرُّها وجود الإله العظيم.

462

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.