اختيارات المحرر

القرن الإفريقي على مفترق طرق: قراءة في اعتراف دولة إسرائيل بإقليم أرض الصومال

شكّل اعتراف دولة إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي في ديسمبر 2025 تحوّلًا دبلوماسيًا لافتًا في منطقة القرن الإفريقي، وذلك باعتبارها أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسميًا بسيادة الإقليم منذ انفصاله عن الصومال عام 1991 عقب سقوط نظام محمد سياد بري، وقد أثارت هذه الخطوة نقاشًا واسعًا حول تداعياتها على السلام والأمن والتنمية في المنطقة، كما سلّطت الضوء الدولي على أرض الصومال مُحدثةً ضجّةً سياسيةً في كلٍّ من القرن الإفريقي والشرق الأوسط وأحدثت عاملًا جديدًا ومفاجئًا في تفاعلات صراعات القوى الإقليمية .

فعلى الرغم من نجاح أرض الصومال في بناء مؤسسات دولة فاعلة وإجرائها انتخابات ديمقراطية متعددة وحفاظها على مستوى نسبي من الاستقرار، فإنها ظلّت لأكثر من ثلاثة عقود إقليمًا انفصاليًا غير معترف به دوليًا، وعليه يُمثّل قرار دولة إسرائيل الصادر في 26 ديسمبر 2025 بالاعتراف الرسمي بأرض الصومال خروجًا واضحًا عن الأعراف الدبلوماسية الراسخة ويحمل تداعيات بعيدة المدى على موازين السياسة الإقليمية، ويتناول هذا المقال قراءة في الدوافع الإسرائيلية لهذا الاعتراف وبيان ردود الفعل الإقليمية والدولية فضلًا عن تحليل الآثار المترتبة عليه.

الدوافع الإسرائيلية للاعتراف بأرض الصومال 

تقع أرض الصومال على طول أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، وقد شكَّل موقعها الاستراتيجي  الممتد على المحيط الهندي والبحر الأحمر عامل جذب للدول الأخرى لترسيخ وجود قوي على أراضيها، مما جعلها محل اهتمام متزايد من المستثمرين الأجانب والقوى العسكرية التي تنظر إليها كبديل محتمل لجيبوتي المجاورة التي تستضيف قواعد عسكرية رئيسية للولايات المتحدة والصين إلى جانب قواعد تابعة لعدة دول أخرى، ومن منظور إسرائيلي يعيد قرار الاعتراف بأرض الصومال إحياء التساؤلات حول المقترح المثير للجدل الذي طرحه مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون في العام الماضي والمتعلق باستقبال الإقليم للفلسطينيين المُهجّرين من غزة، كما يُمكِّن لدولة إسرائيل توظيف موقع أرض الصومال كمنصة استراتيجية للمراقبة والرد على هجمات الحوثيين في اليمن عبر خليج عدن، ويتماشى تعزيز العلاقات الإستراتيجية بين أرض الصومال ودولة إسرائيل الأوسع نطاقًا في البحر الأحمر.

الدوافع الإسرائيلية للاعتراف بأرض الصومال

 وقد صاغت دولة إسرائيل هذا الاعتراف باعتباره متوافقًا مع اتفاقيات أبراهام التي أُطلقت عام 2020 برعاية الإدارة الأمريكية والتي أرست مسارًا جديدًا لتطبيع علاقات إسرائيل مع عدد من الفاعلين الإقليميين، ووسّعت من نطاق نفوذها الدبلوماسي في الشرق الأوسط و إفريقيا وذلك لمواجهة النفوذ المنافس من إيران وتركيا والصين، وفي المقابل أعلن رئيس إقليم أرض الصومال التزام الإقليم بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام واصفًا الإعلان المشترك مع إسرائيل بأنه خطوة تهدف إلى تعزيز السلام الإقليمي والدولي وبناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، حيث يُتوقع أن تحصل أرض الصومال على تعاون مفتوح مع إسرائيل في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، بالإضافة إلى مجالات الزراعة والصحة و الاقتصاد، وذلك في دلالة على سعي الطرفين إلى تحويل هذا الإعلان من إطار رمزي إلى مسارات عملية ذات أبعاد تنموية واقتصادية.

ردود الفعل الإقليمية والدولية

قوبل الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال برفض إقليمي ودولي واسع عكس حساسية القضية وتداعياتها المحتملة على بنية الاستقرار في القرن الإفريقي، فقد أدانت الحكومة الفيدرالية الصومالية هذه الخطوة واعتبرتها انتهاكًا صارخًا لسيادتها ووحدة أراضيها محذِّرةً من أن الاعتراف قد يسهم في زعزعة الاستقرار الداخلي والإقليمي ويقوّض الجهود الدولية الرامية إلى دعم بناء الدولة الصومالية، وفي هذا السياق، اندلعت احتجاجات شعبية في مقديشو وعدد من المدن الصومالية عبّرت عن رفض شعبي لأي مساس بوحدة البلاد، في حين سارعت الحكومة الصومالية إلى مخاطبة مجلس الأمن الدولي مطالبةً برفض هذه الخطوة واصفةً إياها بـ«العدوان» على سيادة الدولة الصومالية بما يعكس محاولة مقديشو تدويل الأزمة واستدعاء الشرعية الدولية كأداة ردع سياسي.

احتجاجات شعبية في الصومال

وعلى المستوى الإقليمي وجّهت منظمات إقليمية رئيسية من بينها الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج انتقادات حادة للخطوة الإسرائيلية معتبرةً أنها تقوّض مبدأ وحدة الأراضي الذي يشكّل أحد الأعمدة الأساسية للنظام الإقليمي الإفريقي والعربي على حدٍّ سواء، كما حذّرت هذه المنظمات من أن الاعتراف بإقليم انفصالي خارج إطار التوافق الدولي قد يشكّل سابقةً خطيرةً من شأنها تشجيع النزعات الانفصالية في دول أخرى تعاني من هشاشة بنيوية أو صراعات داخلية، الأمر الذي يهدد بإعادة إنتاج بؤر عدم الاستقرار في مناطق متعددة من القارة  الإفريقية.

أما على الصعيد الدولي، فقد عكس موقف مجلس الأمن درجة عالية من التحفّظ إزاء الخطوة الإسرائيلية إذ أدان معظم أعضائه الاعتراف في تأكيد ضمني على التمسك بمبادئ السيادة ووحدة الدول المعترف بها دوليًا، في المقابل برز الموقف الأمريكي بوصفه الأكثر غموضًا إذ لم تُدِن الولايات المتحدة الاعتراف صراحةً لكنها شددت في الوقت ذاته على أن موقفها الرسمي من إقليم أرض الصومال لم يطرأ عليه أي تغيير، وهو ما يمكن تفسيره في إطار سياسة أمريكية تسعى إلى الحفاظ على هامش مناورة دبلوماسي دون الذهاب إلى حد تبني خطوة قد تُحدث اضطرابًا واسعًا في المنطقة أو تُضعف التزامات واشنطن المعلنة بدعم وحدة الصومال.

وفي السياق ذاته أعربت قوى دولية وإقليمية مؤثرة من بينها الصين ومصر وتركيا عن قلقها من التداعيات المحتملة للاعتراف الإسرائيلي على استقرار القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر، خاصةً في ظل تزايد التنافس الجيوسياسي في هذه المنطقة الحيوية، فيما أكدت المملكة العربية السعودية مجددًا دعمها الكامل لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها ووصفت الخطوة الإسرائيلية بأنها «إجراء أحادي الجانب يتعارض مع قواعد القانون الدولي» في إشارة إلى رفض أي محاولات لإعادة رسم الخرائط السياسية خارج الأُطر الشرعية المعترف بها دوليًا، كما أعلنت منظمة التعاون الإسلامي رفضًا واسعًا للتحركات الإسرائيلية في منطقة القرن  الإفريقي معتبرةً أن الاعتراف بإقليم أرض الصومال يشكّل جزءًا من سياسة أوسع لتوسيع النفوذ الإسرائيلي في مناطق حساسة استراتيجيًا دون مراعاة لتداعيات ذلك على الأمن والاستقرار الإقليميين، ويعكس هذا الرفض الجماعي إدراكًا متزايدًا لدى الفاعلين الإقليميين والدوليين بأن قضية أرض الصومال لم تعد مسألة محلية أو ثنائية بل تحوّلت إلى ملف جيوسياسي تتقاطع فيه اعتبارات السيادة وموازين القوى وأمن الممرات البحرية الدولية.

الآثار المترتبة على السلام الإقليمي

يُحوّل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال من منظور أمني المنطقة من فضاء للتعاون النسبي إلى ساحة مفتوحة للتنافس الاستخباراتي والدبلوماسي، إذ من شأن هذه الخطوة تعقيد المشهد الأمني في البحر الأحمر والقرن الإفريقي حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية رئيسية ولا سيما مصر ودول الخليج مع اعتبارات أمن الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب فضلًا عن القرب الجغرافي من اليمن بما يزيد من هشاشة المنطقة أمام التدخلات الخارجية وتصاعد أنماط الصراعات غير المباشرة، أما على مستوى الصومال فيُمثّل هذا الاعتراف انتهاكًا صريحًا لمبدأ الوحدة السياسية للدولة، ويُعرّض الحكومة الفيدرالية لمخاطر أمنية وسياسية متزايدة في مرحلة لا تزال فيها مؤسسات الدولة تعاني من هشاشة بنيوية، ويكتسب هذا الخطر بُعدًا إضافيًا في ضوء التحديات الأمنية الجسيمة التي تواجهها الصومال، إذ تشير تقارير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لعام 2024 إلى أن حركة الشباب تسيطر على ما يتراوح بين 20 و30% من المناطق الريفية وهو ما يجعل أي تصعيد في التوترات السياسية عاملًا محتملًا لتقويض جهود مكافحة الإرهاب وإتاحة فرص جديدة أمام الجماعات المتطرفة لتوسيع نفوذها واستغلال الانقسامات الداخلية.

الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب

ومن الجدير بالذكر أن تأثير الاعتراف الإسرائيلي لا يطرأ على الساحة الصومالية فحسب، بل يمتد ليشمل التوازنات الإقليمية الأوسع، فهذا الاعتراف قد يُثير دوافع الجماعات الموالية لإيران في اليمن بما يُنذر بتوسيع دائرة الاستهداف غير المباشر للمصالح الإسرائيلية والدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، وعلى الصعيد الإقليمي يمكن أن يؤثر هذا الاعتراف على مواقف دول مثل إثيوبيا التي قد تدعم هذه الخطوة ضمنيًا نظرًا لمصالحها في الوصول إلى ميناء بحري، أما جيبوتي فترى في هذا التطور تهديدًا وجوديًا لوجودها الاقتصادي والعسكري كمركز بحري عالمي، وتعتبر القاهرة أي وجود إسرائيلي مباشر بالقرب من باب المندب تهديدًا محتملًا للأمن القومي وخطوط الملاحة في البحر الأحمر لا سيما في ظل تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط، وعليه فإن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يُنظر إليه كتحرك دبلوماسي معزول؛ بل كمتغير أمني واستراتيجي قد يعيد تشكيل معادلات الاستقرار في واحدة من أكثر المناطق حساسية في النظام الإقليمي والدولي. 

ختامًا

لا يُرجَّح أن يُسهم الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال في تعزيز الاستقرار الإقليمي بقدر ما قد يُفضي إلى نتائج عكسية تُشجّع النزعات الانفصالية في دول أفريقية أخرى تعاني من هشاشة بنيوية أو صراعات داخلية قائمة، كما يحمل هذا التطور مخاطر جرّ منطقة القرن الإفريقي إلى دوائر أوسع من الصراع المرتبط بتفاعلات الشرق الأوسط بما يُعرّض أمن البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية لمستويات أعلى من عدم اليقين والاضطراب، وفي هذا الإطار تُنذر هذه الخطوة بتحويل منطقة كانت تُدار ضمن حدود من الاستقرار النسبي إلى بؤرة توتر دولية محتملة تتقاطع فيها صراعات النفوذ والمنافسة على الموارد وأمن الممرات البحرية، الأمر الذي قد يعيد تشكيل معادلات الأمن الإقليمي والدولي على نحو يصعب احتواؤه في المدى المنظور.

قائمة المراجع 

أولًا: مراجع باللغة العربية 

  1. أحمد زغلول، تعقيدات متسارعة: ما تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ، مركز رع للدراسات الاستراتيجية
  2. حمدي عبد الرحمن، دلالات اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، مركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية

ثانيًا: مراجع باللغة الإنجليزية 

SAM METZ and Omar Faruk , Israel’s recognition of Somaliland brings danger and opportunity to a rough region, 

عفاف ممدوح

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية مهتمة بالشأن الافريقي المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى