غدت الرغبة في قراءة كتب “السيرة الذاتية” والإقبال عليها لمعرفة تجارب الآخرين والاستفادة منها من الأمور الرائجة؛ خاصةً وأنها تقوم بدور المرشد للقارئ المريد، وهذه من ثمرات القراءة، وتتعدد الأسباب من شخص لآخر.

وكان هذا الإقبال على هذا الحقل في العالم العربي من حيث القراءة التي تصدرت فيها هذه الكتب المبيعات والنشر، ومن حيث الكتابة والدراسة والنقد دافعًا رئيسيًا لنشر كتاب “كتابة الذات” لمؤلفه صالح معيض الغامدي؛ فكيف إذ عرفنا أن الكتاب في الأصل بحث علمي، لباحث مهتم في مجال السيرة الذاتية والأدب الذاتي لأكثر من ثلاثين عامًا، وقد قدم بحثه لنيل درجة الدكتوراه في “السيرة الذاتية العربية القديمة”، في عام 1411هـ/1989م. وبعد أن عرَّبه، وأعاد كتابة بعض ما فيه وحذف، وأضاف من خبرته الطويلة في هذا الحقل قدم لنا هذه الثمرة الطيبة. وهذه محطات مما جاء في كتابه.

المحطة الأولى: عن السيرة الذاتية

مصطلحا “السيرة الذاتية” أو “الترجمة الذاتية” لا فرق بينهما في الدلالة. ويذكر المؤرخ المتخصص فيها “جورج مش” أنها “وصف لحياة شخص بواسطة الشخص نفسه”. ولا يوجد تعريف متفق عليه للسيرة الذاتية، وهنالك اختلاف حول ما يميز هذا الجنس الأدبي. ويؤكد الكاتب على ضرورة إيجاد تعريف للسيرة الذاتية العربية القديمة. ويستدعي ذلك الخلط الذي يحدث بين السيرة الذاتية وبين بعض الفنون النثرية الأخرى؛ فمن ضمن ما اقترحه تطبيق “عقد السيرة الذاتية”، وذلك بأن يتضمن النص عبارة يصرح فيها الكاتب أنه يقوم بكتابة قصة حياته وبهذا يكون العقد بين الكاتب والقارئ.

المحطة الثانية: أعمال مستبعدة، منعًا للالتباس

السيرة الذاتية

تندرج المذكرات أو الاعترافات في حقل السيرة الذاتية، في حين تستبعد الرحلات والرسائل الإخوانية -وهي التي يغلب عليها التعبير عن المشاعر الشخصية تجاه الناس أو الأحداث وغيرها، كالشكوى أو الاعتذار-، وكذلك الرسائل الأدبية والتي تعد تطورًا للرسائل الإخوانية، ومن أبرز هذه الرسائل “طوق الحمامة” لابن حزم.

ويستبعد أيضًا كتب النصائح والوصايا التي تتضمن معلومات من سيرة الكاتب بهدف ضرب المثل الجيد للاقتداء، وكذلك الأعمال القصصية الرمزية مثل: حي بن يقظان الذي كان رمزًا للنفس البشرية إلا أن بعض الدارسين اعتبروا ذلك الرمز هو المؤلف نفسه فتمَّ وصفها بالسيرة الذاتية بالرغم من أنها متخيلة لذلك اختار الكاتب استبعاد هذه الأعمال في كتابه؛ كونها قصصية متخيلة.

المحطة الثالثة: سير ذاتية ولكن مزيفة

وهي نصوص تتضمن كتب الأدب والتراجم، مروية بضمير المتكلم “الأنا”؛ فيتم جمعها وإعادة ترتيبها وقراءتها على أنها سير ذاتية لأصحابها. وقد استبعدها الكاتب. ومن هذه السير الذاتية المزيفة: السيرة الذاتية المجمّعة والمتشظِّية.

ومثال على السيرة الذاتية المجمعة: كتاب “صلاح الدين بطل الإسلام” للكاتبة الفرنسية (جنفياف شوفيل) التي كتبته بصيغة الأنا. وقالت: “لعبتُ دور صلاح الدين في هذا الكتاب، كنت أرى الأحداث بعينه وأتحدث بلسانه. كنت أفرض وجهة نظره في الحروب الصليبية. وبالتالي كنت أتبنى موقفه كليًا”.

السيرة الذاتية المتشظية: يذكر بأنها جمع للأخبار المروية بضمير المتكلم في كتب التراجم والأدب. وطبيعة هذه الأخبار متشظية لا رابط بينها، وهذه الأخبار موجودة بكثرة في الأدب العربي القديم. مثل: كتاب “الأغاني” للأصفهاني، فيقوم بعض الدارسين بقراءة هذه الأخبار على أنها سير ذاتية، ويقدمونها كسيرة ذاتية للشخصية. ومن أبرز هذه الأعمال ما كُتب عن إسحق الموصلي وابنه إبراهيم. ولا يتفق الغامدي مع هذا الأسلوب ويرى أنه لا يؤهل هذه الكتب أن تصبح “سيرًا ذاتية” كونها أعمالًا أدبية ذات بُعد “سيرذاتي”. وهنالك فرق بينهما بالإضافة إلى كثير من الأخبار التي كانت متخيلة من قبل المؤلف باستثناء كتب التراجم المخصصة لرجال الحديث النبوي الشريف.

المحطة الرابعة: بداية كتابة الذات العربية

السيرة الذاتية

 هنالك أسباب كانت وراء البدء في كتابة السيرة الذاتية العربية. وهي كما يرى الغامدي: “انحسار دور الشعر العربي، واتصال العرب بالثقافات الأخرى، وانتشار التصوف، وتعدد الفرق الدينية والدويلات الإسلامية، وظهور علم الرجال، وتنافس العلماء”.

وأحيانًا يكون الدافع الذي يحفز على كتابة السيرة الذاتية الردَّ على خصم، أو تبريرًا، أو الدفاع عن النفس، وكذلك الرغبة في تعليم الآخرين، وغيرها من الأسباب التي تقف خلف كتابة هذه السير.

المحطة الخامسة: الرؤى والكرامات في السيرة الذاتية

من يتتبع السيرة الذاتية عند القدامى سيجد “أنها تتضمن الاحلام، والرؤى، والكرامات بعكس السير العربية الحديثة؛ مما يجعل بعض الدارسين يرى بأنها غير معقولة والبعض الآخر يقبلها بوصفها حقائق أو ما يشبهها”. ويرى الكاتب: “أن الرفض يعتبر تجاهلًا لأهميتها في حياة المسلمين، وبأن قبولها كحقائق يعد تجاهلًا لحقيقة أن المكونات الخارقة لا يمكن أن تنتج تاريخًا موثقًا ولا سيرًا موضوعية”.

ومن أبرز من كتب سيرة ذاتية تشمل هذه المكونات الخارقة: الترمذي والشعراني وغيرهما. فهم يؤمنون بصدقها، وهي مصدر لحصول المعرفة والارتياح بالنسبة لهم. ومن هذا المنطلق يذكر الكاتب أن على الدارسين التعامل معها وقبولها. وحتى توضع في سياقها الأدبي المناسب أيضًا عليهم فهم مكانتها في السياق الإسلامي؛ فعلى سبيل المثال: “الرؤيا الصالحة للمسلم تعتبر من المبشرات بحسب ما جاء في النص النبوي.. وهكذا”.

المحطة السادسة: أول سيرة ذاتية عربية

السيرة الذاتية

تتعدد الآراء حول أول سيرة ذاتية كتبت في الأدب العربي؛ فهنالك من يرى أن “التعريف بابن خلدون” هي أول سيرة يكتبها عربي، وهو رأي طه حسين وعلي عبدالواحد. وهنالك من يرى أن الغزالي في كتابه “المنقذ من الضلال” هي الأولى وهو رأي أنور الجندي. وتكتب السيرة الذاتية لديهم بمفهوم إسلامي متحدثين عن نعم الله عليهم مع ذكر الأحداث الإيجابية والمأساوية التي مرت في حياتهم.

وتتوقف كتابة السيرة الذاتية العربية -بحسب بحث كاتب الكتاب- من بعد القرن العاشر الهجري إلى أن جاء العصر الحديث. وعن موقف الدارسين من العرب وغيرهم من غير العرب حول بداية السيرة الذاتية في الأدب العربي يذكر بأنها تنقسم إلى موقفين: أحدهما نفى وجوده، والآخر اعترف بوجوده.

المحطة السابعة: المنهج “السيرذاتي” والرواية

هو منهج يتبعه بعض النقاد في دراسة الأدب. ويفترض المنهج أن ما كتبه الروائي هو سيرته الذاتية. ولقد استخدم العديد من النقاد هذا المنهج في دراسة “الرواية السعودية” فكانت ملاحظات أكثر من ناقد تقول: إن الرواية السعودية هي سير ذاتية اتخذت من الرواية قناعًا. في حين كان هناك من ينتقد هذا المنهج السيرذاتي الذي يمارس على الرواية السعودية.

ومن بين هذه الروايات التي ذكرت في دراسات كتبت عن الرواية السعودية رواية “مدن تأكل العشب” لعبده خال؛ بأنها سيرة ذاتية، بالرغم من أن خال رد على هذه الاتهامات وعبر عن تذمره، وقال: “أعتقد أن مثل هذا الأمر يعود لوجود ترسبات لدينا -نحن كقراء-، حين لا نفصل بين الكاتب وعالمه الروائي …”.

أسباب الربط بين كاتب الرواية وبطلها من وجهة نظر الكاتب

هناك أكثر من سبب لهذا الربط منها:

  • الكتابة بضمير المتكلم (أنا). ولكنه سبب غير كافٍ؛ كونها تقنية سردية يوظفها الكاتب حتى يعطي نصه مصداقية وواقعية.
  • المكان والزمان يعدان سببًا لربط كاتب الرواية ببطلها. 
  • التاريخ الشخصي للكاتب؛ حيث يقوم الناقد بربط حياة الكاتب بالرواية.
  • تضمين الرواية مقطعًا يتحدث فيه بطل الرواية عن تجربته في الكتابة الإبداعية.

منوهًا إلى الأثر السلبي الذي يلحقه منهج النقد “السيرذاتي” على المبدع والروائي؛ فهو يحد من إبداعه. فالكاتب غالبًا يعالج في نصوصه موضوعات شائكة ومسكوتًا عنها، ويجسد كل ذلك في أحداث وشخصيات؛ فلا يعقل أن نربط الشخصيات بكاتبها، حتى إن كانت القراءة السيرذاتية لبعض الروايات السعودية قد تبدو مغرية؛ إلا أنه ينبغي مقاومتها. فكثيرًا ما تكون هذه القراءات مبنية على الخيال”.

وفي النهاية نستخلص أن إشكالية التعريف للسيرة الذاتية ما زالت قائمة في دراسات السيرة الذاتية، كما أن هنالك إشكالية التداخل بين السيرة الذاتية والرواية حديثًا، وكذلك بعض الأعمال الأدبية القديمة وما حدث من التباس في وصفها سيرة ذاتية؛ لاحتوائها على معلومات شخصية عن كاتبها.

ولم يعثر الكاتب على أي دراسة تدرس السيرة الذاتية العربية القديمة والحديثة معًا من قبل الدراسات الغربية. وبعد دراسة لمصادر السيرة الذاتية في الأدب العربي القديم في ثقافة كل من: الإغريق، والفرس، والعرب الجاهليين، والعصر الإسلامي بفرضية تأثر السيرة الذاتية العربية؛ وجد الكاتب أن هنالك مبالغة في تصوير هذا التأثير من الفارسية والإغريقية. وبيَّن الدور الحقيقي التي أدته كل ثقافة؛ مؤكدًا أن الإسلام كان له دور رئيسي في ظهور أغلب السير الذاتية العربية. وما زال العلماء قديمًا وحديثًا يكتبون سيرتهم من العرب والعالم الإسلامي عامة.

85

الكاتب

إيمان محمد

باحثة في التاريخ الإسلامي، مهتمة بالقراءة، والمساهمة في صناعة الحضارة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.