قال “ابن حزم” -رحمه الله- في مصنفه مداواة النفوس: “واعلم أن رياضة الأنفُس أصعب من رياضة الأُسد؛ لأن الأُسدَ إذا سُجنَت في البيوت التي تتخذها لها الملوك أُمِنَ شرُّها، والنفس -وإن سُجِنت- لم يُؤمن شرها”.

إن من الأهداف العظيمة، والمقاصد الجليلة التي تصبو لها النفوس، وترنو لها العيون في هذه الحياة الدنيا؛ تقويم النفوس وإصلاحها، وترويضها على مكارم الأخلاق والفضائل، وإبعادها عن جملة الشرور والرذائل. وهذا من الخير المحض الذي يطلبه كل عاقل رام السمو بنفسه عن أدواء القلوب المهلكة كالحسد والعجب والبخل وحب الصيت والشهرة وغيرها؛ مما تعكر على المرء صفو عمره وأيامه، وتعطله عن سيره إلى الخالق -عز وجل-. فينشغل بما تمليه عليه نفسه السقيمة عن مستحبات النوافل، وتغرقه في الانشغال بما لا ينفعه في دين ولا دنيا، بل قد تحجزه عن أداء الواجبات والفرائض. وهو من الأمور التي يحتاجها كل عامل أراد أن ينفع نفسه ومجتمعه.

ولهذه المعاني في السعي في إصلاح النفوس ومداواة أسقامها أصول شرعية يُستندُ إليها في هذا الباب. ومن ذلك قوله -سبحانه وتعالى- في أطول قسم في القرآن الكريم في سورة الشمس: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)}.

فقد نقل الطبري -رحمه الله- عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة أنهم قالوا في قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) من أصلحها. ويدخل في هذا الإصلاح بلا شك مجاهدتها في التخلص من شرورها كالكبر والعجب والحسد وغيرها من الأدواء المهلكة.

ومما ورد في السنة المطهرة ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- في تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- من الشح في قوله: (واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم).

والشح يدخل في جملة أمراض النفوس التي يعتني المسلم بمُداواتها والتحرز منها. ومن هذه النصوص الشرعية الجليلة وغيرها يكتسب كتاب مداواة النفوس أهميته في هذا الباب؛ فإن الاعتناء بالنفس ومراقبة أخطائها، وتتبع زلاتها، والانشغال بها عن غيرها، ليس من فضول الأعمال بل هو من الأهمية بمكان. وسنحاول في هذه المراجعة لـ كتاب مداواة النفوس تقريب عدد من الأفكار والمحاور التي غطاها المؤلف -رحمه الله تعالى-.

الغاية المشتركة طرد الهمّ

مداواة النفوس

قرر المؤلف -رحمه الله- في بداية كتاب مداواة النفوس أن الغاية المشتركة التي يسعى كل إنسان في تحقيقها، ويبذل في سبيل ذلك ما يستطيع أن يبذله؛ هي نفي الهموم وطردها عنه. فإنك لا تجد أحدًا من البشر مؤمنًا كان أو كافرًا، صالحًا أو طالحًا، عالمًا أو جاهلًا، إلا ويسعى جاهدًا في أن يبعد كل هم عنه. والناس في تحقيق هذه الغاية متفاوتون ومتباينون. ثم ذكر أن الله -سبحانه وتعالى- قد هداه إلى السبيل الذي يطرد به عن نفسه الهموم؛ وذلك بالتوجه إلى الله -سبحانه وتعالى- بالعمل للآخرة.

وما يتميز به العمل للآخرة في طرد الهم عن غيره، أن طلاب المال وطلاب الجاه وطلاب اللهو، لما سعوا في تحصيل ما يرغبون فيه وتطمئن نفوسهم إليه وتنتفي همومهم بكسبه، لم يأمنوا بعد ذلك من مكدر وآفة تعرض لهم تجدد لهم همهم؛ كخشية قرين أو عين عائن أو حسد حاسد، وذلك بخلاف العمل للدار الآخرة فإنه سليم من كل عيب ونقص، وإن واجهته الابتلاءات قابلها بالصبر الذي يسليه وينفي عنه هم الدنيا كلها.

بعض تعريفات ابن حزم للأخلاق

ثم عقد المصنف -رحمه الله- فصلًا عرَّف فيه جملة من الأخلاق الحسنة الحميدة، وذكر حدها وضابطها، وما تتميز به عن غيرها. فمثلًا ذكر في الشجاعة: “حد الشجاعة: بذل النفس للموت عن الدين والحريم، وعن الجار المضطهد، وعن المستجير المظلوم، وعن الهضيمة ظلما في المال والعرض، وفي سائر سبل الحق، سواء قل من يعارض أو كثر”. وذكر في العفة: “أن تغض بصرك وجميع جوارحك عن الأجسام التي لا تحل لك”. وذكر في العدل: “أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه”. وغير ذلك مما ذكره المصنف من الأخلاق ورسم حدودها وبين الفرق بينها وبين غيرها مما قد يشتبه على الناس منها كالفرق بين الشجاعة والجبن والخور.

طريق عظيم للراحة وسلامة الصدر

وقرر ابن حزم في كتاب مداواة النفوس طريقًا عظيمًا للراحة وسلامة الصدر؛ وهو طرح المبالاة بكلام الناس واستبداله بالمبالاة والاهتمام بكلام الخالق -سبحانه وتعالى-. واطردت مع ابن حزم هذه القاعدة حتى قرر أن من عوَّد نفسه على السكون إلى الحقائق كان فرحه بذم الناس له أشد من فرحه بمدحهم له؛ لأن مدحهم له لا يخلو من حالين: إما أن يكون مدحًا بحق، فيكون بابًا للعجب، وإما أن يكون مدحًا بكذب فقد يسري إلى نفسه شيء من تصديقه، فيكون مسرورًا بما ليس فيه وهذا نقص شديد. أما ذمهم له أيضًا لا يخلو من حالين: إما أن يكون ذمًا بحق، فيفرح أن ينال فرصة في اجتناب ما يعاب عليه، أو يكون ذمًا بباطل، فيزداد حلمًا على حلم، وصبرًا على صبر، وتزداد حسناته عند الخالق يوم الدين والجزاء.

حديثه عن تفاضل العلوم

وأورد ابن حزم -رحمه الله- فصلًا في العلم وفضله غطى منه عدة جوانب. ولكني ألفيته يلقي بعدسته على نقطة يغفل عنها كثيرون؛ وهي تفاضل العلوم فيما بينها، فليست كل العلوم سواء، ولذلك قال ابن حزم:

أجلُّ العلوم ما قربك من خالقك -تعالى-، وما أعانك على الوصول إلى رضاه.

وهذه نقطة غاية في الخطورة والأهمية، تستحق أن يكثر ذكرها، وتتكرر الإشارة إليها. خاصة فيما نحن فيه من عالم مادي يقدس التجربة وعلومها.

في علاج العُجب بالنفس

ثم ذكر ابن حزم رحمه الله بعد ذلك فصلًا أزعمُ أنه الأهم في كتاب مداواة النفوس، فقد أورد فيه معالجة تطبيقية لعيوب أحصاها في نفسه وحاول أن يعالجها بأساليب مختلفة. ومن هذه العيوب عجب شديد. يقول ابن حزم: “ومنها: عُجبٌ شديد، فناظَرَ عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كلُّه ولم يبق له -والحمد لله- أثر”. ومن هنا يظهر أن من العلاجات الناجعة لداء العجب والكبر، التأمل في ضعف النفس وعيوبها وذنوبها وتقصيرها في حق ربها، فإن ذلك يورث ذلةً تكسر التكبر، وانكسارًا يحسر العجب. بل يزيد ابن حزم فيشير إلى أنه تكلف احتقار ذاته إمعانًا في التخلص من هذا الداء، وألبس قلبه بدلًا من العجب بُردة التواضع.

عن علاج عيوب النفس

ومن هذه العيوب التي اجتهد في تخليص نفسه من رِبقَتها: أقوال وأفعال من أعلاق الصبا والطفولة. يقول: “فقصرت نفسي على تركها فذهبت”. واستعمال لفظة (فقصرت) أورثت في نفسي أنه ترك هذه الأفعال والأقوال، مع اجتهاد يسير في تصبير نفسه على تركها بحكم تعوده عليها، ثم توطنت نفسه على ذلك. وهذا يشير أن على من أراد أن يخلص نفسه من آفاتها وعاداتها السيئة أن يأخذ بزمام المبادرة، وإن وجد في بادئ الأمر من العنت ما يكره، لعل الله أن يعينه وييسر له.

ومما لفت نظري أثناء قراءتي هذا الباب أمران: أولهما أنه لم يصرح بكل ما حاول مغالبته من الآفات، فقد قال في سياق تعداد عيوبه: “عيبان قد سترهما الله -تعالى-، وأعان على مقاومتهما، وأعان بلطفه عليهما، فذهب أحدهما ألبتة -ولله الحمد-…”. وهذا يُظهر ألا ضرورة للبوح بكل ما يسوء الإنسان، وإن كان في معرض النصح والتذكير. وثانيهما: تصريحه أنه لم يتمكن من إزالة بعض هذه العيوب بشكل كلي، وإنما انتهى إلى قدر يرضيه أكثر من سابقه. وهذا واضح جلي في أن الإنسان إن لم يستطع الكمال، فلا يعجز عما يستطيع دون الكمال.

عن المحبة

ثم أورد المصنف -رحمه الله- بابًا في المحبة تناول فيه تعريف المحبة فقال: “إنها الرغبة في المحبوب، وكراهة منافرته، والرغبة في المقارضة [المبادلة] منه بالمحبة”. وأرجع أن قدر المحبة يكون على قدر الطمع فيما يُنال من المحبوب، وعليه تختلف وجوه المحبة. وذكر أن الرجل قد يتعلق بالمرأة الأجنبية عنه فيحبها لما يطمع منها، ولا يجد في نفسه مثل هذا الحب لمن لا تحل له وإن كانت أجمل منها، لأنه لا يطمع منها بشيء.

وكذلك من آمن برؤية الله -عز وجل- يوم القيامة، فإن نفسه تتوق إلى رؤية وجهه الكريم، ولا يقنع بما دونها، ويكون شديد الحنين إليها. بخلاف من أنكر الرؤية كالمعتزلة ومن تبعهم، فإن نفسه لا تطمع فيها ولا تحدثه بها أصلًا لأنه لم يؤمن بالرؤية ابتداءً. نسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا ممن ينظر إلى وجهه الكريم في الجنة.

عن آداب طالب العلم

وقد ختم المصنف -رحمه الله- كتاب مداواة النفوس بفصل عن آداب طالب العلم، وما ينبغي عليه أن يتحلى به من الأخلاق في حِلَقِ العلم فقال: “إذا حضرت مجلس علم، فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيد علمًا وأجرًا، لا حضور مستغن بما عندك، طالبا عثرة تشيعها أو غريبة تشنعها. فهذه أفعال الأراذل الذين لا يفلحون في العلم أبدا”. ثم ذكر الأحوال التي يكون عليها طالب العلم: فإما أن يسكت سكوت الجهال، فيحصل على أجر حضور الدرس ومودة أهل المجلس، وإما أن يسأل سؤال المتعلم لا سؤال المكابر المزدري لمعلمه، أو يراجع مراجعة العالِم فيفيد نفسه ويفيد غيره.

وختامًا، لا بد لمن عزم على إصلاح نفسه وتخليصها من عيوبها أن يجتهد في دعاء الله -سبحانه وتعالى- أن يصرف عنه ما أهمه من هذه العيوب؛ فإن الدعاء كبير الأثر، عظيم الأجر، والله الموفِّقُ والمستعان.

245

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.