الارتباط الأعمى بتركيا خطر قاتل

يقول حاكم المطيري في مقالته «رؤية حاكم المطيري السياسية الشرعية للثورة السورية»: [ثانيا: العدو في هذه المعركة هو نظام الطاغية ومن يقف معه داخليا وخارجيا، وفي ظل القصف الروسي والعدوان الإيراني على الشعب السوري؛ لا فرق بين عصابات النظام وميليشيات إيران والمحتل الروسي.

ثالثا: وقفت تركيا مع الشعب السوري إنسانيا وسياسيا وعسكريا، وآوت الملايين من المهجرين، ودفعت ثمن ذلك باهظا على حساب أمنها الداخلي؛ فهي حليف إستراتيجي يجب المحافظة على العلاقة معها وتعزيزها، ومراعاة التحول التاريخي فيها لصالح الأمة ودينها، ومراعاة الضغوط الدولية التي تتعرض لها، فلم يعد للشعب السوري وثورته حليف موثوق إلا تركيا، فقوتها واستقرارها قوة للشعب السوري وثورته، مع ضرورة محافظة قوى الثورة السورية على قوتها وتحررها من الضغوط، ووجوب وحدتها لتحقيق شراكة حقيقية مع تركيا يستفيد منها كلا الطرفين، وحتى لا تختل العلاقة بسبب ضعف قوى الثورة وتشرذمها وعجزها عن تغيير المعادلة على الأرض لصالحها.](ا.هـ).

من الخطر القاتل والخلل العقائدي الارتباط الأعمى بتركيا وتعليق النصر بها وليس بالله!

  • قضية اللاجئين

صحيح أن تركيا دعمت ملايين المُهَجَّرين السوريين، إلا أنه وجب التأكيد على أن هذا واجب شرعي عليها، وكذلك يجب التأكيد على أنه ليس مقبولا شرعيا وإنسانيا أن تستعمل تركيا اللاجئين المسلمين ورقة مساومة ومتاجرة مع الاتحاد الأوروبي، وليس مقبولا شرعا أن تحبس تركيا (والأردن ولبنان والعراق) اللاجئين المسلمين في مخيمات على حدودها وفي ظروف غير لائقة، تحرمهم من التحرك ومن العمل ومن كثير من حقوقهم الشرعية.

كما أنه غير مقبول شرعا أن تبني تركيا جداراً على طول حدودها مع سوريا، التي تمتد لمسافة 900 كيلومتر، ما الفرق بين الجدار التركي الذي يفصل المسلمين من بلدين مسلمين وبين جدار إسرائيل الذي يفصل المسلمين في فلسطين عن بلادهم المحتلة وأهاليهم؟

ويجب كذلك التأكيد أنه من الكبائر قتل مسلمين يعبرون الحدود من سوريا إلى تركيا، والعجب أن المشايخ الذين من واجبهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخصوصا تجاه الحكام لا يتطرقون لحوادث القتل العمد الكثيرة لمدنيين على الحدود التركية لأنهم “مهاجرين غير قانونيين” حسب قوانين وأعراف سايكس وبيكو، بأي حق يُقتل هؤلاء؟

بل حتى دول الغرب تمنع قوانينها قتل العابرين لحدودها بطريقة غير شرعية، ولكن تلقي القبض عليهم! فكيف تجد حكام المسلمين أكثر الناس جرأة على دماء المسلمين!؟ ماذا سيقول أردوغان وجنوده على الحدود لله يوم “يَجِيءُ الْمَقْتُولُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي”(حديث للرسول، مسند أحمد)، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)} (النساء)!

جانب من الجدار على الحدود التركية السورية

والذين يُصَدِّعون رؤوسنا باستقبال تركيا المسلمة للاجئين المسلمين من سوريا، نُذَكرهم أن الأردن استقبلت أيضا حوالي مليون لاجئ، مع أن قدرات الأردن الاقتصادية أقل بكثير من قدرات تركيا، ونذَكرهم أيضاً بأن ألمانيا الكافرة استقبلت أكثر من مليون لاجئ من سوريا ويتمتعون عندها بحقوق وحريات أفضل من التي يتمتع بها اللاجئون في تركيا. فاللاجئون في ألمانيا غير محبوسين في مخيمات على الحدود، بل يعيشون في المدن وعندهم حرية التنقل وغيرها من الحقوق.

ونذَكِّر أيضا أنَّ ما تقوم به تركيا اليوم تجاه اللاجئين، أو بالأحرى ما أنيط لها، أنيط مثله من قبل لمصر والأردن ولبنان وسوريا، فقد استقبلت هذه الدول إثر حروب اليهود في فلسطين ملايين المهجَّرين الفلسطينيين، لتُفرغ فلسطين لليهود وتُحَوَّل الأغلبية السكانية فيها لصالح الطوائف اليهودية التي جيء بها من كل بقاع العالم، ونفس التهجير والتفريغ يحصل اليوم في الشام والعراق.

  • دعم الفصائل المسلحة

وصحيح أن تركيا دعمت بعض الفصائل المسلحة في سوريا، إلا أنه يجب التذكير أن سوريا وإيران دعمت أيضاً من قبل بقوة فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس وأذرعها المسلحة. وكذلك دعمت باكستان بقوة المقاومة في أفغانستان إبَّان الغزو الروسي، ودعمت لفترة بقوة طالبان! لكنه كما لا يجوز للمقاومة الفلسطينية الركون الأعمى لإيران رغم مساعدتها لهم، ولا طالبان يجوز لها الركون الأعمى لباكستان، كذلك دعم تركيا لثوار الشام لا يجوز بحال أن يدفعهم لاتباع تركيا بطريقة عمياء.

ثم إنه تبَيَّنَ أن دعم تركيا للفصائل المسلحة لم يكن لوجه الله ولا للتمكين لشرع الله في الشام، تماما كما أن دعم سوريا وإيران لفصائل المقاومة الفلسطينية لم يكن لوجه الله ولا للتمكين لشرع الله. ولكن كما تبين كان لمصالح وطنية للبلدين وضمن لعبة وسقف حددها النظام الدولي، فكذلك تركيا استعملت وتستعمل الثوار أولا لمصالح ذاتية من أهمها منع قيام كيان كردي على حدودها.

وتبَيَّنَ أن تركيا تستعمل فصائل الثورة ضمن لعبة دولية تحاول من خلالها اكتساب حظوة عند أمريكا وروسيا، فتركيا لا تقدم أي مساعدات إلا ضمن ما تسمح به أمريكا أو توعزه، ولذلك تجدها لا تزود الثوار بأسلحة نوعية ولا تساندهم بطائراتها وسلاحها الجوي، كما تدعم روسيا وإيران مباشرة نظام آل الأسد بكل أنواع الأسلحة وعلى رأسها الطيران الحربي والسلاح الجوي. فليشرح لنا كل مُدَّعٍ أن دول الخليج وتركيا-أردوغان داعمون حقيقيون لثوار الشام، كيف تساعد إيران وروسيا ولبنان والعراق نظام بشار الأسد بكل أنواع الأسلحة وعلى رأسها السلاح الجوي-دفاعي وهجومي-، لكن تركيا ودول الخليج تمتنع عن تزويد الثوار بسلاح جوي، بل وتُجَرِّم كل من يذهب للقتال لجانب الثوار في الشام وتعتقله وتعذبه وتعاقبه بأقصى العقوبات؟

ولم تكتفي دول الخليج وتركيا بعدم تزويد الثوار بأسلحة نوعية وعلى رأسها سلاح جوي، بل إن طائرات التحالف الدولي التي تقتل المسلمين من أهل السُّنة في سوريا والعراق تنطلق من قواعد عسكرية تركية وخليجية ومن مياه البلدان الإسلامية، وتركيا عقدت أحلافا سياسية وعسكرية واستخباراتية مع روسيا وأمريكا، وتنسق مع إيران وروسيا وأمريكا لمحاربة “الإرهاب”! ودول الخليج وتركيا أعضاء في أحلاف أُسِّست خصيصا لمحاربة أهل السُّنة كَـ “الحلف الدولي” و”التحالف الإسلامي العسكري” (الذي أُعلن عن تأسيسه في شهر ديسمبر لسنة 2015م بقيادة السعودية ومشاركة أكثر من ثلاثين دولة من بينها تركيا والإمارات وقطر ومصر والأردن الخ).

  • تسليم حلب

ومن المساومات التي أبرمتها تركيا على حساب الثورة مع روسيا وأمريكا هو تسليم حلب مقابل السماح لتركيا الدخول للشمال السوري لمحاربة حزب الاتحاد الديمقراطي التابع لحزب العمال الكردي، محاربته بمساعدة فصائل من ثورة الشام. فتَرَك الثوار الجبهات الأهم والمصيرية للذهاب للقتال في جبهات ثانوية، لا يؤول الانتصار فيها للثوار ولكن لتوطيد نفوذ تركيا وأمريكا والعلمانية!

فكيف تكون تركيا حليفًا قويا فعَّالاً للدول العدوة الإرهابية القاتلة للمسلمين وعضوًا فعَّالًا في تحالفات عسكرية لمحاربة أهل السُّنة، وفِي نفس الوقت حليفا موثوقا للثوار كما يدَّعي حاكم المطيري؟

كيف يجب أن يتعامل الثوار مع تركيا؟

لا، ليس للمرء قلبين ولا ولائين، فتركيا، على أقصى تقدير، حليف نسبي مرحلي للثوار يجب التعامل معه بحذر، فكما تتعامل تركيا مع ثورة الشام من وجهة نظر مصالحها الخاصة أولا، فكذلك من الحنكة السياسية والواجب الشرعي أن يتعامل الثوار مع تركيا على أساس تحقيق مصالحهم وأهدافهم الشرعية (وأقصد الشرعية الإسلامية وليس الدولية).

فأهداف تركيا غير أهداف ثورة الشام، فتركيا دولة علمانية وتعمل على نشر العلمانية وتوطيدها في المناطق التي وضعت عليها يدها في الشام. وتركيا لا تحاول البتة الخروج عن طوع الغرب، بل ترى مصيرها وقوتها في الركون للغرب والتحالف معه حتى في حروبه ضد المسلمين، فتنطلق مثلا طائرات الغرب من قواعد عسكرية تركية لقصف المسلمين وتدمير مدنهم، وتتعاون مخابرات تركيا مع مخابرات روسيا وأمريكا وإسرائيل.

اقرأ: يوم كان في أمتنا رجال

ما بين ثورة الشام وأهداف تركيا

أما ثورة الأمة في الشام فهدفها الخروج عن طوع وهيمنة الغرب، فبشار الأسد ونظامه ليسوا إلا واجهة للنظام الدولي، فمن العبث والجهالة والسطحية والغباء تغيير واجهة النظام في الشام دون قطع دابر الغرب فيها. وبالتالي هناك تصادم واختلاف جوهري بين الطريق الذي اختارته تركيا لنفسها وبين الطريق الذي يجب على الثوار اختياره والمتمثل في إقامة دولة إسلامية مستقلة أمنيا وعقائديا عن الغرب.

ثم إننا لم نرى لتركيا منذ اعتلاء أردوغان وحزبه الحكم فيها سنة 2002م أي خطوات نحو فك الارتباط الأمني والعسكري والاقتصادي والعقائدي والتشريعي بالغرب، بل تشابك مصالحها وارتباطاتها بالغرب في ازدياد، تركيا لا تنفك تتطلع للغرب وتحاول الإثبات له أنها علمانية وديمقراطية مثله أو أحسن منه.

فقد كانت أولى خطوات رجب طيب أردوغان كرئيس للحكومة قبل أكثر من عشر سنوات هو قيامه بجولة شملت زيارة كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لمحاولة إقناعهم قبول طلب تركيا للبدء بمفاوضات العضوية في الاتحاد. فالانضمام للاتحاد الأوروبي كان وما زال من أولويات أردوغان وحزبه منذ توليهم الحكم، وهذا من الولاء الصريح للكفار المُغَلَّظة حرمته في الإسلام، فالانضمام للاتحاد الأوروبي يفرض منظومة تشريعية كفرية على المسلمين في تركيا ويفرض الولاء السياسي والعسكري للاتحاد الأوروبي، وهذا كفر بواح يجب على المشايخ تبيانه لتركيا وأردوغان، وليس السكوت عنه وتزيينه أو تبريره.

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110)}(آل عمران)، {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)}(المائدة)، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}(آل عمران)، وقال رسول الله: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ قَوْمًا ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ”(مسند أحمد).

وكذلك كانت إسرائيل من محطات الزيارات الخارجية لأردوغان حيث زارها سنة 2005م والتقى ب “كيماوي” إسرائيل، أرييل شارون، وزار تذكار “المحرقة” ووضع عليه إكليل ورد، وأبرم صفقات شراء أسلحة من إسرائيل. فتقديم الولاء لإسرائيل كان وما زال من الركائز التي يعتمد عليها أردوغان (مثله من باقي حكام العرب) لنيل ثقة ودعم النظام الدولي له. ولذلك ما لبث أن أعاد أردوغان التطبيع الكامل لعلاقات تركيا مع إسرائيل بعد تجميد جزئي لها إبَّان قتل إسرائيل لعشرة أتراك سنة 2010م في المياه الدولية وعلى سفينة تركية!

فأين هي علامات “أسلمة” تركيا التي يدعيها المفتونون بأردوغان وحزبه؟ فولاء تركيا للغرب يزيد ولا ينقص، والقوانين العلمانية الكفرية تزيد لا تنقص!

أوفي إقامة الشريعة تدرج؟!

فليس هناك تدرج في إقامة شريعة الإسلام، بل كل من ادعى التدرج أثبتت الأحداث والتجارب أنه يتدرج أو بالأحرى يتدحرج للوراء، نحو انسلاخ كلي عن الإسلام، وما جماعة النهضة في تونس عنا ببعيد! فإقامة الإسلام مسألة إيمانية وليست مادية، فمن يؤمن فعلا بحاكمية الله ويعظم شريعته، فسيقيمها جملة وفورا وسيجعلها من أولوياته وقضية مصيرية يموت من أجلها، تماما كما يجعل طغاة سايكس وبيكو عروشهم وحدود دويلاتهم أمرًا مصيريًا يخوضون الحرب من أجلها.

فمن لا يُعظِّم الشريعة ويجعل إقامتها أمرًا حيويًا رئيسيًا مصيريًا فسيجد مليون تبرير لِتَركها، تماما كما وجدت قريش وقبيلة بني عامر ابن صعصعة وقبيلة بني شيبان أعذارًا لعدم اتباعهم محمد ونصرته، {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)}(القصص).

فالضغوط الدولية على تركيا، التي يتحدث عنها المطيري وغيره، تسببت وتتسبب فيها تركيا بنفسها بركونها للكفار وعدم إقامة شريعة الإسلام، فالواجب الشرعي لمن مكَّن الله له سلطة في الأرض أن يُقيم شريعته {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} (الحج). فمن جعل كيانه ووجوده واقتصاده وجيشه وأمنه وتشريعاته مرتبطة بأمريكا وبالناتو والاتحاد الأوروبي فلا يلومن إلا نفسه، فهو كمثل من اختار الاقتراض من المصارف المالية بفوائد ربوية لتمويل مشروع تجاري، ثم يتباكى أنه مُقيَّد في تجارته وحياته ويعاني من ضغوطات تفرضها عليه المصارف المالية!

ما هو السبيل الذي يجب أن تسعى فيه تركيا؟

فكما أن الحل عند المُرابِي هو الابتعاد عن الربا وفك الارتباط بالمصارف الربوية، فكذلك الحل أمام تركيا يكمن في فك الارتباط بالنظام الدولي والقيام بتغيير تشريعيي ثوري، وذلك بوضع دستور إسلامي وإبطال القوانين المدنية الوضعية واستبدالها بالأحكام الشرعية {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)}(النحل)، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)}(الاعراف)!

فكل من عَوَّل على الغرب وجعل ولاءه له، عاش في خوف ورعب واضطهاد، قال الله عنهم مرضى القلوب {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)}(المائدة)، … أما من جعل ولائه خالصا لله فينعم بالأمان الحقيقي {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)}(يونس).

المساعدات لا تعني إملاء الشروط والتنازل عن الثوابت

فيجب الإدراك أن دعم تركيا للثوار لا يعني أنهم مدينون بالتبعية لها والنزول عند ضغوطاتها، فالرسول رغم حماية عمه أبو طالب له وتضحيته وتحمله من أجله حصار قريش لثلاث سنوات، لم ينزل صلى الله عليه وسلم عند رغبته حين نصحه بالتنازل عن شيء من الإسلام لإرضاء قريش وقبول عروضهم المغرية، فرد صلى الله عليه وسلم على عمه وعلى قريش: “أَترَونَ هذِهِ الشَّمس؟ ما أنا بَأَقدرَ علَى أن أَدَعَ لكُم ذلكَ من أن تُشْعِلوا منها شُعْلَةً”(المطالب العالية لابن حجر العسقلاني، وأخرجه الألباني في السلسلة الصحيحة)!

والصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة، ورغم أن ملك الحبشة استقبلهم وحماهم وقال عنه الرسول أنه ملك لا يُظلَم عنده أحد، ورغم فرحة الصحابة بانتصاره على مناوئيه في معركة مصيرية، إلا أنهم لم يقاتلوا معه ولم يتبعوه عقائديا.

فكون تركيا تساند ثوار الشام لا يعني البتة قبول ضغوطاتها نحو حل سياسي علماني مرفوض شرعا. فواجب المشايخ وأهل العلم أن يتَّصفوا برباطة الجأش ويكونوا سندا للثورة ليرشدوها للثبات على شرع الله والولاء له سبحانه دون غيره، وليس ليكونوا هم أول مستسلِم وخاضع للضغوطات ومتنازل؛ فيدفعوا بالثوار للخضوع لكل ما تأمر به تركيا والخليج والغرب!

وحاكم المطيري نفسه يقول في مقالته التي نحن بصدد نقاشها هنا أنه لا يجوز [القبول بأي اشتراطات خارجية دولية على حساب الشعب السوري وحقوقه ودينه وهويته وسيادته في وطنه ووحدة أراضيه وشعبه بكل مكوناته؛ بما في ذلك حقه في إسقاط النظام واختيار نظامه السياسي الجديد الذي يعبر عن إرادته وحريته وثورته] (ا.هـ) (مع تحفظنا على معنى اختيار الشعب لنظام الحكم، فالنظام الوحيد الذي يجب إقامته في البلاد الإسلامية هو نظام الإسلام، وهذا لا يُستفتى فيه)!

وإننا حين نقول عدم الخضوع لضغوطات تركيا لا يعني استعدائها ومحاربتها، ولكن نقول لتركيا ما قال الرسول لعشيرته {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)} (الشورى)، [قال ابْنُ عَبَّاس (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ): إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْقَرَابَةِ (صحيح البخاري)].


للاطلاع على الوثيقة التي أصدرها دكتور حاكم المطيري 

وثيقة (مؤتمر الأمة) “رؤية سياسية شرعية للثورة السورية”

فاروق الدويس

مسلم مُتابع للأحداث في البلدان الإسلامية خاصة، يحاول المساهمة في معركة الأمة المصيرية بأبحاث ومقالات… المزيد »

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال جميل ،، جزاك الله خيرا ..
    لكن عندي تحفظ على الجزء الاخير منه … فالله قد حرم علينا الركون الى الظالمين (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتسمكم النار ثم لا تنصرون) …
    عدا عن انه من السذاجة السياسية والبلاهة الفكرية أن يظن عاقل أن هذه الدول الرأسمالية التي لا تفهم سوى لغة المصلحة أنها ستدعمنا من دون أن تأخذ لنفسها شروط او ما يضمن تحقيق ما تريده !
    وهذه الدعوى التي أجزت بها للثوار والفصائل وغيرهم أن يأخذوا فيها الدعم والمساعدات من الانظمة العميلة هي دعوةٌ للوقوع في الفخ مرة اخرى و دعوةً لأن نُلدَغ من نفس الجحر مرة اخرى !
    وهي كذلك ستكون مخدراً قوياً للناس للسكوت عن ارتماء قاداتهم في احضان الداعمين مبررين ذلك لهم بما قيل هنا !!

    طبعاً لا ننسى ان قادات الفصائل جابهوا كل التحذيرات من الدور التركي بقولهم أننا نأخذ منهم الدعم ولا نقبل ضغوطاتها علينا !!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى