الثورة السورية… ثورة أمة

خلال أيام تم إسقاط نظام مبارك، ونظام زين العابدين بن علي، وطرده خارج تونس، وخلال أشهر تم تنحية علي صالح عن الحكم، وتم قتل القذافي ورموز نظامه. أنظمة حكمت ما بين ربع قرن إلى أربعين عاما؛ لكنها سقطت بوقت قياسي أذهل الجميع. هناك ثورة أخرى مضى على انطلاقها قرابة ست سنين دون أي حسم، بل وكل يوم تزداد ضراوةً معركة هذه الثورة؛ إنها ثورة العزة والكرامة ثورة الأمة.. الثورة السورية.

هنا يتم طرح السؤال:

لماذا هذه الثورة لم يتم حسمها، ولم يتم إسقاط النظام في سوريا؟

للجواب على هذا السؤال لا بد من معرفة حقيقة المعركة وحقيقة ثورة أهل الشام، فهي ليست كسائر الثورات التي بها يتم إسقاط حاكم واستبداله بآخر.. ولكن الأمر أهم من مجرد ثورة تستهدف مجرد رئيس يسقط ليتم استبداله بآخر.. إنها ثورة تحدد مصير الأمة؛ نجاحُا أو فشلًا.

جذور الصراع في سوريا

إذا أردنا أن نعي حقيقة المعركة، وأن نعرف ماهي الثورة السورية علينا أن نعرف بداية كيف تشكل النظام الدولي؟ فمن أراد أن يفهم هذه الثورة بدون الأخذ بالمعطيات التي سنقدمها فإنه لن يصل إلى أي نتيجة، وسيخرج عن إطار حقيقة فهم هذه الثورة. قبل سقوط الخلافة لم يكن هناك شيء اسمه «النظام الدولي»، وكانت الخلافة عائقًا أمام قيام هذا النظام؛ فتآمر الشرق والغرب على الأمة الإسلامية وأسقطوا الخلافة، وأخذ الغرب والشرق يتقاسم إرث الخلافة العثمانية، فجاءت مؤامرة «سايكس بيكو» التي من خلالها تم تقسيم العالم الإسلامي إلى ستة وخمسين دولة، وتم تقاسم هذه الدول بين الدول الكبرى، وأنشأت هذه الدول ما يسمى بـ«النظام الدولي».

وحتى يضمنوا عدم اتحاد واتفاق دول العالم الإسلامي، وحتى لا تعيد الأمة ارتباطها، جعلوا لها مرابط ومعاقد في قلب العالم الإسلامي؛ حتى تكون هذه المرابط عامل تشرذم تتيح للدول الكبرى الهيمنة على عالمنا الإسلامي، ونهب ثرواته وموارده وخيراته. فالعالم الإسلامي فُكك، فحتى لا يعيد ارتباطه؛ كانت فكرة هذه المرابط الثلاثة التي تضمن عدم التآمه، والتي تحول دون تماسك العالم الإسلامي:

  • المربط العقدي

تم وضعه في قلب العالم الإسلامي وقبلته.. حيث جعلوا مكة وجزيرة العرب هي المربط العقدي الذي من خلاله تمت السيطرة على الفتوى والمفتين، وصادروا الدين والفتوى؛ لتسخير الفتوى لصالح النظام الدولي، وشرعنة احتلاله للبلدان الإسلامية، تحت مبرر المصلحة والمفسدة وولي الأمر.. وووو، فبدل أن تصبح الفتوى تقف مع قضايا الأمة، أصبح يتم توظيفها لصالح المحتل ووكلائه في المنطقة، فصار هذا المربط مهمته المحافظة على أمن واستقرار النظام الدولي وأمن الدول والنظم.. تحت مبرر-كما قلنا-درء المفاسد؛ بحيث إذا جئت تقاتل أو تقاوم أو تقف في وجه هذه النظم أو تهدد كيانه؛ فإن الفتوى جاهزة لتصنيفك-من قبل علماء الدفع المسبق-وتخدير الشباب الإسلامي وتمييعه وجعله ضعيفًا، تحت مبرر أننا في حالة استضعاف.

  • المربط العسكري

حيث تم اختيار مكان القلب النابض للأمة «فلسطين»، فقام المجتمع الدولي بزرع إسرائيل في قلب العالم الإسلامي، لتكون عامل تهديد للأمة، فجُعلت إسرائيل قوة عسكرية هجومية مدعومة بترسانة عسكرية ومحمية من النظام الدولي، فإذا أراد العالم الإسلامي أن يعيد اتفاق ووحدة العالم الإسلامي، عليه أن يزيل إسرائيل كأحد مرابط النظام الدولي.

  • المربط الأمني الطائفي

فكان اختيار هذا المربط في سوريا، وعهد النظام الدولي بهذا المربط إلى النظام النصيري، حيث أن مهمة هذا المربط مراقبة الأمة وحركات التحرر فيها وكشف أسرار الأمة؛ عبر احتواء حركات التحرر ومراقبتها وكشف كل تحركاتها وأعمالها، وأرشفة أعمالها أمنيًا، وكل كشوفات حركات التحرر والحركات الجهادية-منها الحركات الفلسطينية-يرسلها هذا النظام إلى الغرب، وهذا النظام يمتلك إرثًا أمنيًا هائلًا عن هذه الحركات بالاسم.

فهل سيرضى النظام الدولي إسقاط هذا المربط الأمني المهم؟

فالسوريون لا يواجهون نظامًا محليًا؛ إنما يواجهون مربطا دوليا؛ وبالتالي فإن السوريين يخوضون «ثورة أمة» بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ لأن السوريين إذا استطاعوا خلع هذا المربط أصبح النظام الدولي على المحك، وأصبح المربط العسكري-إسرائيل-تحت قائمة التهديد.

أحقد طائفتين

الجدير بالذكر أن النظام الدولي جعل على المربطين المهمين-العسكري والأمني-أحقد طائفتين على أمة الإسلام؛ اليهود والنصيرية. والجدير بالذكر أيضًا أن كل هذه المرابط مرابط عقدية؛ مكة؛ مهبط الوحي، والقدس؛ مسرى نبينا، وسوريا؛ أرض الملاحم ومهبط عيسى-عليه السلام-إذن؛ فالثورة السورية ليست كأي ثورة من ثورات الربيع العربي، وهذه الثورة شأنًا دوليًا، وليست شأنًا محليًا. فالنظام الدولي يربط مصيره بهذه المرابط والمعاقد. فهل سيرضى النجاح للثورة السورية التي من شأنها أن تسقط أهم مرابطه، وهل ترضى هذه الدول أن تخلع الثورة مربطًا مهمًا من مرابطها؟ والذي من شأن انفلات هذا المربط أن يكون المربط الآخر-العسكري-على مرمى حجر من أهل سوريا، وسيظل تحت التهديد.

فالمجتمع الدولي سيرمي بكل ثقله لإفشال هذه الثورة، أو سيحاول الوصول إلى حل سياسي من شأنه وأهم نتائجه الإبقاء على النظام النصيري، الذي من خلاله يضمن هذا المجتمع مصالحه.. إلا أن أهل سوريا بالنهاية يسطرون ملحمة أمة ويخوضون «ثورة أمة».


إعداد: إبراهيم اليافعي

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة… المزيد »

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الى فريق أمة بوست الفضلاء، رجاءًا أن تقلعوا صورة راية الانتداب الفرنسي التي وضعتموها في مطلع المقال، وتضعوا بدلها راية الرسول، فراية الرسول هي راية الثورة وليست الراية التي يروج لها أتباع الغرب الذين أقصى حلمهم أن تعود سوريا لمرحلة الانتداب الفرنسي قبل اعتلاء أسرة الاسد النظام في سوريا، ليعيد الغرب توزيع المناصب!!

زر الذهاب إلى الأعلى