هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: Shanghai on the Edge of Madness لكاتبه: Aaron Sarin في موقع: quillette.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

إن الجوع يدفع النفس البشرية نحو اتجاهات غير معتادة، إنه أحد الأشياء القليلة الذي يدفع النفس إلى التغلب على الخوف من السلطة. عندما اجتاحت المجاعة الصين قبل أربعمائة عام، لم يلبث الفلّاحون الصينيون أن بدأوا في تقبّل آراء دُعاة الحرب الطبقية. وعندما فشلت الحكومة في توفير المواد الغذائية الضرورية، انتفض الناس في تمرّدٍ عظيم. اجتاح الجموع مقابر أسلاف سلالة مينغ الحاكمة، وشقوا طريقهم بالقتل والذبح نحو بكين، ونهبوا المدينة؛ التي هجرتْها القوات الحكومية التي كانت تتضور جوعًا هي أيضًا. تمت الإطاحة بالسلالة، وتُرك آخر إمبراطورٍ لها مُعلّقًا يتأرجحُ من غصن شجرةٍ فوق المدينة المحرمة.

الحكومة التي فشلت في إطعام الناس فقدت كل شرعيتها. قد لا تكون هناك مجاعة في الصين الحديثة، لكن سياسة “صفر كوفيد” التي ينتهجها الحزب الشيوعي غير المدروسة قد صارت تبعث الأشباح من تاريخ الصين الطويل. في القرن الواحد والعشرين، نُشاهد لقطات فيديو تُثير الذهول للحشود التي تواجه الشرطة خارج مجمعهم، تواجه صارخةً: “إننا نتضور جوعًا!”.

لطالما كان قادة الحزب الشيوعيّ في الصين طُلّابًا دارسين بحذرٍ لماضي سُلالات الصين الحاكمة. فهُم -في النهاية- سلالة إمبراطورية في كل شيء ما عدا الاسم. إنهم يعرفون بما يُنذر انتشار الجوع، وما يعني بالنسبة للسلطات الحاكمة. إنّ الصين، تحت بريق الثروة والعصرنة التي تخوض فيها البلاد بلا هوادة، تُعاني من ذكريات ثقافية عميقة وشديدة الألم؛ وإحداها هي الرابط بين الجوع والتمرد الدموي. إنه ليس رابطًا حتميًّا أو أكيدًا؛ فلم تكن هناك انتفاضة تعقب الكارثة الإنسانية التي تسبب بها ماو تسي تونغ قبل ستين عامًا مثلًا. ولكن التمرد قد حدث بما يكفي لدرجة أننا نشعر فعليًّا بالخوف الزاحف الذي لا بد أن قادة الحزب الشيوعي يشعرون به في مقرّهم في زونكنانهاي.

لقد شهدت الصين عددًا من حالات الإغلاق في الأشهر الأخيرة، لكن سكان شنغهاي ظلوا محتجزين طوال شهر مارس بسبب “شائعاتٍ” مفادها أن مدينتهم هي ضحية أوميكرون التالية. ثم حدث الإغلاق الفعلي. في البداية كان الأمر تدريجيًّا، حيث أغلقت الجزء الواقع على الجانب الشرقيّ من نهر هوانغبو لمدة أربعة أيام، ثم أُغلق الجزء الواقع على الجانب الغربي لمدة أربعة أيام. وأخيرًا، أغلقت السلطات المدينة كاملها، دون تحديد أي أجل لانتهاء الإغلاق التام. لقد تعلم العالم منذ فترة طويلة أن الإغلاق التام لأي مدينة غير مجدٍ ضد مُتحوِّر أوميكرون، فهو قابلٌ للانتقال بشكل كبير وسريع. وهكذا، تصاعدت أعداد الحالات. وبحلول العاشر من شهر أبريل، كان عدد الحالات اليومية في المدينة هو 25173 شخصًا لم تظهر عليه الأعراض جميعًا، و914 شخصًا ظهرت عليهم الأعراض. (هذه أرقامٌ رسمية، يجب التعامل معها بحذرٍ مادام مصدرها الحزب الشيوعي).

لقد زعم بعض المواطنين البؤساء أنه قد تم إغلاق منازلهم بالقوة من طرف السلطات. وظل الكثيرون بدون طعامٍ أو أدوية حيوية لعدة أيام متتالية. ولجأ البعض إلى زراعة الخضراوات داخل شُققهم. اقتحم آخرون متاجر وقاموا بنهبها. في غضون ذلك، قبعت أكياس الطعام على حوافّ المدينة متعفنة، بعد أن تركها سائقو التوصيل الذين لم يجدوا أحدًا لتسلُّم بضائعهم. وتم جمع حالات الإصابات في مراكز الحجر الصحي الجمعية؛ حيث ظلوا لأسابيع في مقصورات مفتوحة بدون أي خصوصية ولا مرافق للاستحمام. وبعضُ الذين ظهرت حالاتهم إيجابية، ولكنهم رفضوا مغادرة منازلهم، تم سحبهم بالقوة ووضعهم في مراكز الحجر هذه.

هذه مشاهد غير عادية عندما نأخذ سياق 73 عامًا من حكم الحزب الشيوعي. لطالما تسبب الحزب الشيوعي الصيني في معاناة غير ضرورية للصينيين العاديين. ولكن في عصر الإنترنت، فإن هذه المعاناة تشيع على الفور. إن مقاطع الفيديو التي انتشرت في الصين تُظهر آلاف القصص المأساوية: عامل الوقاية وهو يضرب كلبًا حتى الموت لأن مالكه قد وُضع في مركز الحجر الصحي، حشدٌ من رجال الشرطة يهاجمون مواطنًا في الشارع ويضربونه بوحشية، مُسعفٌ يجلس بلا اكتراث في سيارة إسعاف متجاهلًا صراخ امرأة تردد أن قلب رفيقها قد توقف، وحشر خمسة أطفالٍ رُضّع في سرير واحد في مركز حجرٍ صحي، بعد أن فُصل عنهم والداهم الذين ثبتت إصابتهما.

كما كانت هناك فيديوهات الْتقطت مشاهد من العبثية؛ كلابٌ آلية تجوب الشوارع الخالية طالبة الجميع بلهجة تحذيرية أن يبقوا في الداخل، وأظهر أحد مقاطع الفيديو مواطنين يفتحون نوافذ منازلهم المسطحة، ويقومون بالغناء كشكلٍ من أشكال الاحتجاج، ليجدوا أنفسهم تحت تحليق طائرة دون طيار، تُردد: “تحكّموا في رغبتكم في الحرية”.

لقد أدت سياسة “صفر كوفيد” التي يتبعها الحزب الشيوعي إلى حدوث مآسٍ في جميع أنحاء الصين. في يوم رأس السنة الجديدة مثلًا -أثناء إغلاق مدينة شيان- تُركت امرأة حُبلى تنتظر خارج المستشفى في صقيع الشتاء؛ لأن نتيجة اختبار الكوفيد الخاصة بها لم تكن صالحة إلا لبضع ساعات. وقد فقدت المرأة طفلها، وعندما نشرت ابنة أختها لاحقًا قصة ما جرى على موقع Weibo (تويتر الصيني)، تمت إزالة المنشور من طرف الموقع. عوقِب موظفو المستشفى في نهاية المطاف بعد احتجاج عام، لقد كانوا كبش فداء لأسيادهم المتخبطين في بكين، الذين لم يواجهوا أبدًا عواقب أفعالهم. وورد أن مدير مركز معلومات لجنة الصحة في مقاطعة هونغكو قد قتل نفسه في 13 أبريل، بعد أن شعر أنه سيكون كبش الفداء التالي. وتوفي أحد سكان شيان بسبب نوبة قلبية بعد أن مُنع هو أيضًا من دخول المستشفى. وبالطبع، إن المدينة قد عانت من نقصٍ في الغذاء، لكنها لم تحتل أبدًا صفحات الأخبار الرئيسية في الصين، ولا فعلت ذلك المأساة الجارية اليوم في شنغهاي.

إن بكين تدعي منذ عامين بأن سياسة “صفر كوفيد” تثبت تفوق النظام الاشتراكي الصيني على بقية العالم، لكن الفوضى في شنغهاي قد أثبتت أن مثل هذه الادعاءات لم تعد ممكنة. وليس رأي بقية العالم هو المهم حقًّا، إنّ رأي الصينيين المحاصرين هو المهم، لأنهم من يخشاه الحزب الشيوعيّ حقًّا. إلى الآن، معظم المواطنين قد دعموا عمليات الإغلاق المتعددة في البلاد، وتم تشويه سمعة المعارضين عبر الإنترنت على نطاق واسع، لكن الجوع هو الوحيد القادر أكثر من أي شيء آخر على تغيير عقول الناس.

من شوارع شنغهاي.

في محادثة هاتفيّةٍ مُسرّبة، صرّح مسؤولٌ من المركز الصيني للسيطرة على الأوبئة والوقاية منها بصراحة أن الحالات التي لا تظهر عليها أعراض أو لا تظهر عليه إلا أعراضٌ خفيفة على الأقل، من الأفضل لها أن تقي نفسها في المنزل؛ وأن سياسة “صفر كوفيد” خلفيّتها سياسيّة بحتة، وليس منبعها مخاوف على الصحة العامة. يتم الآن التحقيق في المكالمة الهاتفية من قبل السلطات الصينية، لكن المسؤول كان على حق. في هذه المرحلة، أصبحت السياسة متشابكة مع مصداقية زعيم الحزب شي جين بينغ، ولهذا السبب هو ليس راغبًا في التريّث أو التراجع. ولكن، قد لا يكون أمامه خيارٌ في النهاية. لقد تخلى الحزب الشيوعي سابقًا عن قفزة ماو العظيمة في 1961، الإجراء الذي كان مقدمة تقويض سلطة الرئيس بشكل غير مسبوق. ربما نحن على وشك رؤية شيء مشابه. في شنغهاي، أعلن المسؤولون في 11 أبريل أن الأحياء التي لا تظهر فيها حالات إيجابية لمدة أسبوعين سيتم تصنيفها على أنها “منخفضة الخطر” ومؤهلة لـ “مزاولة النشاطات العادية”.

في غضون ذلك، تواصل بكين تحويل النقد الموجه لها قدر الإمكان؛ فقد أخبرني أصدقائي في الصين أن وسائل الإعلام الحكومية قد ادعت أن الأمريكيين أطلقوا عمدًا فيروس كوفيد عام 2019، قائلين إن السبب الوحيد وراء عدم وصول خبر كهذا إلى العالم -ومن ثَمَّ تسببه باحتجاج وسخط عالميٍّ تجاه الولايات المتحدة– هو أن الدليل لم يظهر  إلا موقع روسيٍّ “حظره” الغرب.

على أي حال، لا يهم حقًا عدد المواطنين الذين اقتنعوا بحكايات المؤامرة عام 2019، فذلك الوقت قد مضى، واليوم هو القضية، لأن الواقع اليومي لكثير من المواطنين الصينيين هو المعاناة التي يفرضها الحزب تحت اسم “صفر كوفيد”. وهكذا، فإن غضب المواطنين سوف يكون موجهًا نحو الحزب. ما لم يتم الضغط على شي جين بينغ، فإن الكارثة تلوح في الأفق. سوف يستمر أوميكرون في الانتشار بمعدل كبير، وستواصل الحكومة إغلاق المدن وتعطيل الحياة والتسبب في المآسي، وسوف يشتد احتقان المواطنين وغضبهم.

في 13 أبريل، بدأت جملة مفادها أن الولايات المتحدة لديها أسوأ سجلٍّ في قمع حقوق الإنسان في العالم تنتشر على موقع Weibo (طبعًا، يختار الحزب ما ينتشر ويصبح شائعًا وما لا يصبح كذلك). لكن مستخدمي الإنترنت بدأوا في استخدام وَسْم (هاشتاجٍ) مناهضٍ للسخرية من الحكومة، وكان قولهم منعقدًا على أزمة شنغهاي. وشاع الوسم لبضع ساعات، وسرعان ما أصبح موقع Weibo منصة للسخرية من الحكومة وانتقادها. وقال أحد المعلقين: “هذا هو الصوت الحقيقي للشعب الصيني، فلنحتفل الليلة”. لكنْ بدءًا من حوالي الساعة الرابعة صباحًا، استيقظت شرطة الإنترنت من نومها، وشرعت في حذف كل شيء.

لقد أعطتنا هذه الأحداث لمحةً عن الصين التي تغلي تحت السطح. لقد أظهرت لنا صورةً مخالفة للكيان البليد الذي يستشهد به الحزب في بياناته الرسمية، الذي يصفه بـ”الأمة” المتماسكة التي تتأذى “مشاعرها” على الدوام بسبب كذا من الإهانات الدولية. إن الشعب الصيني الحقيقي في مجمله لا يمكن التنبؤ به، وهو في نواحٍ كثيرة العدو الطبيعي للحزب الشيوعي.

248

الكاتب

كودري محمد رفيق

من الجزائر، أكتب في الدين والفكر والتاريخ، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.