لعله سيكون غريبًا إذ نقول بأن هذا الموضوع إنما هو فرع عن الصراع الكبير بين الشرق والغرب، بين النظام الإسلامي والنظام العلماني، فللوهلة الأولى لا يبدو الأمر كذلك لكن بقليل من التعمق والنبش وراء ظواهر الأحداث يتبدى وجه الحقيقة المخبوء.

وإجمال ذلك أن الدولة المركزية هي بنت الفكرة العلمانية والمسار التاريخي الغربي، بينما المجتمع الفعال -والأوقاف من أبرز سماته- هو ابن الفكرة الإسلامية والمسار التاريخي الإسلامي، وأما التفصيل فإليك بيان ما يسمح به المقام.

فكرة الأوقاف وآثارها

إن الأوقاف من الابتكارات الحضارية الإسلامية، فلم يكن موجودًا في العالم القديم إنفاق على أوجه الخير -اللهم إلا ما كان ينفق منه على المعابد وكهنتها، مما لا يمثل إلا جزءًا ضئيلًا من فكرة الأوقاف- حتى جاء الإسلام فأوقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم أوقف صحابته جميعًا أوقافًا كثيرة، واستمر نمو مؤسسة الوقف في العالم الإسلامي لتشكل المصدر الذاتي الذي تمول الأمة به انطلاقتها الحضارية، فبما أوقف المسلمون من ممتلكاتهم توفرت أموال غزيرة أنفق بها على العلماء وطلبة العلم وإنشاء المدارس وعلى الجهاد وبناء الثغور وتحرير الأسرى وعلى الفقراء والضعفاء والمحتاجين وعلى تنمية البلدان بشق الأنهار وتعبيد الطرق وإنشاء الجسور ورعاية الحيوانات، وسائر ما يُمكن أن يُتَخَّيل من وجوه الخير ضربت فيه الأمة بسهم عبر مؤسسة الأوقاف.

ومن بين الآثار الكثيرة للوقف يهمنا التركيز على أثر استقلال مسار الأمة عن مسار السلطة، فلم يكن انهيار السلطة أو ضعفها السياسي والعسكري منعكسًا على نمو الأمة الحضاري إلا قليلًا، بل قد تسقط البلدان عسكريًا ثم تأسر الغازين حضاريًا وثقافيًا كما حدث مع الصليبيين في الشام والنورمان في صقلية والإسبان في الأندلس والمغول في الشرق الإسلامي.

ونقف بالمشهد الإسلامي هنا، لنلقي نظرة مهمة على المشهد الغربي وتطوره التاريخي.

التطور الغربي إلى الدولة المركزية

حين تخلصت أوروبا من الكنيسة ومن أباطرة العصور الوسطى ومن الإقطاعيين، استبدلت بهم نموذجًا آخرًا، ذلك هو “العلمانية” (بديلًا عن الكنيسة) و”نظام الدولة المركزية” (بديلًا عن نظام الإمبراطورية والإقطاع)، وكلا الأمرين –العلمانية ونظام الدولة المركزية- تابع للآخر، فلا بد لأي مجتمع من قيم حاكمة ومبادئ عليا، ثم لابد لهذه القيم والمبادئ من أناس يطبقونها ويحكمون بها، فكانت العلمانية هي المبدأ وكان نظام الدولة المركزية هو نموذج التطبيق.

فأين يكمن الضرر؟

يكمن في أن انتهاء وجود الإله من حياة البشر قد جعلهم عبيدًا لأنفسهم وشهواتهم وأهواءهم، لا يؤمنون إلا بما ينفع ويضر بشكل مباشر واضح، وبهذا انتفى مبدأ الأخلاق والقيم العليا والمُثُل العظيمة التي انزوت مع الدين في جنبات الكنائس وصارت اختيارًا شخصيًا بحتًا، ولهذا أنتج الغرب كل البشائع الإنسانية التي جعلته “أكبر مجرم في التاريخ”[1]، “وحينما سئل فاكيلاف هافل (رئيس جمهورية التشيك) عن الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع، أجاب قائلًا:

“هذا الوضع له علاقة ما بأننا نعيش في أول حضارة ملحدة في التاريخ البشري، فلم يعد الناس يحترمون ما يُدعى القيم الميتافيزيقية العليا، والتي تمثل شيئًا أعلى مرتبة منهم، شيئًا مفعمًا بالأسرار، وأنا لا أتحدث هنا بالضرورة عن إله شخصي، إذ إنني أشير إلى أي شيء مطلق ومتجاوز، هذه الاعتبارات الأساسية كانت تمثل دعامة للناس وأُفُقًا لهم ولكنها فقدت الآن، وتكمن المفارقة في أننا بفقداننا إياها نفقد سيطرتنا على المدنية التي أصبحت تسير بدون تحكم من جانبنا، فحينما أعلنت الإنسانية أنها الحاكم الأعلى للعالم، في هذه اللحظة نفسها، بدأ العالم يفقد بُعْدَه الإنساني”[2].

وهنا تحققت نبوءة توماس هوبز الذي “أعلن أن حالة الطبيعة (أي حالة الإنسان بعد انسحاب الإله من الكون) هي حالة من حرب الجميع ضد الجميع، فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان، وسيتم التعاقد الاجتماعي بين البشر لا بسبب فطرة خَيِّرة فيهم وإنما من فرط خوفهم وبسبب حب البقاء، فيُنَصِّبون الدولة التنين حاكمًا عليهم حتى يمكنهم أن يحققوا ولو قدرًا ضئيلًا من الطمأنينة”[3].

وهنا صارت الدولة في مكان الإله، بل هي -كما يقول هيجل- “الحلول الإلهي على الأرض”، وسيادتها هي السلطة المطلقة، وعلى الأفراد أن يخضعوا لهذه السلطة التي تحدد من الداخل إرادة الأفراد [4].

وصارت كفاءة الدولة تقاس بمدى قدرتها على السيطرة التامة على كافة ما يحدث على أرضها من أنشطة، ولم يختلف هذا بين مذهب ومذهب في الفكر الغربي “فالسيطرة على السكان مهمة أساسية لأي سلطة حكومية تهيمن عليها جماعات المصلحة، وعلى الرغم من أن القوتين الدوليتين في زمن الحرب الباردة (أمريكا والاتحاد السوفيتي) كانتا على طرفي نقيض.. فإنهما اشتركتا في قوة السلطة المحلية عند تعاملهما مع قضية السيطرة على شعبيهما”[5].

وحين حلت الدولة محل الإله لم يكن لها لا علم الإله ولا رحمته ولا ارتفاعه عن النقائص، وحين حلَّ السياسيون والنخبة محل العلماء والمفتين لم يكن لهم لا تقوى العلماء ولا خشيتهم، بل دخل البشر في حكم البشر، فاستعبد البشرُ البشرَ فأذلهم وقهروهم، غير أن الأشكال تغيرت فصارت أكثر خداعًا وتلوينًا، وأشهر نمطين لهذا الخداع: الشيوعية والرأسمالية.

فأما الشيوعية فقد ادعت أنها سبيل العدالة الاجتماعية وضد الإقطاعيين والملوك المستبدين ولمنع احتكار السلع، ثم كان تطبيقها أعنف استبدادًا من كل الملوك وأشرس من كل الإقطاعيين ولم يتحقق في ظلالها إلا العدالة في الفقر حيث صارت الشعوب فقيرة لا تجد الكفاف فيما تركزت الثروة في يد “الرفاق” الذين يحكمون باسم الشعب، ويقيمون المذابح والسجون باسم الشعب، ويتصرفون في مال الشعب بأهوائهم زاعمين أنه “إرادة الشعب”، وقد طُوِيت صفحة الشيوعية مخلفة وراءها سجلًا من المذابح والحروب والفقر العام والفساد الكبير.

وأما الرأسمالية فقد ادعت أنها ضد الاحتكار الاقتصادي وضد الاستبداد السياسي، لكنها أنتجت أكبر المحتكرين ورعت ودعمت أكابر المستبدين، وهي تسيطر على الشعب عبر الإعلام والأموال، يظن الناس أنهم يختارون رؤساءهم وأنهم يغيرونهم كل فترة فيما تظل الحقيقة أنهم يدورون في مسرح يتحكم فيه رجال الأعمال الذين يتحكمون في الإعلام وفي الاقتصاد، فبالإعلام يخدعون الجماهير ويسوقون رجالهم للحكم، وبه وبالاقتصاد يتحكمون في السياسيين والبرلمانيين وصناع القرار [6].

حين جاءت العلمانية والدولة المركزية إلينا

محمد علي باشا.

هذه الأزمة القائمة في الغرب حين زُرِعت في بلادنا كانت أسوأ وأشد فتكًا وتدميرًا!

فالعلمانية كانت رغبة شعبية ونتيجة طبيعية لانحرافات الكنيسة ولم تكن كذلك في بلادنا، ولذا غُرِست بالقهر والعسف والاستبداد، وكان لابد من وجود حكومات عسكرية تذيق الشعوب الويلات كي تتمكن من ترسيخ أمرها، وهذا الترسيخ لا يتم إلا بنظام الدولة المركزية الذي ينزع عن الأمة فاعليتها وترابطها وتماسكها ومصادر قوتها.

أثمر نظام الدولة المركزية في بلادنا أسوأ الثمر، فقد سيطرت الدولة على الأوقاف الخيرية التي هي تمويل الأمة لنفسها وحضارتها، وضربت الدولة نظام القبائل والعصبيات لحساب النزعة الفردية التي تجعل العلاقة قائمة بين الدولة والفرد على نحو ما هي بين الإله والعبد، ولنضرب مثالًا على ذلك بمحمد علي الكبير أول من أدخل العلمانية والدولة المركزية في بلاد المسلمين.

لقد كسر محمد علي كافة ما يجعل المصريين أقوامًا ليكونوا بين يديه أفرادًا على نحو ما تطمح الدولة المركزية أن ترى الناس أفرادا مواطنين لا تجمعات أو عائلات أو عشائر، ثم نزع منهم كل ما أمكنه من الأوقاف لتكون مصادر الأموال في يده فيمنح ويمنع فتذل له الرقاب جميعًا.

وحين يؤرخ الشيخ محمد عبده لآثار محمد علي نراه يقول: “أخذ يستعين بالجيش وبمن يستميله من الأحزاب على إعدام كل رأس من خصومه ثم يعود بقوة الجيش وبحزب آخر على من كان معه أولاً وأعانه على الخصم الزائل فيمحقه وهكذا حتى إذا سُحقت الأحزاب القوية وجه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة فلم يدَع منها رأسًا يستتر فيه ضمير (أنا) واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلاً لجمع السلاح من الأهلين وتكرر ذلك منه مرارًا حتى فسد بأس الأهالي وزالت ملكة الشجاعة منهم وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفُس بعض أفرادها فلم يبقِ في البلاد رأسًا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه.

أخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى كأنه كان يحن لشبه فيه ورثه على أصله الكريم حتى انحط الكرام وساد اللئام ولم يُبقِ في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة وعلى أي وجه فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطبيعية من رأي وعزيمة واستقلال نفس ليصيّر البلاد المصرية جميعها إقطاعًا واحدًا له ولأولاده”، وفي جنايته على الأوقاف يقول الشيخ محمد عبده:

“نعم: أخذ ما كان للمساجد من الرزق وأبدلها بشيء من النقد يسمى فائض رزنامة لا يساوي جزءًا من الألف من إيراده. وأخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي له اليوم (ربيع الأول 1320 = يونيو 1902) لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنة، وقرر له بدل ذلك ما يساوي نحو أربعة آلاف جنيه في السنة”[7].

إنها المتلازمة الطبيعية بين العلمانية ونظام الدولة المركزية، حيث لا يُسمح أن تكون ثمة قوة في البلاد إلا قوة الدولة، ولقد كان الغرب آنئذ يبدو عملاقًا كبيرًا ساحرًا يغري بالاقتداء به كل غافل عن كوامن القوة والنهضة في النظام الإسلامي، فكيف برجل عسكري ألباني لم يتكلم العربية حتى مات، لقد كان أجهل من أن يقتبس اقتباسًا واعيًا، وإنما جرت عملية صبغ مصر -كما يقول أرنولد توينبي- بالصبغة الغربية “أكثر شمولًا من أي محاولة سعى إليها أو أنجزها السلاطين الأتراك”[8].

لقد كانت البداية باستيلاء محمد علي على ستمائة ألف فدان من الأرض الموقوفة وهي تمثل ثلث الأرض المزروعة في مصر والبالغة في ذلك الوقت مليونين من الفدادين[9]، ثم تطور الأمر عبر الزمان -بفعل الاستبداد ثم الاحتلال ثم الاستبداد- إلى أن “انقطع الوقف بشطريه: الأهلي والخيري، فالأهلي مقطوع بحكم القانون (الصادر 1953: أي في عهد عبد الناصر)، والخيري قُطع لما لوحظ من الانقطاع بين ذرية الواقف والوقف، والتصرف المطلق لوزارة الأوقاف في إدارته، بل لوحظ أن الذين وقفوا وكان لهم حق الرجوع، رجع كثيرون منهم عن أوقافهم”[10].

ووصل الحال بالأمة إلى أن تحكمت الدولة في المساجد ونظم التعليم ومنافذ الثقافة، وصار المواطن لا يستطيع أن يدرس أو يتعلم أو يقرأ أو يسمع إلا ما تريده الدولة أو تسمح به، وهو لا يستطيع أن يمارس نشاطًا ولو خيريًا إلا إذا سمحت الدولة، وصار العلماء في يد الدولة إن نطقوا بما أرادت أعطتهم الرواتب والمناصب وإلا أعطتهم المعتقلات والمشانق، ولا يستطيع الخطيب أن يخطب في الناس ولا أن يدرسهم ولا أن يقرئهم القرآن إلا بعد تصريح من الدولة، وصار الفقراء رهنًا لدى الدولة إن كانت صالحة أسعفتهم وإن كانت فاسدة أهلكتهم، وصار طلاب العلم أسرى لدى الدولة إن كانت حريصة على العلم مهدت سبيله وخفضت تكاليفه وأنفقت عليه وإن كانت غير ذلك أفسدتهم.. وهكذا صارت وجوه الحياة جميعها.

فإذا استحضرنا حقيقة أن الذي حكمنا في عصور ما بعد الاحتلال كان على مذهب الغرب عرفنا أي مصيبة نزلت ببلادنا على يد أناس من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

الأوقاف تهديد للعلمانية والتبعية الغربية

لم يكن محمد علي أول من حاول السيطرة على الأوقاف، حاول ذلك بعض الحكام قبله مثل الظاهر بيبرس -في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وقت حاجته للمزيد من النفقة لمواجهة المغول والصليبيين- فوقف له الإمام النووي ومعه جمع من العلماء حتى ردَّه عن ذلك، وحاولها بعدئذ الظاهر برقوق -في أواخر القرن التاسع الهجري، ليستعيد لبيت المال الخاوي ما احتال الأمراء على وقفه تحصينًا لأموالهم- فوقف له سراج الدين البلقيني وبرهان الدين بن جماعة وأكمل الدين وكان أقصى ما سمحوا له ما وُقِف على الأبناء ومنعوا عنه ما وُقِف للخير العام.

وحاول ذلك والي مصر العثماني إبراهيم باشا القبودان -في القرن الثاني عشر الهجري، وبالتحديد (1121هـ = 1709م)- فتصدى له علماء المذاهب الأربعة، فبقيت الأوقاف على ما هي عليه، بل وعجز السلطان العثماني نفسه بعد ذلك بربع قرن (1148هـ = 1735م) عن مثل ذلك، ولئن أفلح الأمراء في التحايل على الاستيلاء على أموال الوقف إلا أن ذلك من الفساد الإجرائي الذي كان يمكن إصلاحه في كل وقت[11].

لكن الذي فشل فيه السلاطين والأمراء الكبار المجاهدون نجح فيه فيما بعد شراذم العسكر الذين وصلوا للحكم عبر انقلابات -خططت لها ودعمتها مخابرات دول الاحتلال- ولم يحققوا لأمتهم شيئًا ذا بال، ذلك أن المظلة العلمانية ونظام الدولة المركزية نزعت من الأمة كل قوة لتضعها في يد الحاكم، ولم يعد ثمة علماء يستطيعون المواجهة بعد أن صاروا أجزاء من آلة الدولة، كما لم تعد ثمة قوى اجتماعية بعد أن صفيت عشائر الدولة أو سكتت رغبًا أو رهبًا.

ومن هنا تحكمت القوى العالمية في الأمة الإسلامية عبر التحكم في أنظمة الحكم، واختفت “الأمة” من معادلة الصراع، فنزل بنا من النكبات ما هو معروف مشهور طوال القرنين الماضيين.

إن الصراع الإسلامي الغربي متوقف في أهم وجوهه على قدرة الأمة على استعادة فاعليتها مرة أخرى، ونظام الوقف واحد من أهم هذه الوسائل التي تعيد الأمة إلى ساحة الفعل، وتعيد تمكينها من ثرواتها وتمويل نهضتها الحضارية.

607

المصادر
الكاتب

محمد إلهامي

باحث ومؤرّخ في التاريخ والحضارة الإسلامية، كاتب بعدد من الدوريات العربية ومهتم بالشأن الإسلامي.

التعليقات

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.