من أمثلة العمل “الترقیعي” في هذا الواقع ما نراه من سعي البعض إلى الوصول للسلطة المتغیرة تحت مظلة ورعایة الطغاة الفاسدین في السلطة الثابتة، فالمذهب الترقیعي یهرب دائمًا من مواجهة السلطة الثابتة فیفترض أن الوصول للسلطة المتغیرة هو أسلم وسیلة للتغییر المتدرج الهادئ، وكأن الطغاة في السلطة الثابتة سیسلمون رقابهم طواعیة لمن یخلعهم مع الوقت، إن الطغاة لا یرسمون من الطرق إلا ما یوصل إلى ما یریدون، وإذا تركوا لك مقعدًا او مقعدین في البرلمان بل ولو تركوا لك البرلمان كله أو لو تركوا لك منصب الرئاسة نفسه فإن ذلك حتمًا سیصب في خطة یریدونها!

الجماهیریة أو الرسالیة: الرسالة معناها وجود مرسِل ومرسَل له، فحاملو الرسالة ومرسلوها هم من یسمون (الطلیعة الثوریة)، والذین یستقبلون الرسالة ویتم حملها إلیهم هم (الجماهیر)، ولذلك لا معنى للرسالة إذا كان الجماهیر لا یفهمونها ولا یعقلونها، لأنهم المستهدفون بها، ولذلك عبرنا عن هذه القیمیة بالجماهیریة ویمكن أن نعبر عنها أیضًا بالرسالیة، ونعني بهذا: (وجود رسالة واضحة للثورة یفهمها الجماهیر) فإنه لا یوجد معنى للثورة ما لم یكن للثوار رسالة واضحة یحملونها إلى الجماهیر، وكل الثورات تحتاج إلى طلیعة ثوریة ناضجة، لها رسالة تعلیها وتحمیها وترعاها وتحققها وتحرك الجماهیر بها، بدون هذه الطلیعة صاحبة الرسالة الواضحة لا یمكن أن یتحقق التغییر الثوري، والجماهیر إذا تحركت بلا طلیعة فإن تحركها یكون عشوائیًا، سریعًا ما یتحول إلى تحرك ترقیعي یسهل احتواؤه.

ولم تنجح أي ثورة في التاریخ بدون أن یمتلك محركوها رسالة واضحة وخطابًا أفقیًا یفهمه الشعب ویتجاوب معه على اختلاف ثقافاته وطبقاته، وإذا لم یكن الشعب مؤهلًا للتحرك في قضایا الثورة ولا یوجد بداخله أي باعث للتغییر فعلى الطلیعة الثوریة حینها أن تبدأ فورا في إیجاد هذا الباعث في الشعب عبر “صناعة الوعي”، وصناعة الوعي هي معركة الثورة الأولى وأخطر وأهم وأصعب مراحلها، وصناعة الوعي لا تعني الكلام فقط، بل أعظم صناعة للوعي الجماهیري هو ما تكون القوة حاضرة فیه، فالقوة هي التي تدفع المعركة الثوریة للأمام وبدونها فالثورة وهم، فبعیدًا عن كون القوة تحمي الثورة وتردع خصومها إلا انها أیضًا تدفعها للأمام، وتبرز رسالتها، فهي كالمحرك الدافع داخل السیارة (الموتور)، فالسیارة لو اكتمل كل أجزائها بدون (الموتور) فستظل في مكانها بدون تقدم أبدًا، مهما كان شكلها جمیلًا، وكذلك المحرك وحده (الموتور) بدون استكمال باقي أجزاء السیارة لا یتحرك ولا یوصلك إلى الهدف الذي تسعى للوصول إلیه، أما لو اكتملت أجزاء السیارة مع الموتور وافتقدت إلى الطریق والهدف فهذا أسوأ وأسوأ، ولذلك نقول أن الثورة الحقیقیة تحتاج إلى فكر ورؤیة ورسالة وقدرة على الوصول إلى الجماهیر، إضافة إلى القوة التي ستدفع كل ذلك للأمام.

وبذلك تفهم أن العنف عند الكیان الثوري لیس سلوكًا منزوع السیاق ولا منفصلًا عن رسالته واتصاله بالجماهیر وإلا أصبح كالمحرك الذي تم انتزاعه عن باقي أجزاء السیارة كیف یمكن الاستفادة منه؟! وهذا أهم ما یفرق العنف الثوري عن العنف لدى كثیر من “التنظیمات المسلحة” غیر الثوریة التي عزلت نفسها في خطابها وأهدافها ورؤیتها عن الجماهیر، فأصبحت لا تحرص على تصدیر فكرة ورسالة واضحة لتحركاتها تخاطب بها الجماهیر، فهي تتبنى عنفًا لا رسالة له، أو له رسالة لكنها مشوهة، وأحیانًا یصبح العنف لدى هذه التنظیمات المسلحة هو عین الرسالة التي تحملها!

فیصبح العنف هو رسالتها، ورسالتها هي العنف، وفي الحقیقة العنف في ذاته لا یصلح أن یكون رسالة ثوریة تستنهض الجماهیر، بل العنف الثوري هو في النهایة خادم لرسالة أخرى تحملها الثورة وتوجهها للجماهیر وتسعى لتحریكها به.

وكلما وضحت رسالة الثورة وزادت عمقًا ونقاء كلما تضاعفت قوتها وأصبحت التحركات الثوریة أكثر تأثیرًا وأقدر على تحریك الجماهیر واكتساب المزید من المؤیدین، وهذا هو السر وراء قدرة الثورات الناجحة على هزیمة الأنظمة رغم أن فارق القوة بین الطلیعة والأنظمة یكون ضخمًا، بل أحیانًا الطلیعة الثوریة لا یتجاوز عددها العشرات وتتمكن من هزیمة أنظمة عتیقة معها مئات الآلاف من الجنود! فالمعارك الثوریة هي معارك متفاوتة القوة جدًا بین الثوار وبین خصومهم، ولذلك لا یمكن حسم مثل هذه المعارك بالعمل العسكري المنزوع عن رسالته وسیاقه الثوري.

وفارق القوة بین الثوار وبین خصومهم یتضح جدًا في واقعنًا الذي نتحدث فیه عن إسقاط منظومة عالمیة كاملة ولیس عن مجرد إسقاط لأنظمة داخلیة، فأنت بدون مواجهة منظومة الاحتلال الدولي، وبدون العمل على إسقاطها إسقاطًا حقیقیًا مباشرًا فستظل تصارع داخل حلبتهم، قد تستطیع وأنت في حلبتهم أن تحدث بلبلة ورجة عنیفة في منطقة أو منطقتین أو ثلاثة، ولكن ما دامت المفاصل الرئیسیة للسیطرة على العالم في ید النظام الدولي فهو قادر على أن یسترد منك ما أخذته ولو على الأمد الطویل والتاریخ أثبت ذلك ومازال یثبته!

الثورة

وهو ما یعني أن كلمة “ثورة” نعني بها (ثورة ضد النظام العالمي) في الأساس، وأن ثورتنًا لا نرید لها أن تكون مجرد انتفاضة شعبیة تسعى لبعض الإصلاحات الداخلیة، أو لتغییر بعض الوجوه، نحن نسعى لإعادة صیاغة قواعد اللعبة العالمیة، إنها ثورة أمة ضد منظومة الاحتلال الدولي، فكل مجموعة تتحرك بهذه الفكرة في قطر من الأقطار علیها أن تعلم أنها جزء من أمة تبحث عن استعادة ذاتها.

ویجب أن تعلم أن أي تحرك لم یمس قیم الواقع الفاسد لا یمكن وصفه بأنه سعي للتغییر الجذري، وقیم الواقع الیوم لیست إلا ثوابت النظام الدولي وقواعده وخطوطه الحمراء؛ لیست إلا ما زرعه الاحتلال القدیم والحدیث؛ بدایة من حدود بلداننا مرورًا بالشكل “الصنمي” الحالي للدولة وانتهاء بالقوانین التي تحكمنا داخلیًا وخارجیًا! فالمعارك الحقیقیة التي یجب أن ندعو الشعوب لخوضها هي المعارك التي یمكن أن نصفها بأنها سیوف تقطع أذرع النظام الدولي وتشق مفاصل هیمنته، قد یكون الكلام عامًا بشكل كبیر، ولكنني أتعمد في هذا الكتاب أن أرسم الملامح العامة والخطوط العریضة للمعركة بدون إیغال في التفاصیل.

خلاصة ما فات: أن هذه القیم الثلاثة (التغییر الجذري – العمل من خارج المنظومة – الرسالیة أو الجماهیریة) هي قیم أي ثورة، وبدون هذه القیم الثلاثة لا یمكن وصف أي تحرك بأنه “تحرك ثوري”، إلا أن الثورة لا تكتمل إلا إذا امتلكت منظومة قیم كاملة تزیح بها منظومة القیم لدى النظام الذي تسعى لإسقاطه من جذوره، ومنظومة قیم الثورة هي جزء من رسالتها التي تعلیها وتخاطب بها الجماهیر، وهذا ما سینقلنا للحدیث عن (ثورتنا والإسلام).

اضغط هنا لتحميل كتاب معركة الأحرار كاملًا PDF – الطبعة الثانية

300

الكاتب

أحمد سمير

ناشط ومهتم بالشأن الإسلامي والعالمي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.